زها حديد: أسطورة العمارة الحديثة ورائدة الإبداع العالمي 10042 مشاهدة
blogdetail

زها حديد: أسطورة العمارة الحديثة ورائدة الإبداع العالمي

زها حديد: المعمارية العراقية التي غيرت ملامح العمارة العالمية بإبداعها الفريد

تُعد زها حديد واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ العمارة الحديثة، ليس فقط بسبب تصميماتها الجريئة وغير التقليدية، وإنما لأنها استطاعت تحويل الأفكار التي بدت لسنوات وكأنها مجرد رسومات خيالية إلى مبانٍ حقيقية أصبحت علامات بارزة في مدن مختلفة حول العالم.

وُلدت زها حديد في بغداد عام 1950، ودرست الرياضيات في الجامعة الأمريكية في بيروت قبل انتقالها إلى لندن لدراسة العمارة في Architectural Association عام 1972. وبعد تخرجها عملت في مكتب OMA مع ريم كولهاس، ثم أسست مكتبها الخاص في لندن عام 1980، لتبدأ مسيرة مهنية امتدت لعقود وأثرت بصورة كبيرة في العمارة المعاصرة.

لم تكن أعمال زها مجرد مبانٍ ذات أشكال غريبة أو منحنيات ملفتة، بل كانت تعبيرًا عن رؤية معمارية تقوم على الحركة والانسيابية وكسر القوالب التقليدية. ولهذا أصبحت أعمالها محل اهتمام عالمي، وحصلت على العديد من أهم الجوائز في مجال العمارة.

من بغداد إلى لندن: كيف بدأت رحلة زها حديد؟

نشأت زها حديد في بغداد داخل عائلة كان لها حضور في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية العراقية، وهو ما وفر لها بيئة ساعدتها على التعرف مبكرًا إلى الفن والتصميم والأفكار الحديثة.

قبل دخولها مجال العمارة، درست الرياضيات في الجامعة الأمريكية في بيروت، وهي تجربة كان لها تأثير واضح على طريقة تفكيرها لاحقًا. فالعمارة بالنسبة إليها لم تكن مجرد رسم أشكال جميلة، وإنما مجال يجمع بين الحساب والهندسة والفن والفراغ.

وفي عام 1972، انتقلت إلى لندن والتحقت بكلية العمارة في Architectural Association، وهي من أشهر مدارس العمارة في العالم. وهناك درست على يد معماريين بارزين، من بينهم ريم كولهاس، الذي أصبحت تعمل معه لاحقًا في مكتب OMA. وبعد تخرجها عام 1977، واصلت العمل والتدريس قبل أن تؤسس مكتبها الخاص في لندن عام 1980.

كانت السنوات الأولى من مسيرتها المهنية صعبة نسبيًا، لأن الكثير من تصميماتها كانت تبدو سابقة لعصرها. وكانت رسوماتها ولوحاتها المعمارية تتميز بالزوايا الحادة والأشكال المتداخلة والمنظورات غير التقليدية، وهو ما جعل البعض يعتبرها أفكارًا صعبة التنفيذ.

لكن هذه الأفكار نفسها أصبحت لاحقًا الأساس الذي بنت عليه زها هويتها المعمارية العالمية.

أسلوب زها حديد الذي جعل العمارة تبدو وكأنها تتحرك

أحد أهم أسباب شهرة زها حديد هو أسلوبها المميز الذي اعتمد على الحركة والانسيابية والأشكال الهندسية المعقدة. فقد ابتعدت عن فكرة المبنى التقليدي ذي الخطوط المستقيمة، واتجهت إلى تصميمات تبدو وكأنها تتحرك أو تنساب داخل المكان.

وكانت الرسومات واللوحات جزءًا أساسيًا من عملية التصميم لديها، خصوصًا في مراحلها المبكرة. وتوضح مؤسسة زها حديد أن أعمالها ارتبطت بفكرة تطوير لغة معمارية عضوية تعتمد على الأدوات الرقمية الجديدة لدمج الأشكال المعقدة في تكوينات أكثر انسيابية.

وساعد التطور الكبير في برامج التصميم بالحاسوب على تحويل الكثير من أفكارها إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، بعدما أصبحت التقنيات الرقمية قادرة على التعامل مع المنحنيات والأسطح المعقدة التي كان تنفيذها أكثر صعوبة في السابق.

ولهذا لم تكن التكنولوجيا بالنسبة إلى زها مجرد أداة مساعدة، بل أصبحت جزءًا من الطريقة التي يمكن من خلالها توسيع حدود الخيال المعماري.

ومن أبرز الأمثلة على هذه الفلسفة مركز لندن للألعاب المائية London Aquatics Centre، الذي صُمم سقفه ليبدو وكأنه موجة ضخمة تنساب فوق أحواض السباحة. وتوضح Zaha Hadid Architects أن التصميم استُلهم من حركة المياه، بينما جرى تطوير المبنى لاحقًا ليتحول من منشأة أولمبية إلى مرفق رياضي عام.

أشهر أعمال زها حديد حول العالم

تركت زها حديد وراءها مجموعة كبيرة من المشروعات التي أصبحت علامات معمارية في مدن مختلفة، ومن أشهرها متحف MAXXI للفنون في روما، الذي يمثل نموذجًا واضحًا لطريقتها في التعامل مع المساحات والحركة.

فاز تصميم زها بمسابقة دولية أطلقتها وزارة التراث الثقافي الإيطالية عام 1998، متفوقًا على مقترحات 273 مشاركًا. ويتميز المتحف بمجموعة من المسارات والمساحات المتداخلة التي تمنح الزائر تجربة مختلفة عن المتاحف التقليدية. ويمكن الاطلاع على تفاصيل المشروع من خلال الموقع الرسمي لمتحف MAXXI.

ومن أعمالها المهمة أيضًا BMW Central Building في لايبزيغ بألمانيا، الذي صُمم ليعكس الحركة المستمرة داخل منشأة الإنتاج ويربط بين أجزاء مختلفة من المصنع.

كما صممت Vitra Fire Station في مدينة فايل آم راين بألمانيا، وهو من الأعمال المبكرة المهمة التي ساعدت على ترسيخ اسمها في عالم العمارة.

ومن المشروعات البارزة كذلك مركز حيدر علييف في باكو بأذربيجان، الذي يتميز بسطوحه البيضاء المنحنية التي تبدو وكأنها ترتفع من الأرض وتتحول إلى جزء من المبنى نفسه.

كما يأتي London Aquatics Centre ضمن أشهر أعمالها، وقد استضاف منافسات السباحة والغوص خلال أولمبياد لندن 2012، قبل تحويله إلى منشأة عامة بعد انتهاء الألعاب. ويُعد المبنى من أبرز الأمثلة على استخدام الشكل المعماري للتعبير عن طبيعة الوظيفة الموجودة بداخله.

ويمكن استكشاف مجموعة واسعة من أعمال مكتبها من خلال صفحة المشروعات الرسمية لـZaha Hadid Architects، التي تضم مشروعات في مجالات العمارة والتصميم الداخلي والمخططات العمرانية والبنية التحتية والمنشآت الرياضية والثقافية وغيرها.

زها حديد والجوائز التي جعلتها أيقونة عالمية

لم تتوقف إنجازات زها حديد عند تنفيذ المباني، وإنما انعكست مكانتها أيضًا في الجوائز والتكريمات التي حصلت عليها طوال مسيرتها.

وكان أبرز إنجاز في مسيرتها حصولها عام 2004 على جائزة بريتزكر للعمارة، لتصبح أول امرأة تحصل على الجائزة منذ تأسيسها. وقد وصف إعلان الجائزة زها بأنها صاحبة مسار معماري استثنائي، وأشار إلى قدرتها على تحدي الأفكار التقليدية المتعلقة بالفراغ والشكل الهندسي.

وتُعد جائزة بريتزكر واحدة من أرفع الجوائز في مجال العمارة، ولذلك كان حصول زها عليها نقطة تحول مهمة في الاعتراف العالمي بمكانتها.

كما حصلت على جائزة ستيرلنغ عن عدد من مشروعاتها، وهي من الجوائز البريطانية البارزة في مجال العمارة.

وفي عام 2012، حصلت على لقب Dame Commander of the Order of the British Empire تقديرًا لإسهاماتها في العمارة، لتصبح Dame Zaha Hadid.

وكانت هذه الجوائز انعكاسًا لمسيرة طويلة من العمل والبحث والتجريب، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من شهرتها في بداياتها ارتبط بمشروعات وأفكار لم يكن من السهل تنفيذها في ذلك الوقت.

المرأة العراقية التي كسرت حواجز العمارة العالمية

لم يكن طريق زها حديد إلى القمة سهلًا، فقد واجهت في بداياتها انتقادات بسبب تصميماتها الجريئة، كما واجهت صعوبة في تحويل العديد من مشروعاتها النظرية إلى مبانٍ حقيقية.

ويشير تاريخها المهني إلى أنها أمضت سنوات في تطوير مشروعات ومسابقات تصميمية قبل أن تحصل على فرص واسعة لتنفيذ أفكارها. حتى إن مؤسسة بريتزكر وصفت مسيرتها بأنها لم تكن تقليدية أو سهلة، وأشارت إلى أنها خاضت رحلة طويلة قبل أن تصل إلى أعلى مراتب المهنة.

كما أن نجاحها كان يحمل أهمية خاصة بالنسبة للنساء في مجال العمارة والهندسة، لأنها أصبحت نموذجًا عالميًا لمعمارية استطاعت فرض أسلوبها الخاص في مجال كان يهيمن عليه الرجال تاريخيًا.

لكن تأثيرها لم يكن محصورًا في كونها امرأة عربية نجحت عالميًا؛ فقد أصبحت أفكارها نفسها مؤثرة في تطور العمارة المعاصرة، وألهمت أجيالًا من المصممين والمعماريين.

وكانت زها تؤمن بأن العمارة يمكن أن تتجاوز وظيفة المبنى لتخلق تجربة جديدة للإنسان داخل المكان. ولهذا تبدو العديد من أعمالها وكأنها منحوتات ضخمة يمكن استخدامها والسير داخلها، وليس مجرد مبانٍ تقليدية.

إرث زها حديد ومكتب يواصل تطوير رؤيتها

توفيت زها حديد في 31 مارس 2016 في ميامي عن عمر 65 عامًا، لكن رحيلها لم يضع نهاية لتأثيرها في العمارة العالمية. فقد استمر مكتب Zaha Hadid Architects في تطوير المشروعات حول العالم والحفاظ على كثير من المبادئ التي شكلت هويتها المعمارية.

وتشير بيانات منشورة عن المكتب إلى أكثر من 950 مشروعًا في 44 دولة، مع فريق يضم مئات العاملين من جنسيات مختلفة.

ويظهر استمرار هذا الإرث في مشروعات المكتب التي تمتد من المباني الثقافية والرياضية إلى الأبراج والمساكن والبنية التحتية والتصميمات الداخلية.

ومن المهم أيضًا تصحيح بعض المعلومات المتداولة حول أعمال زها حديد؛ فعلى سبيل المثال، كان لديها تصميم لمشروع الاستاد الوطني الجديد في اليابان، لكنها لم تنفذ المشروع النهائي، إذ أُسقط تصميمها من المشروع قبل البناء. لذلك لا يصح نسب الاستاد الذي استُخدم في أولمبياد طوكيو 2020 إليها باعتباره مبنى منفذًا بتصميمها.

ويبقى إرث زها حديد أكبر من قائمة المباني التي صممتها، لأنها غيرت الطريقة التي ينظر بها كثير من المعماريين إلى العلاقة بين الهندسة والفن والتكنولوجيا والفراغ.

لقد أثبتت أن الفكرة التي تبدو مستحيلة اليوم قد تصبح غدًا مبنى حقيقيًا يغير شكل المدينة. ولهذا ستظل زها حديد واحدة من أبرز الأسماء التي تركت تأثيرًا عميقًا في العمارة الحديثة، ليس فقط بسبب المباني التي صممتها، وإنما بسبب الجرأة التي دفعت بها حدود الخيال المعماري إلى مناطق جديدة.