يسرى مارديني: من رحلة اللجوء إلى السباحة الأولمبية وأمل اللاجئين 9922 مشاهدة
blogdetail

يسرى مارديني: من رحلة اللجوء إلى السباحة الأولمبية وأمل اللاجئين

من سوريا إلى الأولمبياد: قصة يسرى مارديني التي ألهمت العالم بالشجاعة والإصرار

تُعد قصة يسرى مارديني واحدة من القصص الإنسانية والرياضية التي تجاوزت حدود المنافسات الأولمبية لتصبح رمزًا للأمل والإصرار للاجئين حول العالم. فمن طفلة سورية أحبت السباحة وتدربت منذ سنواتها الأولى، إلى شابة اضطرت إلى مغادرة بلدها بسبب الحرب، ثم إلى سباحة شاركت في أول فريق أولمبي للاجئين في تاريخ الألعاب الأولمبية، تحولت رحلة يسرى إلى قصة يتابعها الملايين.

في عام 2015، غادرت يسرى سوريا برفقة شقيقتها الكبرى سارة، وخلال رحلة الوصول إلى أوروبا تعرض القارب الذي كان يقل مجموعة من اللاجئين لعطل في المحرك، لتستخدم يسرى وشقيقتها مهاراتهما في السباحة للمساعدة في توجيه القارب نحو الأمان. وبعد وصولها إلى ألمانيا، عادت يسرى إلى التدريب، وبعد عام واحد فقط شاركت في أولمبياد ريو دي جانيرو 2016 ضمن فريق اللاجئين الأولمبي.

لكن قصة يسرى لم تتوقف عند المشاركة في الأولمبياد؛ فقد واصلت بعدها الدفاع عن قضايا اللاجئين، وأصبحت في عام 2017 أصغر سفيرة للنوايا الحسنة لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR في ذلك الوقت، كما شاركت لاحقًا في أولمبياد طوكيو 2020.

طفولة يسرى مارديني وبداية حلم السباحة في دمشق

نشأت يسرى مارديني في العاصمة السورية دمشق داخل عائلة ارتبطت بالرياضة والسباحة. وكان والدها مدربًا للسباحة، وهو ما ساعدها وشقيقتها سارة على اكتساب مهارات السباحة والتدريب منذ سن مبكرة.

لم تكن السباحة بالنسبة إلى يسرى مجرد هواية عابرة، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من حياتها وطموحاتها. ووفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كانت يسرى وشقيقتها سباحتين تتدربان على مستوى تنافسي في سوريا، كما شاركت يسرى في بطولة العالم للسباحة عام 2012 ممثلةً سوريا.

وكان حلمها منذ سنوات الطفولة الوصول إلى الألعاب الأولمبية، لكن اندلاع الحرب في سوريا غيّر مسار حياتها بالكامل. فمع تدهور الأوضاع الأمنية، لم تعد ممارسة الرياضة هي التحدي الأكبر؛ بل أصبح البحث عن مكان آمن للعيش هو الأولوية.

تذكر يسرى أن الحرب أثرت بشكل مباشر في حياتها الرياضية والعائلية، وأن عائلتها اضطرت في النهاية إلى اتخاذ قرار مغادرة سوريا بحثًا عن الأمان. وتوضح قصتها أن الحرب لا تؤثر فقط في المنازل والمدارس والعمل، وإنما يمكن أن توقف أيضًا أحلام الشباب والرياضيين وتضع مستقبلهم أمام ظروف لم يختاروها.

ومن هنا بدأت المرحلة الأصعب في رحلة يسرى، وهي الرحلة التي ستقودها بعد أشهر قليلة إلى واحدة من أكثر اللحظات شهرة في حياتها.

رحلة اللجوء من سوريا إلى أوروبا وتحدي البحر

في أغسطس 2015، غادرت يسرى سوريا مع شقيقتها سارة، واتجهتا في البداية إلى تركيا، ثم حاولتا الوصول إلى اليونان عبر بحر إيجه في قارب صغير كان يحمل عددًا كبيرًا من الأشخاص.

وخلال الرحلة، توقف محرك القارب وبدأت المياه تتسرب إليه. كان على متن القارب نحو 20 شخصًا، ولم يكن جميعهم قادرين على السباحة. عندها قررت يسرى وشقيقتها، إلى جانب شخصين آخرين، النزول إلى المياه ومساعدة القارب على الوصول إلى بر الأمان.

استمرت عملية السباحة والمساعدة لعدة ساعات، حتى وصل القارب إلى جزيرة ليسبوس اليونانية. ووفقًا لرواية المفوضية، استغرقت الرحلة من لحظة تعطل القارب حتى الوصول إلى الجزيرة نحو ثلاث ساعات ونصف.

هذه اللحظة أصبحت لاحقًا واحدة من أكثر الأجزاء شهرة في قصة يسرى، لأنها أظهرت كيف تحولت المهارة التي تدربت عليها لسنوات إلى وسيلة لمساعدة أشخاص آخرين في موقف شديد الصعوبة.

لكن الوصول إلى اليونان لم يكن نهاية الرحلة. كان على يسرى وشقيقتها مواصلة الطريق عبر أوروبا حتى الوصول إلى ألمانيا، حيث بدأت مرحلة جديدة تمامًا من حياتهما.

وبعد وصولها إلى ألمانيا في سبتمبر 2015، تمكنت يسرى من العودة إلى التدريب والانضمام إلى نادي Wasserfreunde Spandau 04 في برلين، لتبدأ من جديد بناء حلمها الرياضي الذي كاد أن يتوقف بسبب الحرب والنزوح.

من اللاجئة إلى فريق اللاجئين الأولمبي في ريو 2016

بعد استقرارها في ألمانيا، لم تتخلَّ يسرى عن حلم المشاركة في الألعاب الأولمبية. عادت إلى التدريب بجدية، وسرعان ما أصبحت قصتها معروفة لدى الجهات الرياضية التي كانت تعمل على تشكيل أول فريق أولمبي للاجئين.

في أولمبياد ريو دي جانيرو 2016، شارك لأول مرة في تاريخ الألعاب الأولمبية فريق مخصص للرياضيين اللاجئين تحت العلم الأولمبي. وضمت قائمة الفريق في ريو 10 رياضيين من خلفيات ودول مختلفة، وكانت يسرى مارديني واحدة منهم.

وكانت المشاركة ذات دلالة أكبر من مجرد منافسة رياضية؛ فقد حمل الفريق رسالة مرتبطة بقدرة الرياضيين الذين اضطروا إلى ترك بلدانهم على مواصلة أحلامهم والمشاركة في أكبر حدث رياضي عالمي.

شاركت يسرى في منافسات السباحة في ريو، ومنها سباق 100 متر فراشة، كما شاركت في سباق 100 متر حرة. ورغم عدم وصولها إلى النهائيات، فإن مجرد وصولها إلى الأولمبياد بعد أقل من عام على رحلتها إلى أوروبا كان إنجازًا لافتًا للغاية. وتوثق المفوضية مشاركتها في منافسات السباحة خلال ألعاب ريو 2016.

لم تكن قيمة مشاركة يسرى في النتيجة الرقمية للسباق فقط؛ فقد أصبحت قصتها معروفة عالميًا، وتحولت إلى واحدة من أبرز الوجوه المرتبطة بفريق اللاجئين الأولمبي.

كيف تحولت يسرى مارديني إلى صوت عالمي للاجئين؟

بعد أولمبياد ريو، اتسع تأثير يسرى بشكل كبير خارج حمام السباحة. فقد بدأت تتحدث في المحافل الدولية عن تجربتها الشخصية وعن الأشخاص الذين أجبرتهم الحروب والاضطهادات على مغادرة بلدانهم.

وفي أبريل 2017، عينتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سفيرة للنوايا الحسنة، وكانت في ذلك الوقت تبلغ 19 عامًا، لتصبح أصغر شخص يشغل هذا الدور لدى المفوضية.

واستخدمت يسرى قصتها الشخصية للتأكيد على أن كلمة "لاجئ" لا تختصر هوية الإنسان أو قدراته أو أحلامه. فالإنسان الذي اضطر إلى ترك منزله يمكن أن يكون رياضيًا أو طالبًا أو فنانًا أو صاحب مهارات وطموحات، وقد يحتاج فقط إلى فرصة آمنة لمواصلة حياته.

وتحدثت يسرى أيضًا أمام قادة وشخصيات دولية، وشاركت في فعاليات مرتبطة بقضايا اللاجئين، وأصبحت واحدة من الأصوات المعروفة عالميًا في الحديث عن الرياضة ودورها في دعم الاندماج ومنح الشباب فرصًا جديدة.

وفي عام 2021، أعلن اختيارها للمشاركة مجددًا مع فريق اللاجئين الأولمبي في أولمبياد طوكيو 2020، لتصبح مشاركتها الأولمبية الثانية.

وهكذا لم تعد يسرى مجرد سباحة شاركت في دورة أولمبية، بل أصبحت شخصية عامة تستخدم تجربتها الرياضية والإنسانية للتحدث عن قضايا النزوح والأمل وإعادة بناء المستقبل.

كتاب Butterfly وفيلم The Swimmers يحكيان رحلة يسرى

لم تتوقف قصة يسرى عند اللقاءات والمقابلات، وإنما انتقلت أيضًا إلى الكتب والسينما.

في عام 2018، صدرت مذكراتها Butterfly: From Refugee to Olympian – My Story of Rescue, Hope and Triumph، التي روت فيها تفاصيل حياتها في سوريا، وحبها للسباحة، ورحلة اللجوء، والوصول إلى ألمانيا، ثم المشاركة في الألعاب الأولمبية. وقد أشارت المفوضية إلى الكتاب باعتباره جزءًا أساسيًا من نقل تجربتها إلى جمهور عالمي.

ثم جاءت السينما لتقدم القصة لجمهور أوسع من خلال فيلم The Swimmers الذي أُطلق عام 2022. يتناول الفيلم قصة يسرى وشقيقتها سارة، بدءًا من حياتهما في دمشق، مرورًا برحلتهما إلى أوروبا، وصولًا إلى المسار الذي قاد يسرى إلى الألعاب الأولمبية.

وقد ساهم الفيلم في إعادة تسليط الضوء على تجربة يسرى وعلى قضايا اللاجئين، خصوصًا من خلال تقديم اللاجئين باعتبارهم أشخاصًا لديهم أحلام وعائلات ومواهب وحياة كاملة، وليس مجرد أرقام في الأخبار.

ويمكن التعرف إلى تفاصيل قصة يسرى من خلال صفحة يسرى مارديني على موقع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كما يمكن قراءة قصة رحلتها في أوروبا عبر تقرير UNHCR عن رحلة يسرى إلى الأولمبياد.

مؤسسة يسرى مارديني ودور الرياضة في صناعة الأمل

استمرت يسرى في استخدام شهرتها وخبرتها الرياضية في دعم فرص اللاجئين والشباب، ولم تعد الرياضة بالنسبة إليها مجرد وسيلة لتحقيق إنجاز شخصي، بل أصبحت أداة للتأثير الاجتماعي.

وفي عام 2023، أعلنت يسرى إطلاق Yusra Mardini Foundation، وهي مؤسسة تهدف إلى دعم الوصول إلى الرياضة والتعليم للمجتمعات اللاجئة، انطلاقًا من تجربتها الشخصية وإيمانها بالدور الذي يمكن أن تلعبه الرياضة في بناء المستقبل.

وتكشف هذه المرحلة من حياتها عن تحول مهم في قصتها؛ ففي البداية كانت تبحث عن فرصة لاستكمال تدريبها وحياتها الرياضية، ثم أصبحت تستخدم خبرتها لتوسيع الفرص أمام أشخاص آخرين.

وتبرز تجربة يسرى كذلك أهمية الرياضة في منح الأطفال والشباب مساحة للتعبير عن أنفسهم، وبناء الثقة، وتكوين علاقات اجتماعية، والحفاظ على أهداف مستقبلية حتى في ظل الظروف الصعبة.

ولهذا أصبحت قصتها مرتبطة برسالة أوسع من الفوز والخسارة. فالرياضة في تجربتها كانت وسيلة للحفاظ على حلم شخصي، ثم تحولت إلى منصة للتحدث عن قضايا إنسانية عالمية.

قصة يسرى مارديني ورسالتها عن الشجاعة والإصرار

تُظهر رحلة يسرى مارديني كيف يمكن للإنسان أن يعيد بناء مستقبله بعد المرور بظروف قاسية.

فقد بدأت رحلتها كسباحة سورية لديها حلم أولمبي، ثم اضطرت إلى مغادرة وطنها، وخاضت رحلة لجوء صعبة، قبل أن تعود إلى حمام السباحة في ألمانيا وتشارك في الألعاب الأولمبية بعد عام واحد تقريبًا.

وتكمن قوة قصتها في أنها لم تسمح للظروف بأن تكون التعريف الوحيد لحياتها. فقد كانت "لاجئة"، لكنها كانت في الوقت نفسه سباحة وطالبة ورياضية ومتحدثة ومدافعة عن حقوق الأشخاص الذين اضطروا إلى النزوح.

كما أن انتقال قصتها من دمشق إلى ريو ثم إلى المحافل الدولية يوضح قدرة الرياضة على تجاوز الحدود واللغات والثقافات. فالمنافسة الأولمبية لا تتعلق دائمًا بالميداليات فقط، وإنما يمكن أن تكون أيضًا فرصة لعرض قصص أشخاص واجهوا ظروفًا استثنائية واستطاعوا مواصلة الطريق.

وبعد مشاركتها في ريو 2016، لم تنتهِ القصة؛ فقد شاركت يسرى في أولمبياد طوكيو 2020، واستمرت في عملها مع المفوضية، كما أطلقت مؤسستها الخاصة لدعم الرياضة والتعليم.

ولهذا أصبحت قصة يسرى مارديني من سوريا إلى الأولمبياد واحدة من القصص التي تلخص معنى الإصرار على الحلم. فهي لا تقدم نموذجًا لرياضية حققت حلمها فحسب، وإنما لشابة استطاعت أن تعيد بناء مسارها بعد النزوح، وتحول تجربتها الشخصية إلى رسالة أمل وفرصة للتأثير في حياة الآخرين.

المصادر والروابط:

المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين – يسرى مارديني
UNHCR – رحلة يسرى مارديني من اللاجئة إلى الأولمبياد
UNHCR – قصة إنقاذ الركاب خلال رحلة البحر
UNHCR – فريق اللاجئين في أولمبياد ريو 2016
IOC – مشاركة يسرى مارديني في فريق اللاجئين الأولمبي