هيلين توماس: الصحفية التي فضحت أسرار الولايات المتحدة وكشفت مخطط الشرق الأوسط
هيلين توماس.. قصة الصحفية التي واجهت رؤساء أمريكا وأصبحت عميدة الصحافة في البيت الأبيض
لم تكن هيلين توماس مجرد صحفية تجلس في الصفوف الأمامية للمؤتمرات الصحفية داخل البيت الأبيض، بل كانت واحدة من أبرز الشخصيات التي تركت بصمة في تاريخ الصحافة السياسية الأمريكية خلال القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. وعلى مدار مسيرة مهنية امتدت لعقود، تمكنت من الوصول إلى واحدة من أكثر دوائر السلطة تأثيرًا في العالم، ووجهت أسئلة مباشرة إلى الرؤساء والمسؤولين دون أن تتردد في تحديهم أو الضغط عليهم للحصول على إجابات.
بدأت توماس العمل الصحفي في أربعينيات القرن الماضي، ثم انتقلت إلى تغطية البيت الأبيض عام 1961 مع وكالة United Press International، لتصبح لاحقًا أول امرأة تتولى منصب رئيس مكتب البيت الأبيض في وكالة أنباء كبرى، وأول امرأة تتولى رئاسة جمعية مراسلي البيت الأبيض عام 1975. كما أصبحت أول امرأة تنضم إلى نادي Gridiron الصحفي الشهير في واشنطن.
وخلال مسيرتها، غطت توماس إدارات عشرة رؤساء أمريكيين، من جون كينيدي إلى باراك أوباما، وأصبحت معروفة بأسئلتها الحادة والمباشرة، حتى أطلق عليها زملاؤها لقب "عميدة الصحافة في البيت الأبيض".
بدايات هيلين توماس وكسر الحواجز أمام الصحفيات
ولدت هيلين أميليا توماس في 4 أغسطس 1920 في مدينة وينشستر بولاية كنتاكي، لعائلة من أصول لبنانية، ونشأت في ديترويت. درست في Wayne State University وحصلت على درجة جامعية عام 1942، ثم انتقلت إلى واشنطن بحثًا عن فرصة في مجال الصحافة.
بدأت مسيرتها بوظيفة بسيطة في صحيفة Washington Daily News، ثم انضمت إلى United Press عام 1943، وهي المؤسسة التي أصبحت لاحقًا United Press International أو UPI. ومع مرور السنوات، تولت تغطية عدد من الملفات السياسية والوطنية قبل أن تصل إلى البيت الأبيض.
كانت البيئة الصحفية في ذلك الوقت مختلفة تمامًا عما هي عليه اليوم، إذ كانت النساء يواجهن قيودًا واضحة في المؤسسات الصحفية وفي الأوساط السياسية والإعلامية في واشنطن. وشاركت توماس خلال الخمسينيات والستينيات في جهود فتح المجال أمام الصحفيات للوصول إلى المؤتمرات والفعاليات التي كانت تهيمن عليها الصحافة الرجالية.
وفي عام 1961، بدأت تغطية البيت الأبيض ضمن فريق UPI في عهد الرئيس جون كينيدي. ومع الوقت، أصبحت من أكثر الصحفيين حضورًا في المؤتمرات الصحفية الرئاسية.
ثم جاءت واحدة من أبرز محطات مسيرتها عام 1970، عندما أصبحت كبيرة مراسلي UPI في البيت الأبيض، قبل أن تُعيَّن عام 1974 رئيسة لمكتب الوكالة في البيت الأبيض، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في وكالة أنباء كبرى.
هيلين توماس ورؤساء الولايات المتحدة
امتدت علاقة هيلين توماس بالبيت الأبيض عبر عدد كبير من الإدارات الأمريكية، وهو ما جعلها شاهدة مباشرة على أحداث سياسية كبرى خلال عقود من التغيرات العالمية.
اشتهرت توماس بجلوسها في الصف الأمامي داخل غرفة المؤتمرات الصحفية بالبيت الأبيض، وكانت تطرح الأسئلة بطريقة مباشرة لا تخلو من الإصرار. وفي بعض المؤتمرات كانت تحصل على السؤال الأول، كما اشتهرت بعبارة "Thank you, Mr. President" التي كانت تستخدمها في نهاية المؤتمرات الصحفية عندما ترى أن الوقت حان لإنهاء الجلسة.
كما كانت أسئلتها تتناول قضايا حساسة، مثل الحروب والسياسة الخارجية والقرارات الرئاسية. وخلال رئاسة جورج دبليو بوش، أصبحت من أبرز الأصوات الصحفية التي انتقدت تعامل الإدارة مع حرب العراق، وكانت ترى أن وسائل الإعلام لم تطرح على الإدارة الأسئلة الصعبة بالقدر الكافي.
ومن المحطات اللافتة في مسيرتها سفرها مع الرئيس ريتشارد نيكسون خلال زيارته التاريخية إلى الصين عام 1972. وتذكر مصادر صحفية ومؤسسات توثق مسيرتها أنها كانت الصحفية المطبوعة الوحيدة التي رافقت نيكسون في تلك الرحلة، في واحدة من أهم الزيارات الدبلوماسية الأمريكية في القرن العشرين.
وقد أتاحت لها هذه الرحلات فرصة متابعة السياسة الخارجية الأمريكية من موقع قريب جدًا من صناع القرار، كما جعلتها جزءًا من المشهد الصحفي الذي غطى أحداثًا مثل حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت وأزمات سياسية دولية أخرى.
إنجازات غير مسبوقة في تاريخ الصحافة الأمريكية
لم تقتصر أهمية هيلين توماس على طول فترة عملها في البيت الأبيض، وإنما ارتبط اسمها بمجموعة من الإنجازات التي فتحت الطريق أمام أجيال لاحقة من الصحفيات.
ففي عام 1975 أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة White House Correspondents' Association، وهي الجمعية التي تمثل الصحفيين الذين يغطون البيت الأبيض. ويؤكد الموقع التاريخي لجمعية البيت الأبيض أن توماس كانت أول امرأة تتولى هذا المنصب منذ تأسيس الجمعية.
وفي العام نفسه أصبحت أول امرأة تنضم إلى نادي Gridiron Club، وهو من المؤسسات التاريخية المرتبطة بالصحافة السياسية في واشنطن. كما أصبحت لاحقًا أول امرأة تتولى رئاسة النادي.
وكانت أيضًا أول امرأة تتولى منصب رئيس مكتب البيت الأبيض في وكالة أنباء كبرى، وهو إنجاز مهم في وقت كانت فيه المناصب القيادية في الصحافة السياسية الأمريكية بعيدة إلى حد كبير عن النساء.
ولذلك لم يكن وصفها بأنها "رائدة للصحفيات" مجرد لقب إعلامي، بل ارتبط بسلسلة من المناصب التي كانت النساء يدخلنها للمرة الأولى.
كما حصلت توماس على جوائز وتكريمات صحفية عديدة، من بينها Fourth Estate Award من National Press Club عام 1984، وكانت أول امرأة وأول صحفي يعمل في وكالة أنباء يفوز بهذه الجائزة.
موقف هيلين توماس من إسرائيل والقضية الفلسطينية
كان الجزء الأكثر إثارة للجدل في السنوات الأخيرة من حياة هيلين توماس مرتبطًا بمواقفها من إسرائيل والقضية الفلسطينية.
في مايو 2010، وخلال فعالية في البيت الأبيض بمناسبة شهر التراث اليهودي الأمريكي، سألها مدون عن موقفها من إسرائيل، فأدلت بتصريحات حول الإسرائيليين والفلسطينيين أثارت موجة واسعة من الانتقادات. وسرعان ما انتشر تسجيل المقابلة، وأصبحت تصريحاتها موضوعًا رئيسيًا في وسائل الإعلام الأمريكية.
أصدرت توماس بعد ذلك اعتذارًا قالت فيه إنها نادمة على تصريحاتها، وأكدت أن رؤيتها للسلام في الشرق الأوسط تقوم على الاحترام المتبادل والتسامح بين الأطراف. لكن الجدل لم ينتهِ، وأعلنت Hearst بعد أيام تقاعدها الفوري من العمل لديها.
كما أصدرت جمعية مراسلي البيت الأبيض بيانًا وصفت فيه تصريحاتها بأنها غير قابلة للدفاع عنها، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى دورها التاريخي والرائد في تغطية البيت الأبيض. وكانت توماس في ذلك الوقت لم تعد عضوًا في الجمعية منذ سنوات، لكن مكانتها التاريخية في غرفة الإحاطة جعلت القضية ذات أهمية خاصة بالنسبة إليها.
ومن المهم عند تناول هذه المرحلة من حياتها التمييز بين انتقاد سياسات إسرائيل أو الحكومة الأمريكية وبين الادعاءات غير الموثقة حول وجود سيطرة شاملة على الإعلام أو البيت الأبيض. بعض التصريحات المنسوبة إليها في هذا السياق أصبحت جزءًا من الجدل السياسي حولها، لكن لا توجد مصادر موثوقة تثبت الادعاءات الواردة في النص الأصلي بشأن "سيطرة جماعة واحدة على الإعلام الأمريكي والبيت الأبيض".
هل كانت هيلين توماس صحفية موضوعية أم صاحبة مواقف سياسية واضحة؟
من أكثر الجوانب المثيرة للاهتمام في شخصية هيلين توماس أنها لم تكن تحاول إخفاء مواقفها السياسية في سنواتها الأخيرة، وهو الأمر الذي جعل تقييم إرثها الصحفي محل نقاش.
من ناحية، رأى مؤيدوها أنها كانت مثالًا للصحفي الذي لا يخشى مساءلة السلطة، وأن أسئلتها المباشرة كانت تعكس الدور الرقابي للصحافة في الديمقراطيات. وقد وصفها العديد من زملائها بأنها صحفية شديدة الإصرار في البحث عن إجابات من المسؤولين.
ومن ناحية أخرى، تعرضت لانتقادات بسبب انتقال بعض تصريحاتها من صيغة السؤال الصحفي إلى التعبير المباشر عن مواقف سياسية قوية، خصوصًا في ملفات السياسة الخارجية وإسرائيل والحرب على العراق.
وهذه النقطة تحديدًا تجعل دراسة تجربتها مهمة؛ فالصحافة السياسية تتطلب الفصل بين الخبر والرأي، بينما كانت توماس في بعض مراحل مسيرتها المتأخرة أكثر وضوحًا في التعبير عن آرائها الشخصية.
ورغم ذلك، ظل تاريخها المهني طويلًا ومؤثرًا، إذ عملت مع UPI لمدة 57 عامًا تقريبًا، ثم انتقلت إلى Hearst Newspapers ككاتبة عمود حتى أزمة 2010.
كما ظهرت تسجيلات ومقابلات لها ضمن أعمال وثائقية تناولت السياسة الأمريكية، ومن بينها فيلم المخرج مايكل مور Fahrenheit 9/11، حيث تظهر توماس ضمن المشاركين أو المواد الأرشيفية المرتبطة بالفيلم.
السنوات الأخيرة ووفاة هيلين توماس
بعد مغادرتها Hearst عام 2010، استمرت توماس في الكتابة وإبداء آرائها في القضايا السياسية، وإن لم تعد تتمتع بالمكانة الرسمية نفسها التي كانت لها داخل الصحافة الأمريكية الرئيسية.
وظلت شخصيتها مرتبطة بتاريخ طويل من العمل الصحفي في البيت الأبيض، حيث عاصرت عشرة رؤساء أمريكيين، وغطت أحداثًا محورية امتدت من فترة الحرب الباردة إلى حروب الشرق الأوسط والتحولات السياسية في الولايات المتحدة.
توفيت هيلين توماس في واشنطن يوم 20 يوليو 2013 عن عمر 92 عامًا. وأشارت تقارير نعيها إلى أنها كانت قد عانت من تدهور صحي خلال الفترة السابقة لوفاتها.
وبعد وفاتها استمر الجدل حول إرثها؛ فهناك جانب تاريخي واضح يتمثل في دورها في فتح أبواب الصحافة السياسية أمام النساء، وتوليها عددًا من المناصب التي كانت حكرًا على الرجال، إلى جانب عقود من تغطية البيت الأبيض.
وفي المقابل، أصبحت تصريحاتها في 2010 جزءًا لا يمكن تجاهله عند تقييم سنواتها الأخيرة، ولذلك فإن تقديمها باعتبارها مجرد "رمز للمصداقية" أو مجرد "شخصية مثيرة للجدل" لا يعكس الصورة الكاملة.
الأدق أن هيلين توماس كانت صحفية رائدة ذات مسيرة استثنائية ومواقف سياسية قوية، تركت تأثيرًا حقيقيًا على تاريخ الصحافة الأمريكية، بينما ظلت تصريحاتها السياسية الأخيرة موضع خلاف وانتقاد واسع.
إرث هيلين توماس في الصحافة الأمريكية
يمكن النظر إلى تجربة هيلين توماس من أكثر من زاوية. فمن ناحية تاريخ الصحافة، كانت واحدة من النساء اللواتي كسرن حواجز مهمة في واشنطن، وأثبتت أن الصحفية تستطيع الوصول إلى الصفوف الأولى من السلطة السياسية ومساءلة الرؤساء والمسؤولين بشكل مباشر.
ومن ناحية أخرى، تُظهر قصتها أن المكانة المهنية الطويلة لا تمنع الجدل، وأن الصحفي الذي يتحول إلى شخصية عامة قد يجد نفسه في مواجهة انتقادات حادة عندما تصبح آراؤه السياسية جزءًا واضحًا من حضوره الإعلامي.
ولعل أكثر ما يميز مسيرتها هو قدرتها على البقاء في قلب المشهد السياسي الأمريكي لعقود طويلة. فقد بدأت حياتها المهنية في أربعينيات القرن العشرين، ثم دخلت البيت الأبيض في عهد كينيدي، وتابعت رئاسة نيكسون وفورد وكارتر وريغان وبوش الأب وكلينتون وبوش الابن وأوباما، حتى أصبحت واحدة من أكثر الوجوه ارتباطًا بالصحافة الرئاسية الأمريكية.
كما أن تجربتها تقدم درسًا مهمًا للصحفيين الشباب: السؤال الجيد لا يعني مجرد طرح سؤال، وإنما يتطلب معرفة بالموضوع وإصرارًا على الحصول على إجابة ومساءلة أصحاب السلطة.
وفي النهاية، يبقى إرث هيلين توماس أكثر تعقيدًا من الصورة المبسطة التي تقدمها بعض القصص عنها. فهي في الوقت نفسه صحفية كسرت حواجز أمام النساء، ومراسلة عاصرت عشرة رؤساء، وشخصية إعلامية صاحبة مواقف سياسية صريحة، وأيضًا شخصية أثارت تصريحاتها الأخيرة جدلًا واسعًا وانتهت بها مسيرتها في الصحافة الرئيسية. وهذه التناقضات تحديدًا هي التي تجعل قصتها واحدة من أكثر السير الصحفية إثارة للنقاش في التاريخ الأمريكي الحديث.
مصادر ومراجع: