من بنى الكعبة؟ وكم مرة تم بناؤها؟ القصة الكاملة للكعبة المشرفة
القصة الكاملة لبناء الكعبة المشرفة وتاريخها وتطورها عبر العصور
تُعد الكعبة المشرفة من أعظم المقدسات في الإسلام، فهي قبلة المسلمين التي يتوجهون إليها في صلاتهم، والبيت الحرام الذي يقصده المسلمون من مختلف أنحاء العالم لأداء مناسك الحج والعمرة. وترتبط الكعبة بتاريخ ديني عريق، وردت تفاصيل مهمة منه في القرآن الكريم والسنة النبوية، كما شهد بناؤها وإعمارها عددًا من المراحل والإصلاحات عبر التاريخ.
وتحتل الكعبة مكانة خاصة في قلوب المسلمين، فهي تقع في المسجد الحرام بمدينة مكة المكرمة، وترتبط مناسك الحج والعمرة بالطواف حولها والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة وغيرها من الشعائر.
وفي هذا المقال نستعرض قصة بناء الكعبة المشرفة، وما ورد في المصادر الإسلامية عن بنائها، وأبرز مراحل إعادة بنائها وترميمها، إلى جانب أهم المعلومات المتعلقة بشكلها وكسوتها وبابها في العصر الحديث.
بداية الكعبة المشرفة وما ورد في المصادر الإسلامية عن بنائها
يُذكر في بعض كتب التفسير والتاريخ عدد من الروايات حول بداية بناء الكعبة، ومن بينها روايات تنسب أول وضع لها إلى الملائكة أو إلى آدم عليه السلام. إلا أن هذه التفاصيل ليست كلها ثابتة بنصوص صحيحة صريحة، ولذلك ينبغي التفريق بين ما ثبت في القرآن والسنة وما ورد في كتب التاريخ والتفسير من روايات.
أما الثابت بنص القرآن الكريم فهو أن إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل عليه السلام رفعا قواعد البيت، قال الله تعالى:
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: 127].
وتشير الآية الكريمة إلى مرحلة مهمة جدًا في تاريخ الكعبة، وهي رفع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قواعد البيت، والدعاء بأن يتقبل الله منهما هذا العمل.
ولهذا فإن الحديث عن بناء الكعبة ينبغي أن يستند أولًا إلى النصوص الشرعية الثابتة، مع الإشارة إلى أن بعض التفاصيل التاريخية المتعلقة بأقدم مراحل البناء وردت في روايات متعددة تختلف في درجة ثبوتها.
بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة وقصة مقام إبراهيم
كان بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام للكعبة من أبرز المراحل المعروفة في تاريخ البيت الحرام. وتذكر المصادر الإسلامية أن إبراهيم عليه السلام كان يقوم بالبناء، بينما كان إسماعيل عليه السلام يعاونه ويأتي بالحجارة.
ومن المعالم المرتبطة بهذه المرحلة مقام إبراهيم، وهو الحجر الذي ارتبط بإبراهيم عليه السلام أثناء بناء البيت. وقد أصبح المقام من المعالم المعروفة في المسجد الحرام، ويصلي المسلمون خلفه ركعتي الطواف عندما يتيسر ذلك.
وقد ورد ذكر مقام إبراهيم في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125].
وترتبط الكعبة كذلك بقصة إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر رضي الله عنها، وبظهور ماء زمزم، ثم استقرار إسماعيل عليه السلام في مكة، وهي أحداث ذات مكانة كبيرة في التراث الإسلامي وترتبط بمناسك الحج والعمرة.
ويمكن الاطلاع على المعلومات الرسمية المتعلقة بمناسك الحج وخدمات الحجاج من خلال وزارة الحج والعمرة السعودية:
وزارة الحج والعمرة السعودية
لماذا سُميت الكعبة بهذا الاسم وما شكلها؟
تُعرف الكعبة بهذا الاسم، ويذكر أهل اللغة أن كلمة "الكعبة" مرتبطة بمعاني الارتفاع والبروز، كما ارتبط الاسم بشكل البيت وهيئته. والكعبة ليست مكعبة هندسيًا بصورة تامة، وإنما هي بناء ذو شكل مستطيل تقريبًا، وله أضلاع وأركان معروفة.
وتُعرف أركان الكعبة بأسماء منها الركن الأسود الذي يوجد فيه الحجر الأسود، والركن اليماني، وركن الحطيم أو الشامي، والركن العراقي.
ويُعد الحجر الأسود من أبرز معالم الكعبة، ويبدأ الطائف طوافه من محاذاته، ويُشرع استلامه أو الإشارة إليه عند تعذر الاستلام، دون اعتقاد أنه ينفع أو يضر بذاته.
وتتميز الكعبة أيضًا بوجود الحِجر أو حِجر إسماعيل إلى جانبها، وهو الجزء الواقع في الجهة الشمالية من الكعبة، وقد ارتبط بتطورات تاريخية في بناء البيت، خصوصًا في بناء قريش للكعبة قبل بعثة النبي محمد ﷺ.
كم مرة أُعيد بناء الكعبة وما أبرز مراحلها التاريخية؟
مرت الكعبة المشرفة عبر التاريخ بمراحل متعددة من البناء والإصلاح والترميم، ولا يصح اختصار تاريخها في عدد ثابت من عمليات البناء؛ لأن المصادر تختلف في عدّ المراحل التي تُعد بناءً كاملًا أو ترميمًا وإصلاحًا.
ومن أشهر المراحل التاريخية التي يكثر الحديث عنها إعادة بناء قريش للكعبة قبل بعثة النبي ﷺ.
وقد شارك النبي محمد ﷺ في أحداث مرتبطة بالكعبة قبل البعثة، ومن أشهرها قصة وضع الحجر الأسود عندما اختلفت قبائل قريش حول من يضعه في مكانه، فكان حل النبي ﷺ للنزاع سببًا في اتفاقهم على طريقة مشتركة لحمله ووضعه.
ثم جاءت مرحلة عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، حيث أعاد بناء الكعبة بعد الأحداث التي شهدتها مكة في عصره، مستندًا إلى ما بلغه من رغبة النبي ﷺ في أن تُبنى الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام لو لم يخشَ المشقة على أمته.
وبعد ذلك حدث تغيير في بناء الكعبة في عهد الحجاج بن يوسف بأمر من الخليفة عبد الملك بن مروان، فأعيد جزء من البناء إلى الهيئة التي كانت عليها قبل بناء ابن الزبير.
كما تعرضت الكعبة في عصور لاحقة لأضرار بسبب السيول، وخضعت لعمليات إصلاح وترميم مختلفة، ومن أبرزها الترميم الكبير في عهد السلطان العثماني مراد الرابع بعد السيول التي أثرت في المسجد الحرام والكعبة.
الكعبة المشرفة في العهد السعودي والعصر الحديث
شهد المسجد الحرام والكعبة المشرفة في العهد السعودي أعمالًا واسعة من التوسعة والترميم والعناية، في إطار تطوير الخدمات المقدمة للحجاج والمعتمرين والمحافظة على سلامة المسجد الحرام ومرافقه.
وشملت أعمال العناية بالكعبة ترميم أجزاء من البناء، وتجديد بعض العناصر، والاهتمام بالكسوة والأبواب والمكونات المرتبطة بها، إلى جانب أعمال التوسعة والتطوير المستمرة في المسجد الحرام.
أما باب الكعبة المشرفة، فقد شهد هو الآخر مراحل متعددة من التجديد. والباب الموجود حاليًا يعود إلى العصر السعودي، وصُنِع من الذهب، ويُعد من العناصر البارزة المرتبطة بالكعبة.
ومن المهم عدم الخلط بين باب الكعبة الحالي وبين الأبواب السابقة التي صنعت في عصور مختلفة، إذ شهد تاريخ البيت الحرام تغيرات وتجديدات عديدة.
ويمكن متابعة المعلومات الرسمية والأخبار المتعلقة بالحرمين الشريفين من خلال الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي:
الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي
كسوة الكعبة والحجر الأسود وأبرز معالم البيت الحرام
من أشهر مظاهر الكعبة المشرفة الكسوة السوداء التي تغطي جدرانها، وهي مصنوعة من الحرير، وتزينها كتابات وزخارف مطرزة بخيوط مخصصة لذلك.
وتتم العناية بالكسوة وإنتاجها وفق عمليات دقيقة، وقد ارتبط تغييرها تاريخيًا بمواسم الحج، وأصبح تغيير كسوة الكعبة يتم وفق الإجراءات الرسمية المعتمدة في المملكة العربية السعودية.
كما يمثل الحجر الأسود أحد أشهر معالم الكعبة، وهو حجر موجود في الركن الذي يبدأ منه الطواف. ويحرص الحجاج والمعتمرون على استلامه إذا تيسر ذلك دون إيذاء الآخرين أو مزاحمتهم.
ومن المعالم المهمة أيضًا الملتزم والمساحة المحيطة بالكعبة، بالإضافة إلى مقام إبراهيم وحجر إسماعيل، وكلها ترتبط بتاريخ البيت الحرام ومناسك الحج والعمرة.
وتستقبل مكة المكرمة ملايين المسلمين على مدار العام لأداء الحج والعمرة، ولذلك أصبحت العناية بالكعبة والمسجد الحرام جزءًا أساسيًا من منظومة الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن.
مكانة الكعبة المشرفة في الإسلام ولماذا يحرص المسلمون على زيارتها؟
لا تقتصر أهمية الكعبة المشرفة على كونها بناءً تاريخيًا، بل ترتبط بأصل مهم من أصول شعائر الإسلام، فهي قبلة المسلمين في الصلاة، وإليها يتوجه المسلمون في مختلف أنحاء العالم.
كما يرتبط البيت الحرام بمناسك الحج والعمرة، حيث يطوف المسلمون حول الكعبة، ويؤدون عددًا من الشعائر في الأماكن المقدسة المحيطة بها.
وقد ورد في القرآن الكريم أن البيت الحرام بُني ليكون موضعًا للعبادة، قال تعالى:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 96].
ولهذا فإن تاريخ الكعبة المشرفة يجمع بين البعد الديني والتاريخي، فقد ارتبطت بها قصص إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ثم شهدت أحداثًا مهمة قبل الإسلام وبعده، ومرت بعمليات بناء وترميم وإصلاح عبر قرون طويلة.
ومع استمرار أعمال العناية والتطوير في المسجد الحرام، تظل الكعبة المشرفة رمزًا جامعًا للمسلمين، يتجهون إليها في صلواتهم، ويقصدونها ضمن مناسك الحج والعمرة، وتبقى قصتها جزءًا مهمًا من التاريخ الإسلامي الذي تتناقله الأجيال.