كيف تُدار الشركات العملاقة من الداخل؟ أسرار وخبرات من مصطفى مصري مؤسس Fincart
مصطفى مصري هو مؤسس شركة Fincart، وله خبرة في ريادة الأعمال والإدارة وبناء الشركات والتعامل مع تحديات السوق. وفي هذه الحلقة من Podcast 360، يشارك مجموعة من التجارب والدروس التي تكشف جانبًا من الكواليس التي لا يراها كثير من الناس داخل الشركات، بداية من اتخاذ القرار وبناء الفرق، وصولًا إلى التعامل مع الأزمات والأخطاء والتغيرات المفاجئة في السوق.
كيف تُتخذ القرارات داخل الشركات الكبيرة وتُدار الأزمات؟
القرار داخل الشركات الكبيرة لا يُبنى عادة على الحدس فقط، بل يعتمد على مجموعة من البيانات والخبرات والتوقعات والمخاطر المحتملة. فكل قرار قد يؤثر على الموظفين والعملاء والإيرادات والسمعة، ولذلك تحتاج الإدارة إلى تقييم الصورة كاملة قبل التحرك.
ومن أهم التحديات التي تواجه أي مدير أو مؤسس أن المعلومات لا تكون كاملة دائمًا. أحيانًا يجب اتخاذ قرار سريع في ظل نقص البيانات، وهنا يظهر دور الخبرة والقدرة على تحديد الأولويات.
فالمدير الناجح لا يبحث بالضرورة عن القرار المثالي، بل عن القرار الأفضل في الوقت المتاح وبالمعلومات الموجودة أمامه.
كما أن الشركات الكبيرة تعتمد على توزيع المسؤوليات. فليس من الطبيعي أن يتخذ شخص واحد كل القرارات، ولذلك يتم بناء فرق قادرة على إدارة أقسام مختلفة مثل المبيعات والتسويق والعمليات والتمويل والموارد البشرية.
لكن توزيع المسؤولية لا يعني غياب الرقابة، بل يحتاج إلى نظام واضح يحدد من يقرر، ومن يراجع، ومن يتحمل مسؤولية النتيجة.
وتظهر أهمية هذا النظام بشكل أكبر أثناء الأزمات. فعندما تواجه الشركة انخفاضًا مفاجئًا في المبيعات أو مشكلة مع أحد العملاء أو أزمة في السيولة، يصبح الوقت عنصرًا مهمًا جدًا.
وفي هذه اللحظات، قد يؤدي التأخير في اتخاذ القرار إلى زيادة حجم المشكلة.
ولهذا تحتاج الشركات إلى سيناريوهات مسبقة وخطط للطوارئ، حتى لا تبدأ الإدارة من الصفر كلما حدثت أزمة.
ومن أهم مهارات إدارة الأزمات أيضًا القدرة على التواصل. فالمدير قد يعرف ما يجب فعله، لكنه إذا لم يستطع شرح القرار للفريق بصورة واضحة، يمكن أن تتحول المشكلة إلى حالة من الخوف أو الارتباك داخل الشركة.
كما أن الشفافية تلعب دورًا مهمًا. عندما يعرف الفريق طبيعة التحدي وما هو المطلوب منه، يصبح أكثر قدرة على المشاركة في الحل.
أما إخفاء المشكلات لفترة طويلة فقد يجعل الموظفين يشعرون بعدم الثقة.
وتكشف التجارب الإدارية كذلك أن بعض الأزمات قد تكون فرصة لإعادة تقييم طريقة العمل. فالشركة التي تمر بمشكلة في التكاليف مثلًا قد تكتشف أنها تعتمد على عمليات غير فعالة منذ سنوات.
والضغط الذي تفرضه الأزمة قد يجبر الإدارة على اتخاذ قرارات كانت تؤجلها باستمرار.
لكن من أكبر الأخطاء التي تقع فيها بعض الشركات هو التعامل مع كل أزمة برد فعل سريع دون فهم السبب الحقيقي.
فإذا تراجعت المبيعات، قد يكون الحل الظاهري هو زيادة الإعلانات، بينما تكون المشكلة الأساسية في المنتج نفسه أو في تجربة العميل.
ولهذا فإن التشخيص الصحيح يسبق أي قرار.
ويصبح دور المؤسس أو المدير هنا أقرب إلى دور الطبيب الذي يحاول فهم المشكلة قبل وصف العلاج.
كما أن اتخاذ القرار الجيد يحتاج إلى قبول فكرة أن بعض القرارات ستفشل. لا توجد إدارة لا تخطئ، والفرق الحقيقي بين الشركات يظهر في الطريقة التي تتعامل بها مع الخطأ.
الشركة التي تخفي الخطأ أو تبحث فقط عن شخص تلومه قد تكرر المشكلة نفسها.
أما الشركة التي تحلل ما حدث وتحوله إلى درس، فهي تبني مع الوقت خبرة مؤسسية أقوى.
من الأخطاء إلى بناء شركة ناجحة.. ما أهم دروس ريادة الأعمال؟
واحدة من أكثر الصور غير الواقعية عن ريادة الأعمال هي أن النجاح عبارة عن فكرة جيدة ثم نمو سريع ومستمر.
الواقع أن بناء الشركة يمر غالبًا بفترات من الشك والتجربة والخطأ، وقد يضطر المؤسس إلى تغيير خطته أكثر من مرة قبل الوصول إلى نموذج ناجح.
ومن أهم الدروس في هذه الرحلة أن الفكرة وحدها لا تكفي. فقد تكون الفكرة ممتازة، لكن التنفيذ ضعيف، أو لا يكون السوق مستعدًا لها، أو تكون تكلفة تقديم الخدمة أكبر من قدرة العميل على الدفع.
ولهذا يبدأ نجاح المشروع من فهم السوق والعميل بصورة دقيقة.
من هو العميل؟ ما المشكلة التي يعاني منها؟ ولماذا سيختار هذا المنتج بدلًا من البدائل الموجودة بالفعل؟
كلما كانت الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة، أصبحت عملية بناء المشروع أكثر واقعية.
كما أن إدارة التدفقات النقدية من أهم الجوانب التي يجب على رواد الأعمال فهمها. فالشركة قد تحقق مبيعات جيدة لكنها تواجه أزمة إذا لم تكن قادرة على إدارة المصروفات والتحصيل بصورة صحيحة.
ولهذا لا يكفي النظر إلى الإيرادات فقط، بل يجب فهم الربحية والسيولة والتكاليف.
وتظهر أهمية هذا الجانب خصوصًا في الشركات الناشئة، التي قد تنفق بسرعة على التوسع قبل أن يصبح نموذجها التجاري مستقرًا.
وقد يؤدي التوسع المبكر إلى تحويل النجاح الظاهري إلى أزمة مالية.
كما أن بناء الفريق من أصعب مراحل نمو الشركات. ففي البداية يستطيع المؤسس متابعة معظم التفاصيل بنفسه، لكن مع النمو يصبح ذلك مستحيلًا.
وهنا يحتاج إلى اختيار أشخاص يمكن الوثوق بهم ومنحهم مساحة حقيقية لاتخاذ القرار.
لكن التوظيف الخاطئ قد يكون مكلفًا جدًا. فالموظف غير المناسب لا يؤثر فقط على إنتاجيته، بل قد يؤثر على الفريق والثقافة الداخلية والعملاء.
ولهذا تحتاج الشركات إلى الاهتمام بالقيم والمهارات معًا، لا بالسيرة الذاتية وحدها.
ومن الدروس المهمة أيضًا أن ثقافة الشركة تبدأ من تصرفات الإدارة. فإذا كان المؤسس يتحدث عن احترام الوقت لكنه يتأخر دائمًا، فلن تصبح قيمة الالتزام جزءًا من الثقافة.
والثقافة الحقيقية هي ما يراه الموظفون في القرارات اليومية، وليس ما يُكتب على جدران المكتب.
كما أن العميل يمثل أحد أهم مصادر التعلم. فالشركات الناجحة لا تكتفي ببيع المنتج، بل تراقب كيفية استخدامه والمشكلات التي يواجهها العميل وما الذي يدفعه إلى الاستمرار أو المغادرة.
هذه الملاحظات يمكن أن تكون أكثر قيمة من كثير من الخطط النظرية.
وتحتاج الشركات أيضًا إلى القدرة على التكيف. فالسوق يتغير، والتكنولوجيا تتطور، والمنافسون يظهرون، وما كان ناجحًا قبل سنوات قد لا يكون مناسبًا اليوم.
ولهذا فإن التمسك بخطة قديمة لمجرد أنها نجحت سابقًا قد يصبح خطرًا.
ريادة الأعمال تحتاج إلى رؤية واضحة، لكنها تحتاج كذلك إلى مرونة في الطريق المؤدي إليها.
ومن أهم النقاط التي تكشفها تجربة أصحاب الشركات أن النجاح لا يأتي دائمًا من قرار ضخم واحد، بل من مئات القرارات الصغيرة التي يتم اتخاذها يوميًا بصورة أفضل.
تحسين خدمة العميل قليلًا، أو تقليل تكلفة غير ضرورية، أو توظيف شخص مناسب، أو إيقاف مشروع لا يحقق النتائج، كلها قرارات تبدو محدودة لكنها تتراكم مع الوقت.
كما أن المؤسس يحتاج إلى معرفة متى يتمسك برأيه ومتى يستمع للآخرين. الثقة مهمة، لكن الثقة المفرطة قد تمنع الشخص من رؤية الأخطاء.
ولهذا فإن وجود فريق يستطيع الاعتراض وطرح الأسئلة يمثل نقطة قوة، وليس تهديدًا للقيادة.
وتقدم حلقة Podcast 360 مع مصطفى مصري رؤية عملية لعالم الإدارة وريادة الأعمال، بعيدًا عن الصورة اللامعة التي تظهر عادة في قصص النجاح.
فخلف كل شركة تنمو توجد قرارات صعبة وأزمات وأخطاء وتجارب لم تنجح من المرة الأولى.
وفهم هذه الكواليس يساعد أي شخص يفكر في تأسيس مشروع أو تطوير شركته على التعامل مع النجاح باعتباره عملية طويلة من التعلم والتحسين، وليس لحظة واحدة تصل إليها الشركة ثم تتوقف عندها.