الأبراج والشرك: هل هناك علاقة بينهما؟ حوار مع د. هيثم طلعت حول حقيقة علوم الطاقة
الأبراج بين العلم والخرافة: هل هناك دليل على تأثيرها في شخصية الإنسان؟
يقرأ ملايين الأشخاص الأبراج يوميًا بدافع الفضول أو الترفيه، وقد يبدأ الأمر بسؤال بسيط مثل: ما توقعات برجك اليوم؟ لكن الأمر قد يتطور لدى البعض إلى الاعتماد على الأبراج في اختيار شريك الحياة، أو اتخاذ قرار مهني، أو توقع النجاح والفشل، أو تفسير شخصية الإنسان ومستقبله.
في هذه الحلقة من بودكاست جولة، يناقش د. هيثم طلعت موضوع الأبراج وما يعرف بعلوم الطاقة، ويحاول النظر إلى هذه الأفكار من زاويتين: ماذا يقول العلم عنها؟ وكيف يمكن فهمها من منظور ديني؟
علميًا، يجب أولًا التفريق بين علم الفلك والتنجيم.
علم الفلك Astronomy هو علم حقيقي يعتمد على الملاحظة والرياضيات والفيزياء لدراسة النجوم والكواكب والمجرات والكون. أما التنجيم Astrology فهو الاعتقاد بأن مواقع الأجرام السماوية وقت ميلاد الإنسان يمكن أن تؤثر في شخصيته أو أحداث حياته ومستقبله.
وتصنف الجمعية الأمريكية لعلم النفس التنجيم باعتباره علمًا زائفًا لا تدعم ادعاءاته أدلة علمية موثوقة.
وأُجريت بالفعل دراسات لاختبار ما إذا كان برج الإنسان يستطيع التنبؤ بشخصيته.
في إحدى الدراسات التي شملت 196 شخصًا، تمت مقارنة الخرائط الفلكية بنتائج اختبارات نفسية للشخصية، ولم يجد الباحثون دليلًا يدعم قدرة البيانات الفلكية على التنبؤ بسمات الشخصية.
كما درست أبحاث أخرى العلاقة بين الأبراج والشخصية على عينات أكبر ولم تجد ارتباطًا ذا أساس علمي بين البرج الذي يولد تحته الإنسان وصفاته النفسية.
وفي دراسة مزدوجة التعمية نُشرت عام 2008، استطاع المشاركون التعرف على ملفات شخصياتهم المبنية على اختبار نفسي بدرجة أفضل من الصدفة، لكنهم لم يتمكنوا من التعرف على أوصافهم الفلكية الحقيقية.
إذن لماذا يشعر بعض الأشخاص بأن وصف برجهم دقيق جدًا؟
أحد التفسيرات النفسية المعروفة هو ما يسمى تأثير بارنوم أو فورر. ويحدث عندما يقرأ الإنسان وصفًا عامًا يمكن أن ينطبق على عدد كبير من الناس، لكنه يشعر بأن الوصف مكتوب خصيصًا له.
عبارات مثل: "أنت تحب الآخرين لكنك تحتاج أحيانًا إلى وقت بمفردك"، أو "لديك طموحات كبيرة لكنك تشعر أحيانًا بالشك في نفسك"، يمكن أن تنطبق على ملايين الأشخاص.
وعندما يعرف القارئ مسبقًا أن هذه الصفات تخص برجه، قد يبدأ في التركيز على التفاصيل التي تتوافق معه ويتجاهل ما لا ينطبق عليه.
لماذا يصدق البعض الأبراج وما يعرف بعلوم الطاقة؟
الإنسان بطبيعته يبحث عن تفسير لما يحدث له، خصوصًا في أوقات القلق وعدم اليقين.
عندما يكون الشخص محتارًا بشأن علاقة أو وظيفة أو قرار مهم، يصبح الوعد بإجابة سهلة وجاهزة جذابًا.
وهنا تقدم الأبراج إجابات بسيطة على أسئلة معقدة: شخصيتك هكذا لأنك من هذا البرج، وعلاقتك بهذا الشخص صعبة لأن برجكما غير متوافقين، وهذا الأسبوع ستكون فرصك أفضل بسبب حركة أحد الكواكب.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأفكار من الترفيه إلى أساس لاتخاذ القرارات.
فبدلًا من تقييم علاقة بناءً على السلوك والتفاهم والاحترام، قد يحكم الإنسان عليها من خلال البرج. وبدلًا من دراسة فرصة عمل أو استثمار، قد ينتظر "توقيتًا فلكيًا مناسبًا".
وهذا يمكن أن يقلل من الاعتماد على التفكير والتحليل والمعلومات الواقعية.
أما مصطلح «علوم الطاقة» فهو واسع جدًا ويستخدم للإشارة إلى أشياء مختلفة، ولذلك يجب الحذر من وضع كل ما يحمل كلمة "طاقة" في فئة واحدة.
في الفيزياء، الطاقة مفهوم علمي محدد يمكن قياسه وحسابه.
لكن بعض الممارسات تستخدم كلمة الطاقة لوصف قوى خفية يُقال إنها تنتقل بين البشر أو تؤثر في الحظ أو الصحة أو الأحداث دون تقديم دليل تجريبي يمكن اختباره.
هنا يجب السؤال: هل يمكن قياس هذه الطاقة؟ هل توجد تجارب مستقلة تثبت وجودها؟ وهل يمكن تكرار النتائج؟
إذا كانت الإجابة لا، فلا يمكن وصف الادعاء بأنه حقيقة علمية لمجرد استخدام مصطلحات تبدو علمية.
الأبراج من المنظور الديني وتأثير الاعتقاد بالغيب في القرارات
من المنظور الإسلامي، توجد نقطة أساسية عند الحديث عن الأبراج وهي ادعاء معرفة الغيب.
فالاعتقاد بأن النجوم أو الأبراج تكشف بصورة مؤكدة ما سيحدث للإنسان في المستقبل يختلف تمامًا عن دراسة حركة الكواكب علميًا أو استخدامها في الحسابات الفلكية.
ويؤكد الإسلام أن علم الغيب المطلق لله وحده، ولذلك تعامل علماء المسلمين تاريخيًا مع ادعاءات التنجيم ومعرفة المستقبل بحذر شديد.
لكن من المهم أيضًا تجنب التسرع في الحكم على الأشخاص أنفسهم بالكفر أو الشرك لمجرد ممارسة أو عبارة قبل فهم اعتقادهم وقصدهم. وتشدد دار الإفتاء المصرية على أن إطلاق أحكام التكفير أو الشرك على الأشخاص ليس أمرًا يجوز التوسع فيه، وأن أفعال المسلم تُحمل على الوجه الذي لا يخرجه من دائرة الإيمان ما أمكن.
وهذا يوضح الفرق بين مناقشة الفكرة أو الاعتقاد وبين إصدار حكم على شخص معين.
فقد يقرأ إنسان الأبراج للتسلية دون أن يؤمن بأنها تعرف الغيب، بينما قد يعتقد آخر بالفعل أن حركة النجوم تحدد الأحداث المستقبلية بصورة حتمية. وهاتان الحالتان ليستا متطابقتين من حيث الاعتقاد.
كما أن الانجذاب إلى الأبراج يمكن أن يرتبط بحاجة الإنسان إلى الشعور بالسيطرة على المستقبل.
المستقبل مجهول، وهذا يسبب القلق. لذلك قد يشعر الشخص براحة مؤقتة عندما يخبره أحد بما يتوقع أن يحدث غدًا أو الأسبوع المقبل.
لكن هذه الراحة لا تجعل التوقع صحيحًا.
وهنا تلتقي الزاويتان العلمية والدينية في نقطة مهمة: عدم بناء القرارات المصيرية على ادعاءات لا يوجد دليل موثوق عليها.
فإذا كان الإنسان يريد فهم شخصيته، توجد أدوات نفسية أكثر دقة من الأبراج، إضافة إلى التأمل في سلوكه وتجربته والتحدث مع المختصين عند الحاجة.
وإذا كان يريد اتخاذ قرار مهني، فيمكنه الاعتماد على البيانات والخبرة ودراسة البدائل.
أما المستقبل، فلا توجد خريطة فلكية تستطيع أن تمنح الإنسان معرفة مؤكدة بما سيحدث له.
ومن خلال مناقشة د. هيثم طلعت في بودكاست جولة، يصبح موضوع الأبراج أكبر من سؤال: هل أنا حمل أم جدي أم عقرب؟
السؤال الحقيقي يتعلق بطريقة تفكير الإنسان ومصادر المعرفة التي يثق بها.
هل نقبل الفكرة لأنها منتشرة؟ هل نصدقها لأنها تبدو متوافقة مع تجربتنا؟ أم نسأل عن الدليل ونختبر الادعاء قبل أن نبني عليه حكمًا؟
كما أن انتشار محتوى الأبراج والطاقة على مواقع التواصل الاجتماعي يجعل التفكير النقدي أكثر أهمية.
فقد يقدم صانع محتوى توقعات عامة جدًا، ثم يتذكر الجمهور الحالات القليلة التي تحققت وينسى عشرات التوقعات التي لم تتحقق.
وهذا يعرف في علم النفس بالميل إلى البحث عن الأدلة التي تؤكد اعتقادنا وتجاهل الأدلة التي تناقضه.
لذلك فإن التعامل الواعي مع الأبراج يبدأ بالفصل بين الفضول والترفيه وبين الاعتقاد واتخاذ القرار.
فقراءة منشور للتسلية شيء، والاعتماد على الأبراج في الزواج أو المال أو الصحة أو المستقبل شيء مختلف تمامًا.
والمنهج الأكثر أمانًا هو أن يبني الإنسان قراراته على المعلومات الموثوقة والخبرة والعقل، وأن يميز بين علم الفلك الحقيقي وبين التنجيم، وبين المفاهيم العلمية للطاقة وبين الادعاءات التي تستخدم اللغة العلمية دون دليل يمكن اختباره.