▶

نظرية الاختيار وتحقيق التوازن العاطفي مع د. بشير الرشيدي – كيف تتحكم في حياتك؟

633 مشاهدة
2025 Apr

كيف تؤثر اختياراتنا اليومية في توازننا العاطفي؟

كثيرًا ما نشعر أن مشاعرنا تتحكم فينا، خاصة عندما نمر بمواقف صعبة أو خلافات أو ضغوط متكررة. قد نشعر بالغضب بسبب كلمة، أو بالإحباط بسبب موقف في العمل، أو بالقلق من قرار يتعلق بالمستقبل. لكن السؤال المهم هو: هل نحن أسرى لهذه المشاعر، أم أن لدينا مساحة نختار فيها طريقة التعامل معها؟

في هذه الحلقة من بودكاست جولة، يستضيف بدر سيف د. بشير الرشيدي للحديث عن نظرية الاختيار، وكيف يمكن للإنسان أن يصبح أكثر وعيًا بقراراته وتصرفاته، وأن يفهم العلاقة بين ما يختاره يوميًا وبين شعوره بالراحة أو التوتر.

الفكرة الأساسية لا تعني أن الإنسان يستطيع أن يقرر فجأة ألا يشعر بالحزن أو الغضب. المشاعر قد تظهر بصورة تلقائية نتيجة أحداث وتجارب مختلفة، لكن ما نستطيع التأثير فيه بدرجة أكبر هو طريقة استجابتنا لها.

فعندما يتعرض شخص لموقف مزعج، يمكنه أن يرد فورًا وهو غاضب، أو يمنح نفسه وقتًا للهدوء قبل اتخاذ أي قرار. في الحالتين لم يختر الشعور الأول، لكنه يستطيع أن يختار ما سيفعله بعد ظهوره.

وهذه المساحة بين المشاعر ورد الفعل مهمة للغاية في تحقيق التوازن العاطفي.

فكثير من المشكلات لا تنتج عن الشعور نفسه، وإنما عن السلوك الذي يحدث في لحظة الانفعال.

كلمة قاسية أثناء الغضب قد تؤدي إلى مشكلة تستمر أيامًا، ورسالة مرسلة في لحظة توتر قد تسبب خلافًا لم يكن ضروريًا.

ولهذا فإن التوقف قبل التصرف يمكن أن يكون عادة بسيطة لكنها مؤثرة.

كما أن اختيارات الإنسان اليومية لا تتعلق فقط بالمواقف الكبيرة.

قرار الاستمرار في التفكير في مشكلة لساعات، أو متابعة محتوى يسبب التوتر باستمرار، أو الدخول في نقاشات لا تنتهي، كلها اختيارات قد تؤثر في الحالة النفسية.

وفي المقابل، يمكن اختيار أخذ فترة راحة، أو الحديث مع شخص موثوق، أو التركيز على حل عملي للمشكلة.

نظرية الاختيار وكيف تساعدنا على إدارة ردود أفعالنا

من المفاهيم المهمة في نظرية الاختيار التركيز على الأشياء التي يستطيع الإنسان التأثير فيها بدلًا من استنزاف طاقته في محاولة التحكم في كل شيء حوله.

فلا يمكننا التحكم في رأي كل شخص فينا، ولا في تصرفات الآخرين، ولا في جميع الأحداث التي تحدث في حياتنا.

لكن يمكننا اختيار الطريقة التي نتحدث بها، وكيف نضع حدودنا، وما إذا كنا سنستمر في موقف معين أو نغير طريقة التعامل معه.

على سبيل المثال، إذا كان هناك شخص يتعامل معنا بطريقة مزعجة، فقد لا نستطيع تغيير شخصيته، لكن يمكننا اختيار طريقة الرد عليه أو تقليل الاحتكاك أو توضيح ما نقبله وما لا نقبله.

هذا الانتقال من التفكير في "كيف أجعله يتغير؟" إلى "ما الذي أستطيع فعله أنا؟" يساعد على تقليل الشعور بالعجز.

كما أن طريقة تفسير الأحداث تؤثر في المشاعر.

إذا لم يرد أحد الأصدقاء على رسالة، فقد يفسر الشخص ذلك فورًا بأنه تجاهل متعمد، فيشعر بالغضب أو الحزن.

لكن قد تكون هناك تفسيرات أخرى: ربما كان الشخص مشغولًا أو لم يشاهد الرسالة.

وهنا يمكن لاختيار عدم التسرع في التفسير أن يمنع مشاعر سلبية كثيرة.

ولا يعني هذا تجاهل الواقع أو تبرير كل تصرفات الآخرين، بل يعني التحقق قبل إصدار الأحكام.

كما أن إدارة المشاعر تحتاج إلى معرفة ما الذي نشعر به فعلًا.

قد يبدو الإنسان غاضبًا، لكنه في الحقيقة يشعر بالخوف أو الإحباط أو عدم التقدير.

ومعرفة الشعور الأساسي تساعد على اختيار رد أفضل.

بدلًا من الصراخ، يمكن أن يقول الشخص: "هذا الموقف جعلني أشعر بأن رأيي غير مقدر".

التعبير المباشر عن المشاعر والاحتياجات يساعد على تحسين التواصل ويقلل من الخلافات.

كيف نستخدم اختياراتنا لبناء حياة أكثر هدوءًا واتزانًا؟

تتكون جودة الحياة بدرجة كبيرة من القرارات الصغيرة التي تتكرر يومًا بعد يوم.

اختيار النوم في وقت مناسب، أو تخصيص وقت للراحة، أو ممارسة نشاط بدني، أو تنظيم ساعات العمل، كلها قرارات تبدو بسيطة لكنها تؤثر في الطاقة والمزاج والقدرة على التعامل مع الضغوط.

كما أن اختيار الأشخاص الذين نقضي معهم وقتنا له تأثير مهم.

العلاقات التي تقوم على الاحترام والدعم قد تمنح الإنسان شعورًا بالأمان، بينما العلاقات التي تمتلئ بالنقد أو الصراع المستمر قد تصبح مصدرًا دائمًا للإرهاق.

ولهذا فإن بناء حدود صحية في العلاقات جزء أساسي من التوازن العاطفي.

قد يحتاج الإنسان أحيانًا إلى قول "لا" لطلب لا يستطيع القيام به، أو إلى تقليل الوقت الذي يقضيه مع شخص يستنزف طاقته باستمرار.

قول "لا" بصورة محترمة لا يعني الأنانية، بل يمكن أن يكون جزءًا من حماية الوقت والطاقة.

كما أن بعض الأشخاص يجعلون رضا الآخرين أساسًا لكل قراراتهم.

يوافقون على ما لا يريدونه، ويختارون ما يتوقعه منهم الآخرون، ثم يشعرون بعد ذلك بأنهم يعيشون حياة لا تناسبهم.

وهنا يمكن أن يساعد سؤال بسيط: هل هذا القرار يتفق مع قيمي واحتياجاتي، أم أنني أتخذه فقط حتى لا أغضب شخصًا آخر؟

ولا يعني ذلك تجاهل الآخرين، بل البحث عن توازن بين المسؤولية تجاههم والمسؤولية تجاه النفس.

ومن أهم الاختيارات أيضًا الطريقة التي نتعامل بها مع الأخطاء والفشل.

يمكن للإنسان أن يرتكب خطأ ثم يظل يعاقب نفسه نفسيًا لفترة طويلة، أو يمكنه الاعتراف بالخطأ ومعرفة سببه ثم محاولة عدم تكراره.

الماضي لا يمكن تغييره، لكن الطريقة التي نستخدم بها تجربتنا الماضية يمكن تغييرها.

وهذا ينطبق على القرارات التي نندم عليها.

السؤال المستمر "لماذا فعلت ذلك؟" قد يصبح مرهقًا إذا لم يؤدِ إلى شيء، بينما السؤال "ماذا تعلمت، وماذا سأفعل بشكل مختلف في المرة القادمة؟" يحول التجربة إلى معرفة.

كما يساعد التوقف عن المقارنة المستمرة في تحسين التوازن النفسي.

فوسائل التواصل تجعل الإنسان يرى إنجازات الآخرين بصورة يومية، وقد يشعر أن الجميع يتقدمون بينما هو ثابت في مكانه.

لكن ما نراه غالبًا هو جزء مختار من حياة الآخرين.

لذلك فإن مقارنة النفس بما كانت عليه قبل عام قد تكون أكثر فائدة من مقارنتها بحياة شخص آخر.

ومن الاختيارات المهمة أيضًا ما نسمح له باحتلال أذهاننا.

إذا كان الشخص يقضي ساعات في متابعة الأخبار أو النقاشات التي تزيد توتره، فقد يكون تقليل هذا المحتوى قرارًا صحيًا.

ليس المطلوب تجاهل العالم، بل تنظيم كمية المعلومات التي نتعرض لها.

كما أن تحقيق السلام الداخلي لا يعني أن تصبح الحياة خالية من المشكلات.

الحياة ستظل تحتوي على ضغوط ومواقف لا نستطيع توقعها.

لكن الفرق يكون في الطريقة التي نتعامل بها معها.

الشخص المتوازن ليس الذي لا يغضب أبدًا، بل الذي يستطيع أن يدرك غضبه دون أن يسمح له بإفساد كل قرار.

وليس الشخص المتوازن هو الذي لا يحزن، بل الذي يسمح لنفسه بالحزن ثم يبحث عن الدعم الذي يحتاجه.

ومن خلال حديث د. بشير الرشيدي في بودكاست جولة، يمكن النظر إلى نظرية الاختيار باعتبارها وسيلة لزيادة الشعور بالمسؤولية عن الجزء الذي نملكه من حياتنا.

فنحن لا نملك كل الظروف، لكننا نملك كثيرًا من الاختيارات اليومية التي تؤثر في طريقة عيشنا لهذه الظروف.

يمكننا اختيار طريقة الحديث أثناء الخلاف، واختيار الأشخاص الذين نطلب منهم الدعم، واختيار العادات التي نبنيها، وطريقة النظر إلى الخطأ أو الفشل.

كما يمكننا اختيار ألا نجعل كل موقف صغير يتحول إلى أزمة كبيرة.

وأحيانًا يكون أفضل اختيار هو عدم الرد فورًا، أو الابتعاد قليلًا عن الموقف، أو طلب المساعدة عندما نشعر أننا لا نستطيع التعامل معه بمفردنا.

ومن هنا تصبح الاختيارات والتوازن العاطفي مرتبطين بصورة واضحة.

كل اختيار صغير قد لا يغير الحياة في اللحظة نفسها، لكن تراكم القرارات اليومية يصنع مع الوقت أسلوب حياة كاملًا.

وعندما يصبح الإنسان أكثر وعيًا بما يستطيع تغييره، وأكثر قبولًا لما لا يستطيع السيطرة عليه، وأكثر قدرة على اختيار ردوده بدلًا من التصرف تحت تأثير الانفعال، يقترب من حياة أكثر هدوءًا وتوازنًا.

فالتوازن العاطفي ليس سيطرة كاملة على المشاعر، بل قدرة متزايدة على فهمها وإدارتها واختيار السلوك الذي يخدم الإنسان وعلاقاته وأهدافه بدلًا من أن يجعل المشاعر اللحظية هي التي تقود كل قراراته.

قد يعجيك أيضاً

عرض الكل

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

422995 مشاهدة
2022 Dec
لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

Podcast

7302 مشاهدة
2023 Mar
مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

Podcast

5348 مشاهدة
2023 Mar
كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

Podcast

14099 مشاهدة
2023 Sep
المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

الأكثر مشاهدة - Most Watched

11154 مشاهدة
2025 Jan
كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

23220 مشاهدة
2025 Jan