الواقع البيئي والطموحات مع الدكتور فنيس العجمي: نحو مستقبل بيئي أفضل
ما هو واقع البيئة اليوم وما أبرز التحديات التي تواجه العالم؟
أصبح الحديث عن البيئة والتغير المناخي جزءًا أساسيًا من النقاش العالمي حول مستقبل الاقتصاد والصحة والتنمية. فالتحديات البيئية لم تعد مرتبطة فقط بحماية الأشجار أو تنظيف الشواطئ، بل أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في المياه والغذاء والطاقة والصحة العامة والمدن والاقتصادات.
في هذه الحلقة من بودكاست إنسان، يستضيف البرنامج الدكتور فنيس العجمي للحديث عن الواقع البيئي الحالي، والطموحات التي يمكن أن تساعد المجتمعات على الانتقال إلى مستقبل أكثر استدامة، وكيف يمكن تحقيق التوازن بين احتياجات التنمية والحفاظ على الموارد الطبيعية.
وتصف الأمم المتحدة المشهد البيئي العالمي من خلال ثلاث أزمات مترابطة: تغير المناخ، وفقدان الطبيعة والتنوع الحيوي، والتلوث والنفايات. وتؤكد تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة الحديثة أن استمرار المسارات الحالية يمكن أن يزيد الأضرار البيئية والاقتصادية، بينما يمكن للسياسات والاستثمارات الأكثر استدامة أن تحقق فوائد بيئية وصحية واقتصادية واسعة.
ومن أكبر التحديات التغير المناخي.
فارتفاع درجات الحرارة لا يؤثر في الطقس فقط، بل يمكن أن يزيد مخاطر موجات الحر والجفاف والفيضانات وبعض الظواهر الجوية الشديدة، كما يضع ضغوطًا إضافية على المياه والزراعة والبنية التحتية.
وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2025 إلى أن التعهدات المناخية الحالية لا تزال غير كافية للوصول إلى المسار الأكثر أمانًا، وأن العالم سيواجه مخاطر مناخية أكبر إذا لم تتسارع جهود خفض الانبعاثات.
ولا تقل مشكلة التلوث أهمية عن تغير المناخ.
فالهواء والمياه والتربة تتأثر بمجموعة واسعة من الملوثات الناتجة عن الصناعة والنقل والنفايات والمواد الكيميائية وسوء إدارة الموارد.
وقد أصبح التعامل مع التلوث قضية مرتبطة بالصحة العامة، لأن البيئة التي يعيش فيها الإنسان تؤثر مباشرة في جودة حياته.
وتأتي النفايات ضمن أكبر التحديات الحديثة، خاصة مع زيادة الاستهلاك والتمدن السريع.
ويشير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن العالم ينتج نحو 2.1 مليار طن من النفايات البلدية سنويًا، وأن ما لا يقل عن ثلث هذه الكمية لا تتم إدارته بطريقة مستدامة بيئيًا.
وتزداد المشكلة مع انتشار المنتجات قصيرة العمر والنفايات الإلكترونية والبلاستيك.
فالاقتصاد القائم على نموذج "ننتج، نستخدم، ثم نتخلص" يستهلك كميات كبيرة من الموارد ويولد نفايات يصعب التعامل معها.
كيف نوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة؟
أحد أكبر الأسئلة التي تواجه الحكومات هو: هل حماية البيئة تعني إبطاء التنمية؟
في الواقع، لا يجب أن يكون الاختيار بين الاقتصاد والبيئة بهذه الصورة.
فمفهوم التنمية المستدامة يقوم أساسًا على تلبية احتياجات الإنسان وتحقيق النمو الاقتصادي دون استنزاف الموارد بطريقة تمنع الأجيال القادمة من تلبية احتياجاتها.
وهذا يعني أن المشروع الاقتصادي الناجح لا يجب تقييمه فقط من خلال الأرباح التي يحققها اليوم، بل أيضًا من خلال تأثيره طويل المدى في المياه والهواء والطاقة والمجتمع.
على سبيل المثال، يمكن للمدن أن تستثمر في وسائل النقل العام والطاقة النظيفة والمباني الأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة.
هذه المشروعات قد تحتاج إلى استثمارات في البداية، لكنها يمكن أن تقلل التلوث واستهلاك الوقود والتكاليف على المدى الطويل.
كما أصبح الاقتصاد الدائري من الأفكار المهمة في هذا المجال.
بدلًا من تصنيع المنتج ثم التخلص منه بعد الاستخدام، يحاول الاقتصاد الدائري إبقاء المواد داخل دورة الاستخدام لأطول فترة ممكنة من خلال الإصلاح وإعادة الاستخدام وإعادة التصنيع والتدوير.
هذا النموذج يساعد على تقليل النفايات والضغط على الموارد.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن استهلاك الموارد والنفايات الغذائية والإلكترونية ما زالت ترتفع عالميًا، رغم وجود تقدم في السياسات والتقارير المرتبطة بالإنتاج والاستهلاك المستدامين.
ولهذا فإن التحدي لم يعد فقط في وجود خطط بيئية، بل في تحويلها إلى تغييرات حقيقية في طريقة الإنتاج والاستهلاك.
كيف نصنع مستقبلًا بيئيًا أكثر استدامة للأجيال القادمة؟
التحول البيئي يحتاج إلى مشاركة أكثر من طرف.
فالحكومة تستطيع وضع القوانين والمعايير، والشركات تستطيع تغيير طرق الإنتاج، والمؤسسات البحثية تقدم المعرفة والتقنيات، بينما يستطيع الأفراد تعديل بعض أنماط الاستهلاك.
ولا يستطيع طرف واحد حل المشكلات البيئية وحده.
ولهذا أصبحت الشراكات الدولية ضرورية، لأن تغير المناخ والتلوث لا يتوقفان عند حدود دولة معينة.
الانبعاثات التي تحدث في مكان قد تؤثر في المناخ العالمي، والنفايات البلاستيكية التي تصل إلى البحر يمكن أن تنتقل عبر مسافات واسعة.
وقد شهد عام 2025 استمرار محاولات تعزيز هذا التعاون، بما في ذلك قرارات دولية تتعلق بإدارة المواد الكيميائية والنفايات وحماية النظم البيئية وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات البيئية.
ومن المجالات التي يمكن أن تلعب دورًا كبيرًا في المستقبل الطاقة المتجددة.
فالطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتقنيات التخزين والمركبات الكهربائية أصبحت أكثر انتشارًا، وهو ما يفتح فرصًا لتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة الأعلى في الانبعاثات.
وتشير تحديثات برنامج الأمم المتحدة للبيئة في 2026 إلى أن بعض التقنيات النظيفة أصبحت أكثر انخفاضًا في التكلفة وأسرع انتشارًا، بما يشمل الطاقة المتجددة والنقل الكهربائي والتبريد الأكثر استدامة.
لكن التحول إلى الطاقة النظيفة يحتاج إلى تخطيط جيد.
فالأنظمة الكهربائية تحتاج إلى تحديث، كما تحتاج الدول إلى استثمارات في الشبكات والتخزين والتقنيات والبنية التحتية.
ويجب أيضًا مراعاة التأثيرات البيئية والاجتماعية لاستخراج المعادن المستخدمة في بعض التقنيات الحديثة.
كما يمثل إدارة المياه ملفًا شديد الأهمية، خاصة في المناطق التي تعاني ندرة الموارد المائية.
يمكن للتقنيات الحديثة أن تساعد على زيادة كفاءة الري وتقليل التسرب وإعادة استخدام المياه المعالجة وتحسين عمليات التحلية.
لكن التكنولوجيا وحدها ليست كافية إذا استمر الهدر.
ومن هنا يأتي دور التوعية وتغيير السلوك.
فقد يظن الفرد أن تأثيره محدود، لكن ملايين القرارات الصغيرة يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا.
تقليل هدر الطعام، واستهلاك المياه بصورة أكثر وعيًا، وإعادة استخدام المنتجات، واختيار وسائل نقل أقل استهلاكًا للطاقة عند الإمكان، كلها ممارسات يمكن أن تقلل الضغط على الموارد.
كما يمكن للأفراد دعم المنتجات والشركات التي تتبنى ممارسات أكثر مسؤولية، وهو ما يمنح السوق إشارة واضحة بأن الاستدامة أصبحت عاملًا مهمًا في قرارات الشراء.
لكن المسؤولية لا يجب أن تُلقى على الفرد وحده.
فحجم التحديات البيئية يحتاج إلى قرارات مؤسسية وتشريعات واستثمارات ضخمة.
لا يستطيع المستهلك بمفرده معالجة تلوث صناعي واسع أو إنشاء شبكة نقل عام أو تغيير طريقة إنتاج الكهرباء.
ولهذا يجب أن تعمل السياسات العامة والسلوك الفردي معًا.
ومن المجالات المهمة أيضًا التخطيط الحضري.
فالمدن التي تعتمد بدرجة كبيرة على السيارات قد تواجه مستويات أعلى من الازدحام واستهلاك الوقود.
أما المدن التي توفر النقل العام والمساحات الخضراء ومسارات المشي والتخطيط الجيد فقد تستطيع تحسين جودة الحياة وتقليل بعض الآثار البيئية.
كما أن زراعة الأشجار والمساحات الخضراء داخل المدن تساعد على تحسين البيئة المحلية وتخفيف بعض آثار الحرارة.
لكن يجب اختيار الأنواع المناسبة وإدارة المياه بصورة صحيحة حتى تحقق هذه المشروعات فائدتها.
ومن خلال حديث الدكتور فنيس العجمي في بودكاست إنسان، يمكن فهم أن تحسين البيئة لا يقوم على حل واحد.
فالتغير المناخي يحتاج إلى خفض الانبعاثات والتكيف مع آثار المناخ، بينما تحتاج مشكلة النفايات إلى تحسين الجمع وإعادة التدوير وتقليل الإنتاج غير الضروري.
أما حماية التنوع الحيوي فتحتاج إلى الحفاظ على المواطن الطبيعية وإدارة الأراضي والبحار بصورة أفضل.
وتعكس استراتيجية برنامج الأمم المتحدة للبيئة للفترة 2026–2029 هذا الاتجاه نحو الحلول المتكاملة التي تجمع بين المناخ والطبيعة والأراضي والمياه والتلوث والنفايات بدلًا من التعامل مع كل مشكلة بمعزل عن الأخرى.
كما يمكن للشركات أن تلعب دورًا أكبر من خلال تحسين كفاءة استخدام الطاقة والمواد، وتقليل النفايات، وقياس آثارها البيئية بصورة واضحة.
لكن من المهم أن تكون الاستدامة حقيقية وليست مجرد شعار تسويقي.
فالإعلان عن منتج باعتباره "أخضر" لا يكفي إذا لم توجد بيانات واضحة تثبت ذلك.
وهنا يأتي دور الشفافية والحوكمة البيئية.
كلما أصبحت الشركات والحكومات أكثر قدرة على قياس الانبعاثات والنفايات واستهلاك الموارد والإفصاح عنها، أصبح تقييم التقدم أكثر واقعية.
كما يستطيع التعليم أن يصنع فرقًا طويل المدى.
فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر قيمة المياه والطاقة والطبيعة قد يكبر وهو أكثر وعيًا بطريقة استخدام الموارد.
ولهذا يجب ألا تكون الثقافة البيئية مجرد حملة مؤقتة، بل جزءًا من التعليم والحياة اليومية.
وتظهر التقارير البيئية الحديثة أن العالم ما زال يواجه تحديات كبيرة، لكن الصورة ليست خالية من الفرص. فقد أبرز تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2025 أن التعاون الدولي والسياسات البيئية يمكن أن تحقق فوائد اقتصادية وصحية واسعة إذا تم تطبيقها بصورة أقوى وأكثر سرعة.
ولهذا فإن السؤال: هل نحن على الطريق الصحيح بيئيًا؟ لا يملك إجابة بسيطة بنعم أو لا.
هناك تقدم في التكنولوجيا والسياسات والوعي، لكن هناك في الوقت نفسه فجوة كبيرة بين الطموحات والنتائج المطلوبة.
والمرحلة القادمة ستعتمد على القدرة على تحويل التعهدات إلى مشروعات وقوانين وسلوكيات قابلة للقياس.
فحماية البيئة ليست قضية تخص العلماء أو الحكومات وحدهم، بل هي جزء من الاقتصاد والصحة وجودة الحياة والأمن الغذائي ومستقبل المدن.
وعندما تصبح التنمية المستدامة جزءًا من طريقة اتخاذ القرارات، يمكن أن تتحول حماية البيئة من تكلفة يُنظر إليها باعتبارها عبئًا إلى استثمار في مستقبل أكثر صحة واستقرارًا للأجيال القادمة.