السحر والشعوذة ومس العاشق: كيف يتسلط الجن علينا؟ مع الدكتور فرحان عبيد الشمري
تثير موضوعات السحر والجن والشعوذة اهتمامًا واسعًا في المجتمعات العربية، ويزداد الجدل حولها عندما يمر الإنسان بأعراض نفسية أو جسدية لا يستطيع تفسيرها بسهولة. وبين المعتقدات الدينية والممارسات الشعبية والخرافات، يصبح من المهم التمييز بين ما تقرره النصوص الشرعية وبين التفسيرات الشخصية التي قد تُنسب خطأً إلى السحر أو المس.
في حلقة من بودكاست «مسار» بعنوان «السحر والشعوذة ومس العاشق وكيف يتسلط الجن علينا؟»، يستضيف البرنامج الشيخ د. فرحان عبيد الشمري للحديث عن السحر من منظور ديني واجتماعي، والفرق بينه وبين المس والكهانة والشعوذة، ومناقشة طرق الوقاية والعلاج التي يراها مشروعة، إلى جانب التحذير من اللجوء إلى السحرة والكهنة.
ما الفرق بين السحر والمس والشعوذة والكهانة؟
تبدأ الحلقة بمحاولة تعريف السحر والحديث عن مصادره وبدايته وحقيقته، ثم تتناول سؤالًا دينيًا مشهورًا يتعلق بما ورد في السنة بشأن تعرض النبي ﷺ للسحر، وكيف يُفهم ذلك مع عصمته في تبليغ الرسالة.
ومن المهم هنا أن نفرق بين الإيمان بوجود السحر في التصور الإسلامي وبين تحويل كل مرض أو أزمة أو اضطراب إلى دليل على وقوعه.
فالضيف نفسه يخصص جزءًا من الحوار لسؤال واضح: «هل كل ما يصيب الإنسان سحر؟»، ثم ينتقل إلى الحديث عن أسباب أخرى لضيق الصدر وما قد يمر به الإنسان من مشكلات.
وهذه نقطة مهمة جدًا؛ لأن بعض الأعراض التي ينسبها الناس أحيانًا إلى السحر أو المس قد تكون لها أسباب طبية أو نفسية تحتاج إلى تشخيص وعلاج متخصص.
فاضطرابات النوم والقلق والخوف المفاجئ والصداع أو تغير المزاج مثلًا لا يمكن اعتبارها بمفردها دليلًا على سبب غيبي محدد.
ومن الخطأ أن يؤدي الاعتقاد بوجود السحر إلى إهمال الطبيب أو تعطيل العلاج الطبي والنفسي.
بعد ذلك يفرق الشمري في الحلقة بين السحر والمس، ثم يناقش ما يصفه بتسلط الجن على الإنسان، وهي قضايا يقدمها من داخل الإطار الديني الذي تتبناه الحلقة.
كما ينتقل الحوار إلى الكهانة، ويسأل هل هي من السحر، وما حكم الذهاب إلى الكهنة أو مشاهدة ما يقدمونه.
وهنا يبرز تحذير شرعي معروف من طلب معرفة الغيب من الكهنة والعرافين؛ فالغيب في الاعتقاد الإسلامي لله تعالى، ولا يملك الإنسان طريقًا مشروعًا لمعرفة المستقبل عن طريق العرافة.
وتناقش الحلقة كذلك علم التنجيم وبعض المقولات الشعبية المتعلقة بالنجوم والطقس، ثم تنتقل إلى الشعوذة.
والتمييز بين علم الفلك والتنجيم ضروري.
فعلم الفلك علم قائم على دراسة الأجرام السماوية وحركتها، أما التنجيم القائم على ربط مواقع النجوم بمصير الإنسان وشخصيته ومستقبله فشيء آخر مختلف تمامًا.
هل «مس العاشق» تشخيص يمكن التأكد منه طبيًا؟
يظهر تعبير «مس العاشق» في عنوان الحلقة، لكنه ليس تشخيصًا طبيًا أو نفسيًا معتمدًا يمكن إثباته بالفحوص.
وقد يستخدم بعض الرقاة أو أفراد المجتمع هذا التعبير لتفسير أحلام أو مشاعر أو مشكلات زوجية أو أعراض جسدية ونفسية مختلفة.
لكن تشابه الأعراض لا يكفي لإثبات سبب واحد.
فالشخص الذي يعاني نوبات خوف أو أحلامًا مزعجة أو تغيرًا في المزاج يحتاج إلى النظر في جميع الاحتمالات الواقعية والطبية والنفسية أولًا، مع احتفاظه بممارساته الدينية المشروعة إن أراد.
وهذا التوازن يحمي الإنسان من الوقوع في يد مشعوذ يستغل خوفه ويقنعه بأن كل مشكلة في حياته سببها الجن أو السحر.
كيف تكون الوقاية والعلاج دون الوقوع في الخرافة أو الاستغلال؟
تخصص الحلقة مساحة كبيرة للحديث عن علاج السحر والوقاية منه، ثم يوضح الشمري في نهايتها أنه شخصيًا لا يمارس الرقية للناس، رغم حديثه المطول عن الموضوع.
ومن المنظور الإسلامي، ترتبط الوقاية بأعمال مشروعة مثل الصلاة والذكر وقراءة القرآن والدعاء والمحافظة على الأذكار المعروفة.
لكن ينبغي ألا تتحول الرقية إلى باب للاستغلال المالي أو النفسي.
فالرقية الشرعية لا تحتاج إلى طقوس سرية أو رموز غريبة أو طلب اسم الأم أو استخدام مواد مجهولة أو ادعاء معرفة الغيب.
كما أن طلب مبالغ ضخمة أو إخافة الشخص وإقناعه بأن حياته كلها تحت سيطرة ساحر معين من العلامات التي تستحق الحذر.
وتتناول الحلقة أيضًا أنواع السحر وآثاره كما يعرضها الضيف، ثم تناقش فكرة تعلم السحر بحجة المعرفة فقط، وكذلك تقديم الساحر بصورة البطل في بعض المسلسلات والأعمال الفنية.
وهنا تظهر قضية تربوية مهمة: طريقة تقديم السحر في الأعمال الترفيهية قد تختلف عن المعتقد الديني الحقيقي.
فالخيال في الأفلام والمسلسلات ليس مصدرًا لمعرفة الأحكام الشرعية، كما أن مشاهدة شخصية خيالية تمتلك «قوى سحرية» لا تعني أن ما يظهر على الشاشة يمثل حقيقة دينية أو واقعية.
ومن الجوانب المهمة في التعامل مع هذه الموضوعات أيضًا تجنب اتهام الآخرين بالسحر دون دليل.
فالشك في قريب أو جار أو شخص مختلف معنا يمكن أن يهدم العلاقات ويفتح باب الظلم.
ولا يجوز تحويل المشكلات الزوجية أو المرض أو تعطل العمل إلى اتهام مباشر لشخص بعينه بأنه قام بالسحر.
كما أن بعض المحتالين يستغلون هذه المخاوف لإقناع الشخص بأنهم يعرفون اسم الساحر أو مكان السحر، ثم يطلبون المال مقابل «فكه».
وهنا تصبح المعرفة الشرعية والعقلانية وسيلتين للحماية من الاستغلال.
وتوضح الحلقة كذلك أن السحر والكهانة والشعوذة ليست مفاهيم متطابقة، وأن التعامل معها يحتاج إلى معرفة لا إلى قصص متداولة على مواقع التواصل.
وفي الوقت نفسه، من المهم جدًا ألا يصبح الاعتقاد بالسحر بديلًا عن الطب.
إذا كان الإنسان يعاني ألمًا مستمرًا، أو إغماءً، أو تشنجات، أو اضطرابًا شديدًا في النوم، أو قلقًا واكتئابًا، أو أي تغير صحي ملحوظ، فإن التقييم الطبي أو النفسي يظل خطوة أساسية.
ولا يوجد تعارض بالضرورة بين أن يحافظ المسلم على الأذكار والعبادات وبين أن يذهب إلى الطبيب ويأخذ العلاج المناسب.
وتقدم حلقة «السحر والشعوذة ومس العاشق وكيف يتسلط الجن علينا؟» رؤية دينية واجتماعية لموضوع تحيط به الكثير من المبالغات والقصص الشعبية. ويناقش د. فرحان عبيد الشمري أصل السحر، والفرق بينه وبين المس والكهانة والشعوذة، ثم العلاج والوقاية وفق التصور الذي يقدمه في الحلقة.
وتبقى النقطة الأكثر أهمية أن الإيمان بالمفاهيم الغيبية في الدين لا يبرر تشخيص كل مشكلة بها. فالتعامل المتوازن يجمع بين الالتزام بالوسائل الدينية المشروعة، ورفض الشعوذة والكهانة والاستغلال، والرجوع إلى الأطباء والمتخصصين عندما تكون هناك أعراض جسدية أو نفسية تحتاج إلى تفسير وعلاج.