كيف نتدبر القرآن في أوقات الابتلاءات الكبرى؟ مع الشيخ أحمد بن عبدالعزيز النفيس

872 مشاهدة
2025 Apr

يمر الإنسان في حياته بلحظات يشعر فيها أن الأحداث أكبر من قدرته على الفهم أو التحمل، وقد يبحث في هذه الأوقات عن مصدر يمنحه الطمأنينة والثبات. وهنا تظهر مكانة القرآن الكريم في حياة المسلم؛ فهو ليس كتابًا يُقرأ في أوقات الراحة فقط، بل مصدر هداية وتذكير في أوقات الخوف والحزن والابتلاء.

في حلقة من بودكاست «مسار» بعنوان «كيف نتدبر القرآن في أوقات الابتلاءات الكبرى؟»، يستضيف البرنامج الشيخ أحمد بن عبدالعزيز النفيس للحديث عن علاقتنا بالقرآن، ولماذا قد نقرأ الآيات دون أن نشعر بأثرها، وكيف تعطلنا مشاغل الحياة عن التدبر، ثم ينتقل الحوار إلى أحداث غزة والآيات التي تحمل معاني الصبر والثبات، إضافة إلى رسالة موجهة للشباب حول ما يشغل أوقاتهم وقلوبهم.

لماذا نقرأ القرآن أحيانًا دون أن نتأثر به؟

يفتتح أحمد النفيس جانبًا مهمًا من الحوار بسؤال: لماذا لا نتأثر بالقرآن؟

قد يقرأ الإنسان القرآن باستمرار، لكنه يجد أن القراءة تحولت بمرور الوقت إلى عادة سريعة، فيمر على الآيات دون توقف حقيقي عند معانيها.

وهنا يوجد فرق بين مجرد القراءة وبين تدبر القرآن.

فالقراءة عبادة عظيمة في ذاتها، أما التدبر فيرتبط بمحاولة فهم المعنى والتفكير فيما تقوله الآية وكيف يمكن أن تؤثر في الإنسان وسلوكه.

والقرآن نفسه يدعو إلى التدبر، كما في قوله تعالى: «أفلا يتدبرون القرآن»، وهي دعوة إلى النظر في المعاني وعدم الاكتفاء بمرور الكلمات على اللسان.

لكن التدبر لا يعني أن يصبح كل قارئ مفسرًا.

هناك فرق مهم بين التدبر والتفسير.

التفسير يتعلق ببيان المعنى المراد من الآية اعتمادًا على اللغة والسياق وأقوال أهل العلم، بينما يستطيع المسلم بعد معرفة المعنى الصحيح أن يتأمل فيما تدله الآية عليه في حياته.

ولهذا لا يكون التدبر بإعطاء الآية معنى جديدًا لا يدل عليه النص، وإنما بالتفاعل مع معناها الصحيح.

وتشير الحلقة إلى أن ملاهي الدنيا من أكثر ما يضعف علاقتنا بالقرآن.

فالإنسان اليوم ينتقل طوال الوقت بين الهاتف والعمل والرسائل والمقاطع القصيرة والأخبار.

وقد يصبح العقل معتادًا على السرعة لدرجة أن الجلوس مع صفحة واحدة من القرآن لعدة دقائق يبدو صعبًا.

وهنا لا تكون المشكلة في وجود التكنولوجيا نفسها، بل في المساحة التي أخذتها من الانتباه.

فالقرآن يحتاج إلى حضور.

يمكن للإنسان أن يقرأ عددًا أقل من الآيات، لكنه يتوقف عند معانيها، ويعود إلى تفسير موثوق لما لم يفهمه، ويسأل نفسه: ماذا تعلمني هذه الآيات عن الله؟ وماذا تقول لي عن الإنسان والحياة؟

كيف نبني علاقة أعمق بين القرآن والقلب؟

تخصص الحلقة جزءًا واضحًا للحديث عن المشاعر تجاه القرآن وارتباطه بالقلب.

فالإنسان لا يتعامل مع القرآن باعتباره كتاب معلومات فقط.

قد تأتي آية في لحظة حزن فتفتح أمامه معنى لم يكن ينتبه إليه سابقًا، وقد يقرأ قصة نبي في وقت ابتلاء فيرى فيها نموذجًا للصبر والثقة بالله.

لكن هذا التأثير يحتاج إلى استمرار.

ليس المطلوب أن يشعر الإنسان بتأثر شديد في كل مرة يقرأ فيها، فالإيمان والمشاعر نفسها تمر بحالات من القوة والضعف.

المهم ألا يجعل غياب الشعور سببًا لترك القرآن.

قد تبدأ العلاقة بالالتزام اليومي، ثم يأتي التأثر بمرور الوقت.

ومن الوسائل المفيدة أيضًا العودة إلى تفسير مختصر موثوق أثناء القراءة، خصوصًا في الآيات التي يصعب فهمها.

فالفهم يزيد فرصة التدبر.

أما محاولة تطبيق الآيات على كل حدث معاصر بصورة مباشرة دون علم، فقد تؤدي إلى أخطاء.

ولهذا يجب التفريق بين أن نجد في القرآن معاني عامة مثل الصبر والتوكل والثبات، وبين أن نجزم بأن آية معينة تتنبأ تفصيلًا بحدث سياسي أو عسكري معاصر دون دليل.

كيف يمنح القرآن المسلم الثبات في أوقات الابتلاء والحروب؟

ينتقل الحوار بصورة واضحة إلى أحداث غزة، ويتحدث أحمد النفيس عن اليأس الذي قد يصيب بعض الناس عند مشاهدة حجم المعاناة، ثم يذكر آيات ومعاني قرآنية تساعد على الصبر والثبات.

وفي أوقات الكوارث والحروب قد يشعر الإنسان بالعجز.

يتابع الأخبار يومًا بعد يوم، ويرى صور القتل والدمار، ثم يسأل: ماذا أستطيع أن أفعل؟

هنا يقدم القرآن للمؤمن منظورًا أوسع للحياة والابتلاء، ويذكره بأن الشدة ليست دليلًا على غياب رحمة الله، وأن الدنيا نفسها ليست نهاية القصة في التصور الإسلامي.

ومن الآيات الجامعة في معنى الصبر قول الله تعالى: «وبشر الصابرين»، ضمن الآيات التي تتحدث عن الابتلاء بالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات.

كما يكرر القرآن معنى التوكل على الله مع العمل بالأسباب، فلا يكون التوكل انسحابًا من المسؤولية، بل اعتماد القلب على الله بعد بذل ما يستطيع الإنسان.

وتناقش الحلقة أيضًا قلة التعاطف مع أهل غزة وتأثير الاعتياد المستمر على الأخبار.

فالإنسان قد يشاهد المشاهد المؤلمة مرات كثيرة حتى يحدث نوع من التبلد، ليس بالضرورة لأنه لا يهتم، بل لأن النفس تحاول حماية نفسها من الضغط المستمر.

لكن الخطر أن يتحول هذا الاعتياد إلى لا مبالاة كاملة.

ولهذا يمكن للمسلم أن يحافظ على توازنه من خلال متابعة ما يحتاج إلى معرفته دون الغرق المستمر في المشاهد القاسية، مع توجيه التأثر إلى أعمال مشروعة ومفيدة مثل الدعاء، والتبرع عبر الجهات الموثوقة، ومساعدة المحتاجين بما يستطيع.

وتتناول الحلقة بالفعل فضل التبرع بالمال ضمن سياق الحديث عن غزة.

ثم ينتقل أحمد النفيس إلى موضوع يبدو مختلفًا، لكنه مرتبط في نظره بالسؤال نفسه: ما الذي يشغل قلب الشاب ووقته؟

يناقش أثر الأفلام والأنمي والألعاب الإلكترونية، ويربطها بحجم المساحة التي تحتلها في حياة بعض الشباب مقارنة بالقضايا الكبرى والعبادة والعلم.

وهنا يحتاج الأمر إلى توازن.

فالترفيه في ذاته ليس بالضرورة مشكلة، ولا يمكن اعتبار كل فيلم أو لعبة أو أنمي محرمًا لمجرد كونه ترفيهًا.

لكن المشكلة تظهر عندما يصبح الترفيه هو المركز الذي تدور حوله الحياة كلها.

إذا كان الإنسان قادرًا على قضاء ساعات طويلة في الألعاب لكنه لا يجد دقائق للصلاة أو القرآن أو أسرته أو دراسته، فالمشكلة في ترتيب الأولويات.

ولهذا تأتي إحدى رسائل الحلقة تحت معنى واضح: الحياة الدنيا ليست لعبًا فقط.

فالإنسان يحتاج إلى الراحة والمتعة، لكنه يحتاج أيضًا إلى هدف، وعلم، وعبادة، ومسؤولية تجاه الآخرين.

وفي أوقات الابتلاءات الكبرى يصبح هذا السؤال أكثر حضورًا: ماذا صنعت الأحداث في قلبي؟

هل جعلتني أكثر رحمة؟

هل دفعتني إلى الدعاء والعمل؟

هل أعادت ترتيب أولوياتي؟

أم تحولت المأساة إلى خبر آخر أمر عليه ثم أعود سريعًا إلى ما كنت فيه؟

وتقدم حلقة «كيف نتدبر القرآن في أوقات الابتلاءات الكبرى؟» رؤية تقوم على أن قوة العلاقة بالقرآن لا تظهر فقط في عدد الصفحات التي يقرأها الإنسان، بل في مقدار الفهم والحضور والتغير الذي تحدثه الآيات داخله.

فالقرآن في أوقات الشدة لا يقدم للمسلم وعدًا بحياة بلا ألم، لكنه يذكره بمعاني الصبر والتوكل والرجاء وعدم اليأس، ويعيد توجيه القلب نحو الله في اللحظات التي تضطرب فيها الأحداث.

ومن هنا يصبح التدبر عادة يومية وليست استجابة مؤقتة للأزمات: قراءة بهدوء، وفهم للمعنى من مصادر موثوقة، وتأمل فيما يصلح القلب والسلوك، ثم تحويل ما تعلمه الإنسان إلى عبادة وعمل ورحمة بالآخرين.

قد يعجيك أيضاً

عرض الكل

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

421933 مشاهدة
2022 Dec
لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

Podcast

7154 مشاهدة
2023 Mar
مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

Podcast

5213 مشاهدة
2023 Mar
كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

Podcast

13954 مشاهدة
2023 Sep
المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

الأكثر مشاهدة - Most Watched

10989 مشاهدة
2025 Jan
كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

22776 مشاهدة
2025 Jan