القوامة والنسوية: بين الفطرة وتحديات العصر مع د. الحارث المزيدي – كيف نعيد التوازن؟
أصبحت قضايا القوامة والنسوية وحقوق المرأة من أكثر الموضوعات التي تثير النقاش داخل المجتمعات العربية، خصوصًا مع تغير الأدوار الاجتماعية وانتشار مفاهيم جديدة حول الحرية والمساواة والعمل والعلاقات الزوجية. وبين من يفهم القوامة باعتبارها سلطة مطلقة، ومن يرفضها انطلاقًا من تصورات حديثة عن العلاقة بين الرجل والمرأة، تظهر الحاجة إلى فهم أكثر دقة للمفهوم نفسه.
في حلقة من بودكاست «مسار» بعنوان «القوامة والنسوية بين الفطرة وتحديات العصر»، يناقش د. الحارث المزيدي مفهوم القوامة ودور الرجل داخل الأسرة، ويربطه بالنفقة والرعاية والحماية والتوجيه والقيادة، ثم ينتقل إلى تأثير الحداثة والحرية والمساواة والتكنولوجيا وعمل المرأة، قبل أن يناقش النسوية وتأثيرها في النظرة إلى الأسرة والأمومة والعلاقات.
ما معنى القوامة وهل تعني سيطرة الرجل على المرأة؟
تبدأ الحلقة من مفهوم القوامة، وهو مفهوم قرآني يرتبط في التصور الإسلامي بالمسؤولية داخل الأسرة، وليس مجرد امتياز يمنح للرجل.
ويشرح المزيدي القوامة من خلال مجموعة من العناصر تشمل النفقة والرعاية والحماية والتوجيه والقيادة.
وهذا التفريق مهم؛ لأن بعض المشكلات تبدأ عندما تُختزل القوامة في إصدار الأوامر.
فالقيادة الأسرية لا تعني أن يكون أحد الطرفين قادرًا على تجاهل احتياجات الآخر أو إلغاء شخصيته.
كما أن المسؤولية نفسها ترتب واجبات.
فالزوج الذي يتحدث عن حقه في القوامة دون أن يتحمل مسؤولياته المالية والأسرية أو يهتم باستقرار بيته يكون قد أخذ جزءًا من المفهوم وترك بقية أبعاده.
وتناقش الحلقة أيضًا النماذج السيئة للقوامة، وهي الحالات التي يتحول فيها المفهوم إلى تسلط أو ظلم أو استخدام للقوة داخل العلاقة.
ولهذا يصبح السؤال الأهم: كيف يمارس الرجل القوامة من غير أن يظلم أو يبالغ؟
الإجابة ليست في إلغاء المسؤولية، ولا في تحويل الزواج إلى علاقة سلطة مطلقة، وإنما في فهم القيادة باعتبارها تحملًا للمسؤولية وحرصًا على مصلحة الأسرة.
كما تنتقل الحلقة إلى تأثير الحداثة في مفهوم الأسرة.
فالحرية والمساواة أصبحتا من الكلمات المركزية في الخطاب الحديث، لكن معناهما قد يختلف باختلاف السياق.
المساواة مثلًا يمكن أن تعني المساواة في الكرامة والحقوق الإنسانية الأساسية، لكنها لا تعني بالضرورة أن جميع الأشخاص يجب أن تكون لهم الأدوار نفسها في كل موقف.
أما الحرية، فهي قيمة مهمة، لكنها لا تعني أن يعيش كل شخص دون مسؤولية تجاه الآخرين.
وفي الأسرة تحديدًا لا يستطيع الزوج أو الزوجة التصرف دائمًا باعتبار أنه فرد مستقل تمامًا، لأن القرارات المتعلقة بالمال أو الأبناء أو السكن أو العمل تؤثر في الطرف الآخر.
كيف أثرت التكنولوجيا وعمل المرأة في شكل الأسرة الحديثة؟
تتناول الحلقة أيضًا تأثير التكنولوجيا وعمل المرأة في الأدوار الأسرية المعاصرة.
فالحياة الحالية تختلف كثيرًا عن حياة الأسر قبل عقود.
المرأة تعمل في مجالات متعددة، والرجل قد يشارك بدرجة أكبر في تفاصيل المنزل وتربية الأبناء، كما أن التكنولوجيا غيرت طرق التواصل والعمل وحتى مفهوم الخصوصية.
وهذه التغيرات لا تعني بالضرورة انهيار الأدوار التقليدية، لكنها تحتاج إلى اتفاق واضح داخل كل أسرة.
المشكلة تظهر عندما يدخل الزوجان العلاقة بتوقعات مختلفة تمامًا.
قد يتوقع الزوج أن تتحمل الزوجة معظم مسؤوليات المنزل رغم عملها لساعات طويلة، بينما تتوقع الزوجة تقسيمًا مختلفًا للواجبات.
إذا لم تتم مناقشة هذه التفاصيل، تتحول الاختلافات إلى صراع يومي.
ولهذا فإن نجاح العلاقة لا يعتمد فقط على الشعارات العامة، بل على وضوح التوقعات والمسؤوليات منذ البداية.
النسوية والأسرة.. أين يبدأ الخلاف حول الحرية والمساواة؟
تخصص الحلقة مساحة واضحة لمناقشة النسوية، وتتناول مطالبتها بالمساواة، ونظرتها إلى القوامة، وعلاقة بعض اتجاهاتها بفطرة الأمومة بحسب طرح الضيف.
ومن المهم هنا عدم التعامل مع النسوية باعتبارها مدرسة واحدة لها رأي موحد في كل القضايا.
فالنسوية تاريخيًا تضم تيارات متعددة تختلف في رؤيتها للدين والأسرة والعمل والجنس والأدوار الاجتماعية.
لكن الحلقة تناقش بصورة أساسية بعض الأفكار المعاصرة التي يرى المزيدي أنها قد تخلق تعارضًا مع التصور الإسلامي للأسرة.
ومن نقاط النقاش الأمومة.
فالأمومة ليست مجرد وظيفة اجتماعية يمكن التعامل معها باستخفاف، لكنها أيضًا لا تعني أن هوية المرأة تختزل بالكامل في كونها أمًا.
المرأة قد تكون أمًا وطبيبة أو معلمة أو باحثة أو صاحبة عمل في الوقت نفسه.
والتحدي الحقيقي هو بناء نمط حياة يسمح للأسرة بالحفاظ على احتياجات الأبناء، مع احترام قدرات كل طرف وطموحاته.
كما تفتح الحلقة ملف قوانين الأحوال الشخصية وتسأل إلى أي درجة تدعم القوامة ومسؤوليات الزوج.
وهذه قضية تحتاج دائمًا إلى التفريق بين الحكم الشرعي من جهة، والقوانين المدنية المعمول بها في كل دولة من جهة أخرى.
فالقوانين تتغير من بلد إلى آخر، ولا يمكن التعامل معها وكأنها نسخة واحدة من الأحكام الفقهية.
ثم تنتقل الحلقة إلى موضوع مختلف لكنه مرتبط باستقرار العلاقات، وهو النرجسية والعلاقات السامة.
يناقش المزيدي مفهوم النرجسية، وكيف يمكن التعرف إلى بعض سماتها، وكيف يتعامل الإنسان مع شخص يملك سلوكيات مؤذية داخل العلاقة.
لكن من المهم عدم تحويل كل خلاف زوجي إلى تشخيص بالنرجسية.
فالنرجسية بالمعنى السريري لها معايير نفسية محددة، ولا يمكن تشخيص شخص لمجرد أنه أناني في موقف أو يصعب التعامل معه.
الأكثر فائدة هو التركيز على السلوك نفسه: هل توجد إهانة مستمرة؟ هل هناك تحكم مفرط؟ هل يتم تجاهل حدود الطرف الآخر؟ وهل أصبحت العلاقة تسبب أذى نفسيًا مستمرًا؟
وتختتم الحلقة بمحاور عملية موجهة إلى الأزواج والمقبلين على الزواج، بهدف بناء علاقة أكثر توازنًا واستقرارًا.
وهنا تظهر قيمة الحوار قبل الزواج حول قضايا قد تبدو غير رومانسية لكنها شديدة الأهمية: العمل، المال، مكان السكن، الإنجاب، العلاقة مع الأهل، توزيع المسؤوليات، وطريقة حل الخلافات.
فكثير من المشكلات لا تبدأ لأن أحد الطرفين سيئ، وإنما لأن كل طرف دخل الزواج بتصور مختلف تمامًا ولم يناقشه بوضوح.
وتقدم حلقة «القوامة والنسوية بين الفطرة وتحديات العصر» رؤية دينية واجتماعية لمسألة شديدة الحساسية، وتحاول إعادة النقاش من فكرة «من يسيطر على من؟» إلى سؤال أوسع: كيف يمكن بناء أسرة فيها مسؤولية واحترام ووضوح؟
فالقوامة بحسب طرح الحلقة ليست إذنًا بالتسلط، والحرية لا تعني غياب المسؤوليات، والمساواة لا تتطلب بالضرورة إلغاء جميع الفروق بين الرجل والمرأة. وبين هذه المفاهيم كلها، يبقى نجاح الأسرة مرتبطًا بقدرة الطرفين على فهم حقوقهما وواجباتهما، والحوار حول اختلافاتهما، وبناء علاقة تقوم على الرحمة والمسؤولية أكثر من الصراع على السلطة.