"موقف الجزائر من طوفان الأقصى: قراءة وتحليل مع د. عبد الرزاق مقري | بودكاست الطريق"
يُعد موقف الجزائر من القضية الفلسطينية من أكثر المواقف العربية ثباتًا واستمرارية خلال العقود الماضية، وهو ما ظهر بوضوح بعد اندلاع معركة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 وما تبعها من حرب واسعة على قطاع غزة. وفي هذه الحلقة من بودكاست الطريق مع د. عبد الرزاق مقري، يتم تناول الموقف الجزائري من زاوية سياسية وشعبية وتاريخية، لفهم الأسباب التي جعلت الجزائر تحافظ على دعم قوي لحقوق الفلسطينيين، وكيف انعكس ذلك على خطابها الرسمي وتحركاتها الدبلوماسية وتفاعل المجتمع الجزائري مع الأحداث.
ولفهم هذا الموقف، لا يكفي النظر فقط إلى ردود الفعل الجزائرية بعد اندلاع الحرب في غزة، لأن العلاقة بين الجزائر والقضية الفلسطينية تمتد إلى عقود طويلة. فمنذ استقلال الجزائر عام 1962، أصبحت القضية الفلسطينية جزءًا مهمًا من خطابها السياسي الخارجي، خاصة في إطار دعم حركات التحرر ومناهضة الاستعمار.
كما أن التاريخ الاستعماري للجزائر نفسها لعب دورًا مهمًا في تشكيل نظرتها إلى القضية الفلسطينية. فقد عانى الجزائريون من الاحتلال الفرنسي لأكثر من 130 عامًا، وخاضوا حرب استقلال طويلة انتهت عام 1962. ولذلك ارتبطت في الوعي السياسي والشعبي الجزائري قضايا الاحتلال والتحرر والمقاومة بصورة وثيقة بتجربة البلاد التاريخية.
هذا البعد التاريخي يفسر جزئيًا سبب وجود مستوى مرتفع من التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين، وكذلك استمرار الدولة الجزائرية في دعم إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، ورفض محاولات تصفية القضية أو فرض حلول لا تراعي الحقوق السياسية للفلسطينيين.
موقف الجزائر من طوفان الأقصى والقضية الفلسطينية
مع اندلاع أحداث 7 أكتوبر 2023 والحرب التي تلتها، تحولت القضية الفلسطينية مجددًا إلى محور أساسي في السياسة الخارجية الجزائرية. وركز الخطاب الرسمي على المطالبة بوقف العمليات العسكرية وحماية المدنيين وزيادة إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
كما استمرت الجزائر في التأكيد على أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على وقف جولة من القتال، بل يجب أن تشمل معالجة جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعلى رأسها الاحتلال والاستيطان وغياب حل سياسي يضمن للفلسطينيين حقهم في تقرير المصير.
لماذا تحافظ الجزائر على موقف ثابت تجاه فلسطين؟
يرتبط دعم الجزائر لفلسطين بمجموعة من العوامل التاريخية والسياسية والفكرية. ويأتي في مقدمتها الإرث الذي خلفته حرب التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، حيث أصبحت قضايا التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار جزءًا مهمًا من الهوية السياسية للدولة الجزائرية بعد الاستقلال.
وعلى مدار العقود التالية، دعمت الجزائر عددًا من حركات التحرر حول العالم، واعتبرت القضية الفلسطينية امتدادًا لهذا التوجه. ولهذا لم يكن موقفها من فلسطين مرتبطًا بأزمة سياسية مؤقتة، بل أصبح أحد الثوابت المعروفة في سياستها الخارجية.
كما احتضنت الجزائر محطات مهمة في تاريخ القضية الفلسطينية. ففي عام 1988، أعلن المجلس الوطني الفلسطيني من الجزائر قيام دولة فلسطين، وهو حدث يعكس المكانة التي احتلتها الجزائر في المسار السياسي الفلسطيني.
وفي السنوات الأخيرة، استمرت الجزائر في دعم الجهود الرامية إلى تعزيز الوحدة الفلسطينية. ففي أكتوبر 2022 استضافت الجزائر ممثلين عن عدد من الفصائل الفلسطينية في إطار محاولة للمصالحة وإنهاء الانقسام الداخلي، وأسفرت الاجتماعات عن ما عرف بـ"إعلان الجزائر".
وتوضح هذه المحطات أن السياسة الجزائرية تجاه فلسطين لا تقوم فقط على إصدار بيانات سياسية، بل شملت أيضًا استضافة فعاليات فلسطينية ومحاولات للمساهمة في تعزيز الوحدة السياسية ودعم القضية داخل المؤسسات الإقليمية والدولية.
وفي ما يتعلق بمسألة التطبيع مع إسرائيل، حافظت الجزائر على موقف مختلف عن بعض الدول العربية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. وقد أكدت السلطات الجزائرية في مناسبات متعددة أن إقامة علاقات مع إسرائيل ليست مطروحة في ظل عدم التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية.
ويعد هذا الموقف واحدًا من الأسباب التي تجعل الخطاب الجزائري يحظى باهتمام كبير عند الحديث عن المواقف العربية من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
التحرك الجزائري دبلوماسيًا تجاه الحرب في غزة
لم يقتصر موقف الجزائر بعد اندلاع الحرب في غزة على التصريحات السياسية، بل حاولت استخدام وجودها داخل المؤسسات الدولية للدفع نحو قرارات تتعلق بوقف القتال وحماية المدنيين.
وقد أصبحت الجزائر عضوًا غير دائم في مجلس الأمن الدولي للفترة 2024-2025، وهو ما وفر لها مساحة أكبر لطرح القضية الفلسطينية داخل المجلس والمشاركة في صياغة ومناقشة مشاريع القرارات المرتبطة بالحرب في غزة.
وخلال تلك الفترة، دعت الجزائر إلى وقف إطلاق النار وزيادة المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين الفلسطينيين، كما دعمت مساعي حصول دولة فلسطين على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.
وتعكس هذه التحركات محاولة الجزائر نقل موقفها من المستوى السياسي والإعلامي إلى المجال الدبلوماسي الدولي، خاصة في ظل الانقسامات الكبيرة داخل مجلس الأمن حول كيفية التعامل مع الحرب.
كما ركزت الدبلوماسية الجزائرية على مبدأ حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، وهو الموقف الذي يتماشى مع عدد من قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
ويظهر من ذلك أن موقف الجزائر من طوفان الأقصى يرتبط برؤية سياسية أوسع للصراع، تقوم على اعتبار أن استمرار غياب تسوية سياسية عادلة سيؤدي إلى تجدد المواجهات مهما تم التوصل إلى هدن أو اتفاقات مؤقتة.
الشعب الجزائري وطوفان الأقصى وتأثير الموقف على المنطقة
لا يمكن فهم الموقف الجزائري تجاه فلسطين من خلال السياسة الرسمية وحدها، لأن القضية الفلسطينية تحظى أيضًا بحضور قوي داخل المجتمع الجزائري. وقد ظهرت مظاهر واسعة من التضامن الشعبي مع الفلسطينيين خلال مراحل مختلفة من الصراع، بما في ذلك خلال الحرب التي أعقبت أحداث أكتوبر 2023.
وتكشف العلاقة بين الموقف الرسمي والشعبي عن حالة من التقارب في هذه القضية تحديدًا، وهو ما يجعل فلسطين واحدة من الملفات التي تحظى بدرجة كبيرة من الإجماع داخل الجزائر.
كيف تفاعل المجتمع الجزائري مع أحداث غزة؟
ظهر التضامن الجزائري مع فلسطين من خلال المظاهرات والفعاليات الشعبية والحملات التضامنية والتبرعات والأنشطة الثقافية والإعلامية التي تناولت الحرب في غزة ومعاناة المدنيين الفلسطينيين.
وترتبط قوة هذا التفاعل بوجود القضية الفلسطينية في الوعي الجزائري منذ عقود. فالأجيال المختلفة في الجزائر نشأت على حضور فلسطين في الخطاب السياسي والتعليم والإعلام والثقافة الشعبية، وهو ما جعلها قضية مألوفة وليست موضوعًا خارجيًا بعيدًا عن المجتمع.
كما أن التشابه الذي يراه كثير من الجزائريين بين تجربة الاستعمار الفرنسي في الجزائر وتجربة الفلسطينيين تحت الاحتلال يؤدي إلى وجود ارتباط عاطفي وتاريخي إضافي بالقضية.
ولهذا تظهر في الجزائر بصورة متكررة شعارات تربط بين ثورة التحرير الجزائرية والنضال الفلسطيني، كما تُستخدم تجربة الجزائر في التحرر من الاستعمار كمرجعية عند الحديث عن فلسطين.
وفي المقابل، من المهم التمييز بين التضامن مع الحقوق الفلسطينية وبين الموقف من الانتهاكات التي تستهدف المدنيين من أي طرف. فالقانون الدولي الإنساني يحظر استهداف المدنيين وأخذ الرهائن والهجمات العشوائية بغض النظر عن الطرف الذي يرتكبها.
ويتيح هذا التمييز فهم الصراع بصورة أكثر دقة، حيث يمكن الدفاع عن حق الفلسطينيين في تقرير المصير ورفض الاحتلال، وفي الوقت نفسه التأكيد على ضرورة حماية المدنيين واحترام قواعد القانون الدولي.
ويبرز أيضًا دور وسائل التواصل الاجتماعي في توسيع نطاق التفاعل الشعبي. فبعد أكتوبر 2023 أصبحت الصور ومقاطع الفيديو والأخبار القادمة من غزة جزءًا يوميًا من المحتوى الذي يتابعه الجمهور في الجزائر والعالم العربي، وهو ما رفع مستوى الاهتمام بالقضية بصورة كبيرة.
تأثير الموقف الجزائري على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي
تمتلك الجزائر تأثيرًا سياسيًا ودبلوماسيًا مهمًا داخل العالم العربي وإفريقيا، لكنها مثل أي دولة منفردة لا تستطيع فرض تسوية شاملة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ومع ذلك، تستطيع استخدام علاقاتها الدولية وعضويتها في المؤسسات الإقليمية والدولية للدفاع عن مواقف معينة والتأثير في النقاش السياسي حول فلسطين.
ومن أهم أدوات الجزائر في هذا المجال العمل داخل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، إضافة إلى التنسيق مع الدول التي تتبنى مواقف داعمة لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
كما أن الجزائر تتمتع بعلاقات سياسية جيدة مع عدد من الدول الإفريقية والآسيوية وأمريكا اللاتينية التي تحمل مواقف قريبة من رؤيتها للقضية الفلسطينية، وهو ما يمنحها مجالًا للتحرك الدبلوماسي وبناء تحالفات حول ملفات محددة.
لكن التحدي الأساسي يبقى في قدرة المجتمع الدولي على الانتقال من البيانات والمطالب السياسية إلى خطوات عملية تؤدي إلى حل طويل الأمد للصراع. فالحرب في غزة أعادت إلى الواجهة أسئلة حول مستقبل القطاع، والاستيطان في الضفة الغربية، ومكانة القدس، واللاجئين الفلسطينيين، وإمكانية تطبيق حل الدولتين.
وترى الجزائر أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة تمثل أساسًا ضروريًا لأي تسوية دائمة. ويتوافق هذا مع موقف دولي واسع يعتبر حل الدولتين أحد المسارات الرئيسية المقترحة لإنهاء الصراع.
وفي المقابل، ازدادت خلال السنوات الأخيرة المخاوف من أن يؤدي التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية إلى جعل تطبيق هذا الحل أكثر صعوبة. ولهذا تركز المواقف الجزائرية على ضرورة معالجة قضية الاحتلال والاستيطان بالتوازي مع وقف الحروب المتكررة.
وتبرز أهمية حلقة بودكاست الطريق مع د.
عبد الرزاق مقري في أنها تساعد على فهم الخلفية التي تقف وراء موقف الجزائر من فلسطين، بدل التعامل معه باعتباره مجرد رد فعل على أحداث أكتوبر 2023.
فالموقف الجزائري يرتبط بتجربة تاريخية طويلة مع الاستعمار، وبهوية سياسية تشكلت حول دعم حركات التحرر، إضافة إلى وجود تعاطف شعبي واسع مع الفلسطينيين. وهذه العوامل مجتمعة جعلت القضية الفلسطينية واحدة من أكثر الملفات استقرارًا في السياسة الخارجية الجزائرية.
كما تكشف الأحداث أن العلاقة بين الجزائر وفلسطين لا تقتصر على الجانب الرسمي، بل تمتد إلى المجتمع والثقافة والذاكرة التاريخية. ولذلك يظهر التفاعل الشعبي بقوة مع كل جولة جديدة من الصراع.
ومن خلال دراسة موقف الجزائر من طوفان الأقصى يمكن فهم جانب مهم من خريطة المواقف العربية تجاه الحرب في غزة، خاصة أن الدول العربية لا تتعامل جميعها مع القضية بالطريقة نفسها نتيجة اختلاف مصالحها وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
وتظل الجزائر من الدول التي تربط إنهاء الصراع بالتوصل إلى حل سياسي يعترف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وترى أن معالجة التداعيات الإنسانية للحرب يجب أن تسير بالتوازي مع معالجة أسباب الصراع الأساسية، وفي مقدمتها الاحتلال والاستيطان وغياب الدولة الفلسطينية المستقلة.