متى تُحل مشكلة التأمين؟ | بودكاست سقراط مع الرئيس التنفيذي للتعاونية عثمان القصبي

726 مشاهدة
2025 Apr

أصبح التأمين في السعودية جزءًا أساسيًا من حياة المواطن والمقيم، سواء عند استخدام التأمين الصحي، أو تجديد تأمين المركبة، أو تقديم مطالبة بعد حادث. ورغم اتساع القطاع وارتفاع عدد المستفيدين، لا تزال تجربة التأمين بالنسبة إلى كثير من العملاء مرتبطة بأسئلة متكررة: لماذا ترتفع الأسعار؟ لماذا تُرفض بعض المطالبات؟ ولماذا تبدو شروط وثائق التأمين معقدة؟

في هذه الحلقة من بودكاست سقراط، يستضيف عمر الجريسي الدكتور عثمان بن يوسف القصبي، الرئيس التنفيذي لشركة التعاونية للتأمين، للحديث عن هذه الأسئلة من داخل القطاع نفسه.

وتناقش الحلقة العلاقة المعقدة بين شركة التأمين والعميل والمستشفى أو مقدم الخدمة، وآلية تسعير وثائق المركبات، والتحديات التي تؤثر في تكلفة المطالبات، بالإضافة إلى التطورات الرقمية التي يمكن أن تجعل تجربة التأمين أكثر وضوحًا وسرعة.

كما تطرح سؤالًا أعمق يتعلق بـ الثقة في شركات التأمين؛ فالمشكلة بالنسبة إلى كثير من العملاء لا تتعلق فقط بالمبلغ الذي يدفعونه، وإنما بالشعور بأنهم لا يعرفون بدقة ما الذي تغطيه الوثيقة، ومتى يمكن رفض المطالبة، وكيف يمكن الاعتراض إذا شعروا بأن القرار غير عادل.

لماذا تبدو تجربة التأمين معقدة وكيف تُرفض المطالبات؟

هل تربح شركات التأمين من رفض مطالبات العملاء؟

من أكثر الاعتقادات انتشارًا أن شركة التأمين تحقق أرباحها كلما رفضت عددًا أكبر من المطالبات. لكن نموذج عمل التأمين أكثر تعقيدًا من ذلك.

بشكل مبسط، تجمع شركة التأمين أقساطًا من عدد كبير من العملاء، ثم تستخدم جزءًا من هذه الأموال في دفع تعويضات ومطالبات لمن يتعرضون للمخاطر التي تغطيها الوثائق.

ولهذا يجب أن يكون هناك توازن بين الأقساط التأمينية والمطالبات والمصاريف التشغيلية.

إذا أصبحت قيمة المطالبات أعلى بكثير من الأقساط المحصلة لفترة طويلة، قد تواجه الشركة ضغوطًا مالية. وفي المقابل، إذا كانت الأسعار مرتفعة بصورة غير مبررة، فإن العميل يتحمل تكلفة أكبر وقد تتراجع المنافسة والثقة في القطاع.

وتشير البيانات الرسمية الحديثة إلى أن سوق التأمين السعودي شهد تحسنًا ماليًا واضحًا؛ فقد بلغت أرباح القطاع 3.6 مليار ريال خلال 2024 مقابل 3.2 مليار ريال في 2023، مع نمو الأقساط المكتتبة وتحسن نتائج خدمات التأمين.

لكن هذا الأداء الإجمالي لا يعني أن كل منتجات التأمين أو كل الشركات تحقق النتائج نفسها.

فكل نوع من أنواع التأمين يمتلك مستوى مختلفًا من المخاطر.

التأمين الصحي مثلًا يتأثر بتكاليف المستشفيات والأدوية والفحوصات والعلاجات، بينما يتأثر تأمين المركبات بعدد الحوادث وشدتها وأسعار قطع الغيار وتكاليف الإصلاح.

ومن هنا تأتي أهمية التسعير الاكتواري.

تستخدم شركات التأمين البيانات والإحصاءات لتقدير احتمالية وقوع الخطر والتكلفة المتوقعة للمطالبات، ثم يتم تحديد القسط بناءً على هذه التقديرات وعوامل أخرى.

وتفرض الأنظمة في السعودية دورًا مهمًا على الخبراء الاكتواريين في مراجعة التسعير بصورة دورية، خاصة في التأمين الصحي وتأمين المركبات ومنتجات الحماية والادخار.

أما رفض المطالبة فلا يفترض أن يكون قرارًا عشوائيًا.

فالوثيقة التأمينية عبارة عن عقد يحدد ما الذي يتم تغطيته وما الحالات المستثناة والحدود المالية والشروط التي يجب توافرها للحصول على التعويض.

وقد تُرفض مطالبة عندما لا تكون الخدمة أو الحالة مشمولة بالوثيقة، أو عندما تتجاوز حدود التغطية، أو عند عدم استيفاء بعض المتطلبات النظامية.

لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما لا يفهم العميل سبب الرفض.

فرسالة قصيرة تقول «الطلب مرفوض» لا تكفي لبناء علاقة جيدة بين الشركة والعميل.

يحتاج المستفيد إلى معرفة السبب المحدد، والبند الذي استند إليه القرار، والخطوات المتاحة له إذا أراد الاعتراض.

ومن هنا تظهر أهمية تبسيط لغة وثائق التأمين، لأن العقد قد يكون صحيحًا من الناحية القانونية لكنه غير مفهوم بالنسبة إلى المستهلك العادي.

كلما فهم العميل حقوقه والتزاماته قبل شراء الوثيقة، قلت احتمالية حدوث خلاف عند المطالبة.

التأمين الصحي.. هل العميل ضحية الخلاف بين المستشفى وشركة التأمين؟

تزداد تعقيدات التأمين الصحي لأن التجربة لا تشمل طرفين فقط.

هناك العميل، وشركة التأمين، ومقدم الخدمة الطبية مثل المستشفى أو العيادة، وقد تدخل أطراف أخرى أيضًا في إدارة المطالبات والموافقات.

وعندما يحدث خلل في التواصل بين هذه الجهات، يشعر المريض عادة بأنه الطرف المتضرر.

قد يصل المريض إلى المستشفى ويطلب الطبيب فحصًا أو إجراءً طبيًا، ثم ينتظر موافقة التأمين.

وفي بعض الحالات تأتي الموافقة سريعًا، بينما قد يتم طلب معلومات إضافية أو رفض الطلب.

وهنا يبدأ التوتر.

الطبيب قد يرى أن الإجراء ضروري طبيًا، بينما تطلب شركة التأمين مستندات أو معلومات تثبت استيفاء شروط التغطية.

وإذا لم تنتقل المعلومات المطلوبة بصورة واضحة وسريعة، يتحول الخلاف الإداري إلى تجربة سلبية بالنسبة إلى المريض.

ولهذا لا يمكن تحسين تجربة التأمين الصحي في السعودية من خلال شركة التأمين وحدها.

يجب أن تعمل شركات التأمين والمستشفيات والجهات التنظيمية على بناء أنظمة أكثر تكاملًا تسمح بتبادل المعلومات بسرعة وتقليل الطلبات اليدوية.

كما يمكن للرقمنة أن تقلل الكثير من المشكلات.

فعندما تصبح البيانات الطبية والموافقات والمطالبات مرتبطة إلكترونيًا، يمكن تقليل الأخطاء الناتجة عن إدخال المعلومات أو فقدان المستندات أو التأخر في إرسالها.

لكن التقنية وحدها لا تكفي.

هناك حاجة أيضًا إلى معايير واضحة للتواصل مع العميل، بحيث يعرف ما الذي يحدث لطلبه في كل مرحلة.

هل الطلب تحت المراجعة؟ هل يحتاج إلى تقرير إضافي؟ هل تمت الموافقة على جزء فقط من التكلفة؟ ولماذا؟

هذه التفاصيل الصغيرة تلعب دورًا كبيرًا في بناء الثقة.

كما أن العميل نفسه يحتاج إلى قراءة وثيقته وفهم حدودها قدر الإمكان، خاصة إذا كانت هناك خدمات تحتاج إلى موافقة مسبقة أو شبكات محددة من مقدمي الخدمة.

ويعكس هذا الملف طبيعة قطاع التأمين بالكامل: هو قطاع يقوم على إدارة المخاطر والعقود، لكن نجاحه لدى الجمهور يعتمد بدرجة كبيرة على جودة التواصل.

أسعار تأمين المركبات ومستقبل تجربة العميل في السعودية

كيف تتحدد أسعار تأمين السيارات ولماذا تختلف من شخص إلى آخر؟

يعد تأمين المركبات في السعودية من أكثر المنتجات التي يلاحظ فيها العملاء اختلاف الأسعار.

قد يحصل شخصان يملكان سيارتين متشابهتين على أسعار مختلفة، وهو ما يجعل البعض يتساءل: هل التسعير عادل فعلًا؟

في الواقع، شركات التأمين لا تنظر عادة إلى السيارة فقط، وإنما إلى مجموعة من عوامل الخطر.

يمكن أن تشمل هذه العوامل نوع المركبة، وقيمتها، وتكلفة قطع الغيار والإصلاح، وسجل المطالبات والحوادث، وعوامل أخرى تسمح بها الأنظمة ونماذج التسعير المستخدمة.

الفكرة الأساسية أن الشخص أو المركبة التي تشير البيانات إلى احتمال أعلى لتقديم مطالبة قد يحصل على سعر مختلف عن حالة تحمل مخاطر أقل.

وتعتمد صناعة التأمين الحديثة بصورة متزايدة على التسعير المبني على البيانات.

فبدل تقسيم العملاء إلى مجموعات عامة فقط، يمكن استخدام معلومات أكثر دقة تساعد على تحديد مستوى المخاطر لكل حالة.

وهنا يظهر الاتجاه نحو ما يسمى أحيانًا التأمين القائم على السلوك.

فمع تطور التقنيات المرتبطة بالمركبات والهواتف وأجهزة الاستشعار، أصبح من الممكن في بعض الأسواق تحليل سلوك القيادة، مثل السرعة وطريقة استخدام المكابح وعدد الكيلومترات وأوقات القيادة.

وفي المستقبل يمكن أن يجعل هذا النوع من البيانات التسعير أكثر ارتباطًا بالسلوك الفعلي للسائق بدل الاعتماد بصورة كبيرة على خصائص عامة.

لكن استخدام البيانات يثير أيضًا أسئلة تتعلق بالخصوصية والشفافية.

إذا كانت شركة التأمين تستخدم عاملًا معينًا في تحديد السعر، فمن حق العميل أن تكون لديه صورة واضحة عن طبيعة عملية التسعير ضمن ما تسمح به الأنظمة.

كما أن المنافسة بين الشركات تلعب دورًا مهمًا.

كلما توفرت خيارات أكبر ومنصات مقارنة واضحة، أصبح من السهل على العميل مقارنة الأسعار والتغطيات بدل التركيز على السعر وحده.

وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن أرخص تأمين ليس دائمًا أفضل تأمين.

قد تختلف الوثائق في حدود التغطية والتحمل والخدمات المساعدة وطريقة معالجة المطالبات، ولذلك يجب مقارنة المنتج كاملًا وليس الرقم النهائي فقط.

كما تتأثر الأسعار بتكلفة المطالبات في السوق عمومًا.

إذا ارتفعت أسعار قطع الغيار أو أجور الإصلاح، فإن ذلك قد ينعكس بمرور الوقت على تكلفة التأمين.

ولهذا فإن ضبط أسعار الوثائق لا يعتمد فقط على شركات التأمين، بل على منظومة أوسع تشمل تكاليف الإصلاح والحوادث والاحتيال وسلوك القيادة.

التحول الرقمي والثقة.. متى يصبح التأمين أسهل للمواطن والمقيم؟

ربما يكون التحدي الأكبر أمام شركات التأمين اليوم هو الانتقال من نموذج يركز على بيع الوثيقة إلى نموذج يركز على تجربة العميل طوال فترة التأمين.

فالعميل لا يتذكر الشركة غالبًا عندما يدفع القسط فقط، بل يحكم عليها في اللحظة التي يحتاج فيها إلى الخدمة.

عند وقوع حادث، أو دخول المستشفى، أو تقديم مطالبة، يصبح الوقت والوضوح وسهولة الإجراءات عوامل حاسمة.

ولهذا تتجه شركات التأمين إلى زيادة الاعتماد على التطبيقات والخدمات الرقمية.

يمكن للعميل اليوم في العديد من الحالات شراء الوثيقة أو متابعة الطلب أو رفع المستندات من خلال القنوات الإلكترونية بدل زيارة أحد الفروع.

والمرحلة التالية هي جعل العملية أكثر ذكاءً.

فعوضًا عن مطالبة العميل بإدخال البيانات نفسها في أكثر من مكان، يمكن للأنظمة المتكاملة الاستفادة من البيانات المصرح بها والتحقق منها بصورة آلية.

كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في التأمين للمساعدة في فرز المطالبات واكتشاف الأخطاء ومحاولات الاحتيال وتسريع بعض القرارات البسيطة.

لكن استخدام التقنية يجب ألا يجعل التواصل أكثر جمودًا.

فالعميل الذي يواجه حالة صحية معقدة أو مطالبة كبيرة قد يحتاج إلى موظف يستطيع شرح المشكلة والتعامل معها إنسانيًا، وليس مجرد إجابة آلية.

ومن هنا فإن أفضل تجربة تأمين قد تكون مزيجًا بين التقنية السريعة والخدمة البشرية عند الحاجة.

أما القضية الأعمق فهي إعادة بناء الثقة بين العميل وشركة التأمين.

والثقة لا تُبنى بحملة إعلانية، بل من خلال تجارب متكررة يشعر فيها العميل بأن الشروط واضحة والسعر مفهوم والمطالبة تتم معالجتها بعدالة والاعتراض يؤخذ بجدية.

وتلعب الجهات التنظيمية دورًا مهمًا في هذه المعادلة.

فهيئة التأمين في السعودية تعمل على تطوير القطاع، وقد أشارت في تقريرها إلى إصدار تنظيمات وصيغ نموذجية لمنتجات تأمينية مع التركيز على حماية حاملي الوثائق والتسعير العادل.

ويشهد القطاع في الوقت نفسه نموًا ملحوظًا؛ فقد وصلت الأقساط المكتتبة إلى مستويات متزايدة وارتفعت مساهمة التأمين في الناتج المحلي غير النفطي.

لكن نمو الأرقام وحده لا يضمن رضا المستفيد.

المعيار الحقيقي بالنسبة إلى المواطن أو المقيم هو: هل يستطيع فهم وثيقته؟ وهل يعرف سبب السعر؟ وهل يحصل على الخدمة عندما يحتاج إليها؟ وهل يستطيع الاعتراض بسهولة إذا شعر بوجود خطأ؟

وتوضح حلقة متى تُحل مشكلة التأمين؟ من بودكاست سقراط أن الإجابة لا تقع على عاتق شركة التأمين وحدها.

هناك شركات التأمين، ومقدمو الخدمات الطبية، وورش الإصلاح، والجهات التنظيمية، إضافة إلى العميل نفسه.

كل طرف يؤثر في التجربة النهائية.

ويحتاج السوق كذلك إلى المزيد من الثقافة التأمينية.

فالكثير من الخلافات تبدأ من الاعتقاد بأن شراء وثيقة تأمين يعني تغطية كل شيء دون حدود، بينما تعمل الوثائق وفق تغطيات وشروط واستثناءات محددة.

وفي المقابل، لا تستطيع الشركات استخدام تعقيد الوثيقة ذريعة لعدم شرحها.

كلما أصبحت المنتجات أبسط واللغة أوضح والإجراءات أكثر شفافية، انخفض مستوى الاحتكاك بين العميل والشركة.

ومع استمرار التحول الرقمي وزيادة الاعتماد على البيانات، يمكن أن يصبح التأمين أكثر تخصيصًا وسرعة في السنوات المقبلة، لكن الاختبار الحقيقي سيظل مرتبطًا بالثقة.

فنجاح قطاع التأمين لا يقاس فقط بإجمالي الأقساط والأرباح، بل بقدرته على الوفاء بوظيفته الأساسية: حماية الأفراد والمؤسسات من الأثر المالي للمخاطر، بطريقة عادلة ومفهومة ويمكن الاعتماد عليها.

قد يعجيك أيضاً

عرض الكل

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

421947 مشاهدة
2022 Dec
لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

Podcast

7154 مشاهدة
2023 Mar
مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

Podcast

5213 مشاهدة
2023 Mar
كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

Podcast

13954 مشاهدة
2023 Sep
المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

الأكثر مشاهدة - Most Watched

10989 مشاهدة
2025 Jan
كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

22781 مشاهدة
2025 Jan