لماذا تعاني المقاولات في السعودية؟ | بودكاست سقراط مع زكريا آل عبدالقادر

1009 مشاهدة
2025 Apr

يشهد قطاع المقاولات في السعودية واحدة من أكبر مراحل النمو في تاريخه، مع التوسع في المشروعات العمرانية والسكنية والسياحية والصناعية ومشروعات النقل والبنية التحتية المرتبطة برؤية السعودية 2030. ففي مناطق مختلفة من المملكة تظهر مدن ومشروعات ووجهات جديدة، ما خلق طلبًا ضخمًا على شركات المقاولات والمهندسين ومديري المشروعات وسلاسل الإمداد.

لكن حجم المشروعات يفتح في الوقت نفسه سؤالًا مهمًا: هل قطاع المقاولات جاهز فعلًا لتنفيذ هذه الطفرة بالكفاءة والجودة والسرعة المطلوبة؟

هذا السؤال يناقشه عمر الجريسي في بودكاست سقراط مع المهندس زكريا بن عبدالرحمن آلعبدالقادر، الرئيس السابق للهيئة السعودية للمقاولين، الذي عاش جزءًا مهمًا من مرحلة تنظيم القطاع ومحاولة معالجة مشكلاته المتراكمة.

وتكشف الحلقة أن وفرة المشروعات لا تعني بالضرورة أن السوق أصبح أكثر سهولة. فقد تتحول الطفرة إلى فرصة تاريخية لتطوير شركات سعودية قوية، لكنها قد تتحول كذلك إلى ضغوط كبيرة إذا كانت القدرات الفنية والإدارية والمالية للشركات أقل من حجم الطلب.

ولهذا لا يدور النقاش فقط حول عدد المشاريع الجديدة، بل حول كيفية بناء سوق مقاولات احترافي ومستدام يستطيع الاستمرار حتى بعد انتهاء موجة المشاريع الحالية.

قطاع المقاولات السعودي بين الطفرة العمرانية ومشكلات السوق

هل شركات المقاولات جاهزة لحجم مشروعات رؤية 2030؟

يصف زكريا آلعبدالقادر المرحلة الحالية بأنها واحدة من أكبر الطفرات التي شهدتها المملكة من حيث حجم المشاريع وتعقيدها.

فالطفرة الجديدة تختلف عن مراحل البناء السابقة؛ إذ لم تعد المشروعات تقتصر على الطرق والمباني الحكومية والمجمعات السكنية التقليدية، بل أصبحت تشمل مدنًا ووجهات سياحية ومشروعات نقل ومرافق ترفيهية وبنية تحتية ذكية ومناطق صناعية.

وهذا النوع من المشروعات يحتاج إلى مستوى مختلف من الخبرة.

الشركة التي تستطيع تنفيذ مبنى سكني لا تستطيع بالضرورة إدارة مشروع ضخم يضم مئات المقاولين والموردين والمهندسين، ويمتد على سنوات ويحتاج إلى تقنيات ومعايير دقيقة.

ومن هنا تظهر مشكلة جاهزية المقاولين في السعودية.

فعدد الشركات وحده لا يكفي؛ الأهم هو عدد الشركات التي تمتلك الخبرة والملاءة المالية والموارد البشرية والأنظمة الإدارية اللازمة للمشروعات الكبرى.

وقد أدى ارتفاع الطلب إلى دخول شركات جديدة إلى السوق، وهو أمر إيجابي من ناحية زيادة المنافسة، لكنه قد يحمل مخاطر إذا حصلت شركات غير مؤهلة على أعمال أكبر من قدراتها.

فعندما يفوز المقاول بمشروع يفوق قدرته المالية أو الفنية، قد تبدأ المشكلات بعد فترة قصيرة.

يظهر التأخير، وتتزايد التكاليف، وتتأثر جودة التنفيذ، ثم قد يدخل المشروع في مرحلة التعثر.

وهنا لا تكون الخسارة على المقاول وحده، بل على المالك والمستفيدين وسلسلة الموردين كاملة.

كما تحتاج الطفرة الحالية إلى أعداد كبيرة من المهندسين ومديري المشاريع والفنيين.

ولا يتعلق الأمر بالحصول على شهادة هندسية فقط، بل بالخبرة في التخطيط والجدولة وإدارة العقود والمخاطر والتكاليف والجودة.

فمدير المشروع الناجح يجب أن يعرف كيف يربط بين الجانب الفني والجانب المالي.

قد يكون المشروع متقدمًا هندسيًا، لكنه يواجه مشكلة في التدفقات النقدية، أو قد تتوفر الأموال بينما يتأخر التنفيذ بسبب ضعف التخطيط.

ولهذا أصبحت ثقافة إدارة المشاريع جزءًا أساسيًا من تطوير قطاع المقاولات.

كما أن تعدد الجهات المرتبطة بالمشروع يزيد التعقيد.

فالمقاول قد يتعامل مع مالك واستشاري وموردين وجهات تنظيمية وشركات خدمات ومقاولين من الباطن، وأي تأخير لدى طرف واحد يمكن أن يؤثر في الجدول الزمني بالكامل.

ومن هنا يأتي ما أشار إليه الضيف حول أهمية التنسيق بين الجهات.

فالطفرة لا يمكن إدارتها من خلال زيادة الإنفاق فقط، وإنما تحتاج إلى منظومة قادرة على التخطيط واتخاذ القرارات بسرعة وحل النزاعات قبل تحولها إلى أزمات.

لماذا تتعثر المشاريع وما دور العقود والتصنيف والرقابة؟

تعثر المشاريع واحد من أكثر المشكلات التي تكلف قطاع البناء مبالغ ضخمة.

وقد يبدأ التعثر من خطأ بسيط في المرحلة الأولى، مثل إعداد ميزانية غير واقعية أو جدول زمني متفائل، ثم تتراكم المشكلات حتى يصبح المشروع متأخرًا لعدة أشهر أو سنوات.

ومن أهم الأسباب التسعير غير الدقيق.

قد يقدم المقاول سعرًا منخفضًا للحصول على المشروع، لكنه يكتشف بعد البدء أن التكلفة الفعلية أعلى من حساباته.

وهنا يصبح أمام خيارات صعبة: خفض الجودة، أو محاولة طلب مبالغ إضافية، أو تأخير الموردين، أو تحمل خسارة كبيرة.

ولهذا فإن الفوز بالمناقصة لا يعني النجاح إذا كان السعر المقدم غير مستدام.

كما تمثل العقود عنصرًا بالغ الأهمية.

العقد الجيد يجب أن يوضح المسؤوليات والمدة وطريقة التعامل مع التغييرات وآليات الدفع والتعويض وحل النزاعات.

وكلما كانت البنود غامضة زاد احتمال الخلاف بين الأطراف.

وتتغير المشروعات الكبيرة أثناء التنفيذ بصورة طبيعية، فقد يطلب المالك تعديلات أو تظهر ظروف ميدانية غير متوقعة.

لكن المشكلة تظهر عندما لا توجد آلية واضحة لتحديد تكلفة ومدة هذه التغييرات.

ومن هنا أصبحت النماذج الاحترافية للعقود وإدارة المطالبات ضرورة في سوق المقاولات الحديث.

وتناقش الحلقة كذلك الصورة الشعبية التي تربط قطاع المقاولات بالفساد أو الاحتكار.

لا يمكن بالطبع تعميم هذا الوصف على القطاع بالكامل، لكن ضعف الأنظمة والشفافية في أي سوق قد يفتح الباب لممارسات غير سليمة.

ولهذا جاء دور الجهات التنظيمية في بناء سجلات للمقاولين وتصنيف الشركات ووضع معايير للجودة والكفاءة.

ويتيح وجود بيانات واضحة عن المقاول معرفة تخصصه وخبراته وسجله في تنفيذ المشاريع بدل اختيار الشركات بناءً على السعر أو العلاقات فقط.

كما أن التصنيف يساعد على منع شركة ذات قدرة محدودة من الحصول على مشروع يفوق حجمها وإمكاناتها.

لكن التصنيف وحده لا يحل المشكلة.

فالسوق يحتاج إلى تحديث مستمر للمعلومات، ومراقبة الأداء الفعلي، والتأكد من أن الشركة تحافظ على قدراتها بعد الحصول على التصنيف.

ويحتاج كذلك إلى تقييم الأداء بعد انتهاء المشروع.

الشركة التي تتأخر بصورة متكررة أو تتسبب في مشكلات جودة يجب أن يظهر هذا في سجلها، بينما تحصل الشركات المتميزة على فرص أكبر.

وهنا تتحول المنافسة من البحث عن أقل سعر فقط إلى المنافسة على القيمة والجودة والالتزام.

مستقبل المقاولات السعودية بين التمويل والكفاءات والاستدامة

التمويل والتدفقات النقدية.. لماذا تفشل شركات رغم كثرة المشاريع؟

قد يبدو من الغريب أن تواجه شركة مقاولات أزمة مالية بينما تمتلك عقودًا بملايين الريالات، لكن هذا الأمر شائع في القطاع.

والسبب هو الفرق بين قيمة المشروع والسيولة المتاحة للشركة.

فالمقاول يبدأ عادة بدفع أجور العمال وشراء المواد واستئجار المعدات قبل استلام كامل مستحقاته.

وإذا تأخرت الدفعات، تظهر فجوة في التدفقات النقدية.

قد تمتلك الشركة مشروعًا مربحًا على الورق، لكنها لا تملك سيولة كافية للاستمرار حتى موعد الدفع القادم.

ومن هنا يأتي الحديث عن التمويل المتخصص لقطاع المقاولات.

فالبنوك تنظر إلى المقاولات باعتبارها نشاطًا يحمل مخاطر مرتبطة بالتأخر وتغير الأسعار والمطالبات، ما قد يجعل الحصول على التمويل أكثر تعقيدًا لبعض الشركات الصغيرة والمتوسطة.

وتزداد المشكلة عندما تدخل الشركة أكثر من مشروع في وقت واحد.

كل مشروع يحتاج إلى رأس مال عامل، وقد يؤدي التوسع السريع إلى استنزاف السيولة بدل زيادة الأرباح.

ولهذا فإن أحد أهم الدروس للمقاول هو عدم قياس النجاح بعدد المشاريع التي يفوز بها.

أحيانًا يكون رفض مشروع غير مناسب قرارًا أكثر ذكاءً من قبوله.

يحتاج المقاول قبل تقديم السعر إلى دراسة التكلفة والمدة والتدفقات النقدية والمخاطر.

كما يحتاج إلى توقع ارتفاع أسعار مواد البناء أو تكاليف العمالة والنقل خلال فترة المشروع.

وتبرز هنا أهمية الإدارة المالية داخل شركات المقاولات.

فالشركة تحتاج إلى فريق مالي يفهم طبيعة المشاريع، وليس مجرد محاسبة الفواتير بعد انتهاء الشهر.

يجب أن يعرف المدير المالي مقدار النقد المطلوب لكل مشروع ومواعيد التحصيل والالتزامات القادمة وتأثير أي تأخير.

وتصبح هذه المهارات أكثر أهمية بالنسبة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة.

فالمنشأة الصغيرة قد تمتلك مهارة فنية ممتازة، لكنها تفشل بسبب سوء التسعير أو إدارة النقد.

ولهذا تحتاج برامج دعم المقاولين إلى الجمع بين التدريب الفني والتدريب الإداري والمالي.

كما يستطيع التعاون بين الشركات أن يفتح فرصًا أكبر.

فبدل أن تحاول شركة صغيرة تنفيذ مشروع ضخم بمفردها، يمكنها الدخول في تحالف أو العمل كمقاول متخصص ضمن مشروع أكبر.

وهذا يساعدها على اكتساب الخبرة وبناء سجل أعمال دون تحمل مخاطر تفوق قدرتها.

كيف يصبح المقاول شريكًا في الجودة بدل أن يكون مجرد منفذ؟

من أكثر الأفكار أهمية في مستقبل القطاع الانتقال من عقلية «نفذ ما في المخطط فقط» إلى عقلية الشراكة في نجاح المشروع.

فالمقاول يمتلك خبرة ميدانية كبيرة يمكن أن تساعد على اكتشاف مشكلات التصميم أو تقديم حلول أكثر كفاءة قبل ظهورها أثناء التنفيذ.

لكن هذا يحتاج إلى علاقة مختلفة بين المالك والاستشاري والمقاول.

إذا كانت العلاقة مبنية بالكامل على النزاع ومحاولة كل طرف حماية نفسه من الطرف الآخر، تضيع فرص تحسين المشروع.

أما إذا تم إشراك المقاول مبكرًا في التخطيط، فقد يستطيع تقديم معلومات عملية عن التكلفة والمواد وأساليب التنفيذ.

وهذا الاتجاه موجود في كثير من نماذج إدارة المشاريع الحديثة التي تشجع التعاون المبكر بين الأطراف.

كما يحتاج المقاول السعودي إلى الاستثمار في التقنية.

برامج نمذجة معلومات البناء BIM، وأنظمة متابعة المشاريع، والطائرات المسيرة، وتحليل البيانات، والأدوات الرقمية لإدارة الموارد، كلها أصبحت جزءًا من صناعة البناء الحديثة.

والشركة التي تعتمد بالكامل على الطرق التقليدية قد تواجه صعوبة في منافسة شركات تستخدم البيانات لمراقبة التكلفة والجودة والجدول الزمني بصورة لحظية.

لكن التقنية تحتاج إلى أشخاص قادرين على استخدامها.

ولهذا يمثل تدريب المهندسين والفنيين السعوديين أحد أهم عناصر تطوير القطاع.

المملكة تمتلك حجمًا ضخمًا من المشاريع الحالية والقادمة، ما يوفر فرصة لبناء جيل من الخبرات الوطنية التي تستطيع لاحقًا العمل داخل المملكة وخارجها.

ولا يجب أن يقتصر التدريب على المهارات الفنية.

يحتاج المهندس إلى فهم العقود والتفاوض وإدارة الفرق والميزانيات والمخاطر.

كما يحتاج القطاع إلى تطوير القيادات الوسطى، لأن المشكلة في كثير من المؤسسات لا تكون في العامل أو المدير التنفيذي، بل في نقص مديري المشاريع والمشرفين القادرين على تحويل الخطط إلى تنفيذ يومي.

وتظهر كذلك فرصة كبيرة أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة في قطاع المقاولات.

فالمشروعات الضخمة لا تنفذها شركة واحدة، بل تعتمد على مئات الموردين والمقاولين المتخصصين.

يمكن لشركة صغيرة أن تبني ميزة تنافسية في مجال محدد مثل أنظمة الكهرباء أو العزل أو التشطيبات أو التقنيات الذكية بدل محاولة منافسة الشركات الكبرى في كل الأنشطة.

ومع الوقت تستطيع هذه الشركة التوسع اعتمادًا على سجل أعمال قوي.

وتحتاج السوق أيضًا إلى زيادة دور القطاع الخاص في الاستثمار والتطوير.

فإذا بقيت صناعة المقاولات مرتبطة بالكامل بالمشروعات الحكومية، فإن النشاط قد يتراجع عندما تتغير دورات الإنفاق.

أما وجود مطورين ومستثمرين من القطاع الخاص في السكن والضيافة والصناعة والخدمات اللوجستية وغيرها فيخلق مصادر طلب أكثر تنوعًا.

وتوضح حلقة بودكاست سقراط مع زكريا آلعبدالقادر أن الطفرة الحالية تمثل فرصة استثنائية، لكنها تضع القطاع أمام اختبار حقيقي.

فالمشروعات الضخمة تستطيع صناعة شركات وطنية تمتلك خبرة عالمية، لكنها تستطيع كذلك كشف ضعف الشركات التي تعتمد على أساليب إدارية قديمة.

المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاول يستطيع قراءة العقد بقدر ما يستطيع قراءة المخطط، ويفهم التدفقات النقدية بقدر فهمه للمواد والعمالة، ويستثمر في الإنسان والتقنية بدل الاعتماد على وفرة المشاريع وحدها.

كما أن نجاح قطاع المقاولات في رؤية 2030 لا يمكن قياسه فقط بعدد المباني والطرق التي يتم إنجازها، بل بجودة ما يتم بناؤه، وقدرة الشركات التي نفذته على الاستمرار والتطور بعد انتهاء الطفرة.

وهنا تصبح الفرصة الحقيقية هي تحويل الإنفاق الكبير على المشاريع إلى قطاع مقاولات سعودي أكثر احترافًا واستدامة وتنافسية، قادر على تنفيذ مشروعات المملكة المستقبلية وبناء خبرة يمكن تصديرها إلى أسواق أخرى.

قد يعجيك أيضاً

عرض الكل

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

421982 مشاهدة
2022 Dec
لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

Podcast

7156 مشاهدة
2023 Mar
مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

Podcast

5214 مشاهدة
2023 Mar
كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

Podcast

13955 مشاهدة
2023 Sep
المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

الأكثر مشاهدة - Most Watched

10989 مشاهدة
2025 Jan
كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

22791 مشاهدة
2025 Jan