متى تنتهي معاناة القطاع الصحي؟ | بودكاست سقراط مع د. خالد الشيباني

634 مشاهدة
2025 Apr

يمثل القطاع الصحي في السعودية واحدًا من أكثر القطاعات ارتباطًا بحياة المواطن اليومية، فالجميع يحتاج في مرحلة ما إلى مركز صحي أو مستشفى أو طبيب أو دواء. ولهذا فإن أي تأخير في موعد، أو صعوبة في الوصول إلى تخصص طبي، أو انتقال متكرر بين المستشفيات، يتحول سريعًا إلى مشكلة تمس حياة الأسرة بصورة مباشرة.

وفي هذه الحلقة من بودكاست سقراط، يناقش عمر الجريسي مع الدكتور خالد الشيباني، الرئيس التنفيذي لبرنامج تحول القطاع الصحي، جذور المشكلات التي واجهت المنظومة الصحية لسنوات، وكيف تحاول السعودية اليوم إعادة تصميم النظام بدل الاكتفاء بإنشاء المزيد من المستشفيات.

فالتحول الصحي لا يقوم فقط على زيادة عدد الأسرة أو الأجهزة الطبية، وإنما على تغيير طريقة إدارة صحة الإنسان نفسها؛ من نظام ينتظر المريض حتى يصاب بالمرض، إلى نموذج يحاول اكتشاف المخاطر مبكرًا والوقاية منها، ويربط المراكز الصحية والمستشفيات والخدمات الرقمية في منظومة واحدة.

ويأتي هذا التحول ضمن رؤية السعودية 2030، التي تستهدف رفع جودة الحياة وتسهيل الوصول إلى الخدمات الصحية وتحسين كفاءتها، مع إعادة توزيع الأدوار بين وزارة الصحة وشركة الصحة القابضة ومركز التأمين الصحي الوطني.

لماذا احتاج القطاع الصحي السعودي إلى تحول شامل؟

من المستشفيات المنفصلة إلى منظومة صحية متكاملة

واحدة من المشكلات الأساسية التي يناقشها الدكتور خالد الشيباني هي أن القطاع الصحي كان يعمل لفترات طويلة بطريقة تجعل كل منشأة تقدم خدماتها بصورة شبه مستقلة عن بقية المنظومة.

قد يبدأ المريض في مركز صحي، ثم يحتاج إلى مستشفى عام، وبعد ذلك إلى مستشفى تخصصي، لكن الانتقال بين هذه المستويات لم يكن دائمًا بالسلاسة المطلوبة.

وهنا تظهر أهمية مفهوم التجمعات الصحية.

بدل النظر إلى كل مستشفى أو مركز بوصفه منشأة مستقلة، يتم تجميع مقدمي الخدمات في شبكات مسؤولة عن صحة مجموعة سكانية محددة داخل منطقة معينة.

ويعني ذلك أن المريض يجب ألا يضطر إلى إدارة رحلته الصحية بنفسه في كل مرة، وإنما يفترض أن تساعد المنظومة على نقله بين مستويات الرعاية المختلفة وفق احتياجاته.

وهذا التغيير يرتبط كذلك بطريقة قياس النجاح.

في النموذج التقليدي قد يتم قياس أداء المنشأة بعدد المرضى الذين تم علاجهم أو العمليات التي أجريت.

أما النموذج الحديث فيسأل سؤالًا مختلفًا: هل أصبح السكان أكثر صحة أصلًا؟

فإذا كان عدد المصابين بالسكري أو الضغط أو السمنة يرتفع باستمرار، فإن بناء المزيد من المستشفيات وحده لن يحل المشكلة.

ولهذا يركز برنامج تحول القطاع الصحي بصورة أكبر على الوقاية والرعاية الأولية والكشف المبكر.

فالشخص الذي يكتشف ارتفاع ضغط الدم مبكرًا ويبدأ العلاج وتغيير نمط حياته قد يتجنب لاحقًا مضاعفات أكثر خطورة مثل أمراض القلب أو الكلى.

وينطبق الأمر نفسه على السكري والسمنة وعدد كبير من الأمراض المزمنة التي تشكل عبئًا كبيرًا على الفرد والنظام الصحي.

وتظهر هذه الفلسفة حاليًا في مبادرات وقائية جديدة؛ فقد أطلقت الصحة القابضة مبادرة «تأكد لصحتك» لتقديم فحوصات وقائية والكشف المبكر عن الأمراض عبر التجمعات الصحية، مع إمكانية حجز الموعد إلكترونيًا من خلال تطبيق صحتي.

كما يرتبط التحول بتحسين استخدام البيانات.

فإذا كانت الجهة الصحية تعرف عدد السكان في منطقة معينة وأعمارهم والأمراض الأكثر انتشارًا بينهم، تستطيع التخطيط بصورة أفضل لعدد الأطباء والمراكز والتخصصات المطلوبة.

أما غياب البيانات الدقيقة فيؤدي إلى مشكلات مثل وجود تخصصات في منطقة لا يوجد عليها طلب كبير، مقابل نقصها في منطقة أخرى تحتاج إليها بشدة.

ولهذا أصبحت البيانات والتحول الرقمي جزءًا أساسيًا من تطوير القطاع الصحي السعودي.

ما دور الصحة القابضة والتجمعات الصحية في النظام الجديد؟

أحد أكبر التغييرات في المنظومة هو إعادة توزيع الأدوار التي كانت وزارة الصحة تقوم بها في السابق.

فقد كانت الوزارة تنظم القطاع، وتموله، وتقدم جزءًا كبيرًا من الخدمات في الوقت نفسه.

أما النموذج الجديد فيسعى إلى الفصل بين هذه الوظائف.

تبقى وزارة الصحة مسؤولة بصورة أساسية عن التنظيم والإشراف ووضع السياسات والمعايير، بينما تتولى شركة الصحة القابضة إدارة التجمعات الصحية الحكومية وتقديم الخدمات للمستفيدين.

أما تمويل الخدمات فيرتبط بمركز التأمين الصحي الوطني.

والهدف من هذا الفصل هو زيادة الوضوح والمساءلة.

فعندما تكون الجهة التي تضع القواعد هي نفسها التي تقدم الخدمة وتمولها، قد يصبح من الصعب أحيانًا تحديد المسؤولية عن ضعف الأداء.

أما عندما يتم الفصل بين المنظم والممول ومقدم الخدمة، فيصبح من الممكن قياس كل طرف بصورة أوضح.

وتعمل الصحة القابضة على إدارة التجمعات الصحية باعتبارها شبكات متكاملة مسؤولة عن السكان في مناطقها، وليس مجرد مجموعة مستشفيات متفرقة.

ويشمل ذلك المراكز الصحية الأولية والمستشفيات والخدمات التخصصية والرعاية المنزلية والافتراضية وغيرها.

كما يستمر انتقال الموظفين والمنشآت تدريجيًا إلى نموذج الصحة القابضة؛ ففي يونيو 2026 بدأت سبعة تجمعات صحية إرسال طلبات انتقال الدفعة الثانية من منسوبي وزارة الصحة ضمن استكمال التحول المؤسسي.

وتثير هذه العملية بطبيعة الحال تساؤلات لدى الممارسين الصحيين عن الوظائف والرواتب والمسارات المهنية.

لكن التحول لا يقوم على فكرة الاستغناء الجماعي عن العاملين، بل على الانتقال إلى نموذج إداري جديد يسمح للتجمعات بمرونة أكبر في استقطاب الكفاءات وتقييم الأداء وتطويرها.

وفي فبراير 2026، على سبيل المثال، أعلنت الصحة القابضة 3150 فرصة عمل في التجمعات الصحية العشرين، شملت أطباء واستشاريين وتمريضًا وتخصصات مختلفة، وهو ما يعكس استمرار الحاجة إلى الكفاءات مع توسع النموذج.

التأمين الصحي الوطني ومستقبل تجربة المواطن والممارس

هل سيدفع المواطن مقابل العلاج في النظام الصحي الجديد؟

يعد التأمين الصحي الوطني من أكثر أجزاء التحول التي أثارت تساؤلات المواطنين.

فعندما يسمع الشخص كلمة «تأمين» قد يتوقع أنه سيحتاج إلى دفع قسط شهري أو سنوي مثل التأمين الخاص.

لكن النموذج الذي أعلنته الجهات الرسمية مختلف.

مركز التأمين الصحي الوطني جهة حكومية مسؤولة عن تصميم وإدارة آليات تمويل الخدمات الصحية وشراء الخدمة لصالح المواطنين.

وتؤكد المعلومات الرسمية أن المواطن لن يكون مطالبًا بدفع اشتراك شهري أو سنوي مقابل الاستفادة من البرنامج، وأن التمويل يأتي من الحكومة.

والفكرة الأساسية هي الانتقال من تمويل المستشفى لمجرد وجوده إلى تمويل الخدمة والقيمة التي يقدمها للمستفيد.

وهنا يظهر مفهوم الرعاية الصحية المبنية على القيمة.

فبدل أن يكون التركيز على عدد الزيارات والفحوصات والإجراءات فقط، يصبح السؤال: هل تحسنت صحة المريض؟ وهل حصل على الخدمة المناسبة في الوقت المناسب وبالتكلفة المناسبة؟

هذا النموذج يخلق مستوى أكبر من المساءلة لمقدم الخدمة.

فالمستشفى أو التجمع الصحي يحتاج إلى تحسين الجودة وتقليل الأخطاء والانتظار غير الضروري، لأن التمويل يصبح مرتبطًا بصورة أكبر بما يتم تقديمه للمستفيد.

ويفترض هذا التحول كذلك أن يمنح المواطن تجربة أكثر وضوحًا.

عندما يحتاج إلى خدمة صحية، يجب أن يعرف أين يذهب وكيف يحصل عليها، بدل الانتقال بين عدة جهات بحثًا عن موعد أو تحويل.

كما يفترض أن تصبح الرعاية الأولية هي المدخل الأساسي للنظام.

فالطبيب في المركز الصحي يمكنه متابعة الشخص لفترات طويلة، ومعرفة تاريخه الصحي، وإدارة الأمراض المزمنة، وتحويله إلى التخصص المناسب عند الحاجة.

وهذا يقلل الضغط على أقسام الطوارئ والمستشفيات الكبرى، التي تستقبل أحيانًا حالات يمكن التعامل معها في مستوى رعاية أقل تكلفة وأكثر ملاءمة.

وتؤكد الصحة القابضة رسميًا أن النموذج المستقبلي يقوم على أن تقدم هي والتجمعات الصحية الخدمة، بينما يتولى مركز التأمين الصحي الوطني تمويلها، وتبقى وزارة الصحة جهة تنظيمية ورقابية.

هل تتحسن المواعيد والكفاءات وتجربة المريض فعلًا؟

يبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى المواطن بعيدًا عن الهياكل الإدارية: هل ستصبح الخدمة أفضل؟

فالتحول لا يهم المريض إذا تغير اسم الجهة التي تدير المستشفى بينما ظل موعد التخصص يستغرق أشهرًا.

ولهذا أصبحت تجربة المريض أحد المؤشرات الأساسية التي يحاول النظام الجديد التركيز عليها.

ويتعلق ذلك بوقت الحصول على الموعد، وسهولة الوصول إلى المركز الصحي، وسرعة التحويل إلى التخصص المناسب، ووضوح المعلومات، واستمرار متابعة الحالة بعد العلاج.

كما تلعب الرعاية الافتراضية دورًا متزايدًا في تقليل الحاجة إلى السفر بين المدن أو زيارة المستشفى في الحالات التي يمكن التعامل معها عن بُعد.

وفي أغسطس 2026 أكدت وزارة الصحة استمرار توظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لتسهيل وصول المستفيدين إلى الرعاية أينما كانوا، ضمن توجه يجعل الوقاية نقطة البداية في النظام الصحي.

وهذه الخدمات مهمة بصورة خاصة للمناطق التي لا تتوفر فيها جميع التخصصات الدقيقة.

فبدل انتقال المريض مئات الكيلومترات للحصول على استشارة، يمكن في بعض الحالات ربطه بطبيب متخصص من خلال الرعاية الافتراضية، ثم تحديد ما إذا كان يحتاج فعلًا إلى الانتقال.

لكن نجاح النظام يعتمد كذلك على معالجة فجوة الكفاءات الصحية.

فالمنشآت الجديدة والأجهزة الحديثة لا تقدم الخدمة دون أطباء وممرضين وفنيين ومتخصصين.

ولهذا تحتاج المملكة إلى الاستمرار في زيادة التدريب والمقاعد في التخصصات المطلوبة، إلى جانب توزيع الكفاءات بصورة أفضل بين المناطق.

ولا يكفي أيضًا زيادة عدد الخريجين بصورة عامة.

قد توجد وفرة في تخصص معين مقابل نقص شديد في تخصص آخر، ولذلك يجب أن ترتبط خطط التعليم الصحي باحتياجات النظام الفعلية لسنوات قادمة.

كما يحتاج الممارس نفسه إلى مسار مهني واضح.

فالطبيب أو الممرض الذي يشعر بوجود فرص للتدريب والترقي والتخصص سيكون أكثر قدرة على الاستمرار وتقديم خدمة جيدة.

ومن هنا فإن التحول الصحي ليس مشروعًا للمرضى فقط، بل مشروع لإعادة بناء بيئة العمل داخل المنظومة كذلك.

وتشير أحدث النتائج الرسمية إلى استمرار تحقيق تقدم في المؤشرات العامة؛ فقد كشف تقرير برنامج تحول القطاع الصحي لعام 2025 أن متوسط العمر المتوقع في السعودية وصل إلى 79.7 عامًا، مقتربًا من مستهدف رؤية 2030 البالغ 80 عامًا، مع ربط هذا التقدم بتحسن الوقاية والصحة العامة وتكامل الخدمات.

لكن الأرقام الكبرى لا تلغي التجربة الفردية.

فقد تتحسن مؤشرات النظام على المستوى الوطني، بينما يظل مريض في منطقة معينة يواجه مشكلة في موعد أو تخصص.

ولهذا سيكون الاختبار الحقيقي للتحول هو قدرة التجمعات الصحية على تقليل هذه الفجوات وتحويل المؤشرات الوطنية إلى تحسن يشعر به الإنسان في زيارته اليومية للمركز أو المستشفى.

وتوضح حلقة «متى تنتهي معاناة القطاع الصحي؟» أن المشروع لا يحاول إصلاح مشكلة واحدة، بل إعادة ترتيب النظام كاملًا: وزارة تنظّم وتراقب، وجهة تمول الخدمات، وتجمعات صحية تقدم الرعاية، ونموذج يبدأ بالوقاية قبل المرض، ويستخدم البيانات لتحديد احتياجات السكان.

ومع استمرار نقل التجمعات إلى الصحة القابضة وتوسع الرعاية الرقمية والوقائية، يصبح النجاح مرتبطًا بقدرة هذه المنظومة الجديدة على تحقيق ما يهم المواطن فعلًا: موعد أسرع، وطبيب مناسب، وخدمة أكثر وضوحًا، ورعاية تصل إليه قبل أن تتحول المشكلة الصحية البسيطة إلى مرض أكثر تعقيدًا.

قد يعجيك أيضاً

عرض الكل

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

421946 مشاهدة
2022 Dec
لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

Podcast

7154 مشاهدة
2023 Mar
مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

Podcast

5213 مشاهدة
2023 Mar
كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

Podcast

13954 مشاهدة
2023 Sep
المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

الأكثر مشاهدة - Most Watched

10989 مشاهدة
2025 Jan
كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

22781 مشاهدة
2025 Jan