أربعون عامًا من العمل في الاقتصاد السعودي | بودكاست سقراط مع د. محمد الجاسر

675 مشاهدة
2025 Apr

تمثل مسيرة الدكتور محمد بن سليمان الجاسر جزءًا مهمًا من تاريخ الاقتصاد السعودي الحديث، فقد عمل خلال عقود في عدد من أهم المؤسسات المالية والاقتصادية في المملكة، وشهد مراحل تغيرت خلالها طبيعة الاقتصاد والسياسات المالية والمصرفية بصورة كبيرة.

وفي هذه الحلقة من بودكاست سقراط، يستضيف عمر الجريسي الدكتور محمد الجاسر في حوار يعيد قراءة أكثر من أربعين عامًا من العمل الاقتصادي، من بداياته الأكاديمية والعملية، مرورًا بوزارة المالية ومؤسسة النقد العربي السعودي، ثم وزارة الاقتصاد والتخطيط، وصولًا إلى رئاسته الحالية لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية.

ولا تقدم الحلقة سيرة شخصية فقط، بل توثق مراحل مهمة من تطور الاقتصاد السعودي؛ من إدارة فترات انخفاض الإيرادات والتحديات المالية، إلى بناء احتياطيات وفوائض، وتطوير البنية المصرفية وأنظمة المدفوعات الإلكترونية، والتفكير في التكامل النقدي الخليجي، ثم الانتقال إلى مرحلة جديدة من التخطيط الاقتصادي والاستراتيجي.

كما تكشف التجربة كيف تطورت المؤسسات الاقتصادية السعودية تدريجيًا، وكيف ساهم الاستثمار في الصناعة والبنية التحتية والتقنية والقطاع المالي في بناء الأساس الذي انطلقت منه التحولات الاقتصادية الأكبر خلال السنوات الأخيرة.

محمد الجاسر والتحولات الكبرى في الاقتصاد السعودي

من الدراسة في أمريكا إلى وزارة المالية وبداية التحول الصناعي

بدأ محمد الجاسر مسيرته من التعليم الاقتصادي، وحصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد مع مرتبة الشرف من جامعة سان دييغو الحكومية، ثم أكمل دراستيه للماجستير والدكتوراه في الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا.

هذه الخلفية الأكاديمية جاءت في مرحلة كانت المملكة نفسها تمر بتحولات اقتصادية كبيرة نتيجة نمو الإيرادات النفطية وتسارع مشروعات التنمية.

والعودة إلى السعودية في تلك الفترة تعني الدخول إلى اقتصاد كان يبني كثيرًا من مؤسساته الحديثة ويبحث عن كيفية تحويل الثروة النفطية إلى تنمية طويلة الأجل.

وانضم الجاسر خلال مسيرته إلى وزارة المالية والاقتصاد الوطني، ثم تولى لاحقًا منصب وكيل الوزارة، وهي تجربة وضعته في قلب السياسات الاقتصادية والمالية للمملكة.

ومن الملفات المهمة التي يستعيدها الحوار التحول الصناعي الذي شهدته السعودية مع تطوير الاستفادة من الغاز المصاحب وإقامة صناعات بتروكيماوية واسعة.

ففي العقود الأولى من الصناعة النفطية كان الاهتمام الأساسي منصبًا على إنتاج النفط، لكن تطوير استخدام الغاز فتح مجالًا اقتصاديًا وصناعيًا جديدًا.

ومن هنا جاءت أهمية قطاع البتروكيماويات السعودي وظهور شركة سابك التي تأسست في السبعينيات لتصبح لاحقًا واحدة من أبرز الشركات الصناعية العالمية.

هذا التحول يكشف فكرة أساسية في التنمية الاقتصادية: الموارد الطبيعية لا تحقق أقصى قيمة بمجرد استخراجها، وإنما عندما يتم استخدامها لبناء سلاسل صناعية ومنتجات ذات قيمة مضافة.

فالغاز الذي كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره منتجًا مصاحبًا أصبح مادة أساسية في صناعات الأسمدة والبلاستيك والكيماويات وغيرها.

وبالتالي أسهمت هذه الصناعات في خلق وظائف وكفاءات هندسية وشركات وخدمات مساندة، بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام.

كما سمحت تجربة وزارة المالية للجاسر بالتعامل مع الجانب الآخر من الاقتصاد، وهو إدارة الإيرادات والإنفاق العام.

فالاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على النفط تواجه تحديًا معروفًا يتمثل في تقلب الأسعار والإيرادات.

عندما ترتفع أسعار النفط قد تدخل إيرادات كبيرة إلى الدولة، لكن عندما تنخفض الأسعار قد تظهر فجوات مالية واسعة.

ولهذا تحتاج السياسة المالية إلى التفكير في دورات تمتد لسنوات، وليس فقط في الإيراد المتاح خلال سنة واحدة.

وتبرز هنا أهمية بناء الاحتياطيات، وإدارة الدين، وترتيب أولويات الإنفاق، والتأكد من أن المشروعات الحكومية تستطيع الاستمرار حتى في أوقات انخفاض الإيرادات.

مؤسسة النقد وسداد.. كيف تطورت البنية المالية والمصرفية في المملكة؟

تمثل تجربة الدكتور محمد الجاسر في مؤسسة النقد العربي السعودي، التي أصبحت اليوم البنك المركزي السعودي، واحدة من أهم مراحل مسيرته.

فقد تولى عدة مناصب في المؤسسة، منها نائب المحافظ، قبل أن يصبح محافظًا ورئيسًا لمجلس إدارتها.

والبنك المركزي يلعب دورًا بالغ الحساسية في أي اقتصاد.

فهو مسؤول عن الاستقرار النقدي والإشراف على القطاع المصرفي، إضافة إلى متابعة مجموعة واسعة من المؤشرات المالية التي تؤثر في الاقتصاد والمواطنين والشركات.

وقد عاصر الجاسر مراحل تغيرت خلالها الظروف المالية السعودية بصورة كبيرة، من فترات ضغوط مالية وانخفاض الإيرادات إلى سنوات ارتفاع أسعار النفط وتحقيق فوائض كبيرة.

إدارة الفائض لا تقل أهمية عن إدارة العجز.

فعندما ترتفع الإيرادات، يصبح السؤال: كيف يمكن استخدام الأموال دون خلق مستويات إنفاق يصعب المحافظة عليها لاحقًا؟

وفي المقابل، عندما تنخفض الإيرادات تحتاج الدولة إلى المحافظة على الاستقرار الاقتصادي وإدارة الإنفاق والاحتياطيات بعناية.

كما شهدت المنظومة المصرفية السعودية خلال هذه الفترة تطورًا تقنيًا مهمًا.

ومن أبرز المشروعات التي يناقشها الحوار نظام سداد للمدفوعات، الذي أسهم في تحويل عملية دفع الفواتير والمدفوعات الحكومية والخدمات من الإجراءات التقليدية إلى منظومة إلكترونية أكثر تكاملًا.

وقد يبدو دفع فاتورة إلكترونيًا أمرًا طبيعيًا اليوم، لكنه كان يمثل تحولًا كبيرًا عندما بدأت البنية التحتية للمدفوعات الرقمية في التوسع.

فنجاح النظام يحتاج إلى ربط البنوك والجهات الحكومية والشركات، ووضع معايير تقنية وأمنية تسمح بإجراء ملايين العمليات بصورة موثوقة.

وكان هذا النوع من المشروعات جزءًا من بناء البنية التحتية المالية الرقمية في السعودية، التي تطورت لاحقًا بصورة كبيرة مع انتشار التطبيقات المصرفية والمدفوعات الإلكترونية والتقنيات المالية.

كما أن التحول الرقمي يقلل تكلفة التعاملات.

بدل أن يزور الفرد فرعًا مصرفيًا لدفع فاتورة أو تنفيذ معاملة، يستطيع إنجازها إلكترونيًا، ما يوفر الوقت ويقلل الضغط على المؤسسات.

ومن هنا لا تكون التقنية مجرد وسيلة للراحة، بل أداة لرفع كفاءة الاقتصاد نفسه.

من التكامل الخليجي إلى رؤية 2030 والبنك الإسلامي للتنمية

لماذا لم تظهر العملة الخليجية الموحدة وكيف تغير التخطيط الاقتصادي؟

من التجارب المهمة في مسيرة الجاسر رئاسته المجلس النقدي الخليجي، وهو الكيان الذي ارتبط بمشروع العملة الخليجية الموحدة.

فكرة العملة الموحدة تقوم على وجود دول متقاربة اقتصاديًا وسياسيًا تتبنى نظامًا نقديًا مشتركًا، بما يسهل التجارة وحركة رؤوس الأموال ويقلل تكاليف تحويل العملات.

وقد نجح الاتحاد الأوروبي في تطبيق تجربة اليورو، وهو ما جعل مشاريع التكامل النقدي محل اهتمام في مناطق أخرى.

لكن إصدار عملة موحدة ليس مجرد تصميم أوراق نقدية جديدة.

الدول المشاركة تحتاج إلى الاتفاق على سياسات نقدية ومؤسسات مشتركة ومعايير اقتصادية تتعلق بالعجز والدين والتضخم والاحتياطيات.

كما تحتاج إلى الاتفاق على مكان البنك المركزي المشترك وآليات اتخاذ القرار ومدى استقلال السياسة النقدية عن الحكومات الوطنية.

ولهذا تصبح المسألة اقتصادية وسياسية في الوقت نفسه.

وتوضح تجربة مشروع العملة الخليجية الموحدة أن التقارب الكبير بين دول مجلس التعاون لا يلغي وجود اختلافات في حجم الاقتصادات وأولويات السياسات والظروف المالية لكل دولة.

ومن ثم لم يصل المشروع حتى الآن إلى مرحلة إصدار عملة مشتركة، رغم استمرار مستويات متعددة من التكامل الاقتصادي الخليجي.

أما المحطة الأخرى في مسيرة الجاسر فكانت وزارة الاقتصاد والتخطيط.

وتزامنت هذه المرحلة مع تحول في طريقة التفكير بالتخطيط الاقتصادي في المملكة.

فالسعودية اعتمدت لعقود على الخطط التنموية الخمسية التي تحدد مجموعة من الأهداف والإنفاق والمشروعات خلال فترة محددة.

لكن الاقتصاد الحديث يتغير بوتيرة أسرع، كما أن تنويع الاقتصاد يحتاج إلى ربط قطاعات كثيرة برؤية واحدة طويلة المدى.

ومن هنا جاء الانتقال التدريجي إلى نمط أكثر شمولًا من التخطيط الاستراتيجي، الذي ظهر بصورة واضحة مع إطلاق رؤية السعودية 2030.

والرؤية لا تعمل كخطة لقطاع واحد، بل تربط الاقتصاد والتعليم والاستثمار والسياحة والصناعة والتقنية وجودة الحياة وسوق العمل ضمن مجموعة من المستهدفات والبرامج.

وهذا يمثل تحولًا في مفهوم التخطيط نفسه.

فبدل الاكتفاء بقياس حجم الإنفاق أو عدد المشروعات، تصبح هناك مؤشرات تتعلق بالنتائج: كم وظيفة تم خلقها؟ كم ارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية؟ وهل أصبحت المؤسسات أكثر كفاءة؟

البنك الإسلامي للتنمية.. كيف انتقلت خبرة الجاسر من الاقتصاد المحلي إلى التنمية العالمية؟

بعد عقود من العمل في المؤسسات الاقتصادية السعودية، انتقل محمد الجاسر إلى مرحلة ذات نطاق دولي أوسع من خلال مجموعة البنك الإسلامي للتنمية.

انتُخب رئيسًا للمجموعة في 2021، ثم أعيد انتخابه بالإجماع في يونيو 2026 لولاية جديدة مدتها خمس سنوات، وهو ما يعكس استمرار الثقة في قيادته للمؤسسة.

ويضم البنك الإسلامي للتنمية 57 دولة عضوًا، وهو ما يجعل طبيعة العمل مختلفة عن إدارة الاقتصاد داخل دولة واحدة.

فالدول الأعضاء تختلف بصورة كبيرة في الدخل وحجم الاقتصاد والبنية التحتية والاحتياجات التنموية.

بعضها يحتاج إلى طرق وشبكات كهرباء ومياه، بينما تحتاج دول أخرى إلى تطوير التعليم أو الرعاية الصحية أو القطاع الخاص.

ولهذا يعمل البنك بوصفه مؤسسة تنموية توفر التمويل والخبرات والشراكات لمجموعة واسعة من المشروعات.

وتختلف البنوك التنموية عن البنوك التجارية التقليدية.

فالبنك التجاري ينظر بصورة أساسية إلى قدرة العميل على سداد القرض وتحقيق العائد، بينما المؤسسة التنموية تنظر كذلك إلى الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشروع.

قد يكون بناء طريق في دولة نامية مهمًا لأنه يربط القرى بالمدن والأسواق، ويقلل تكلفة نقل السلع، ويتيح للسكان الوصول إلى المدارس والمستشفيات.

وبذلك لا تُقاس قيمة المشروع بالعائد المالي المباشر فقط.

وينطبق الأمر نفسه على مشروعات المياه والطاقة.

توفير الكهرباء قد يسمح بإنشاء مصانع ومشروعات صغيرة، بينما يمكن لمشروع مياه أن يحسن الصحة ويقلل الوقت الذي تقضيه الأسر في الحصول على المياه.

ومن هنا يصبح التمويل التنموي وسيلة لتغيير حياة المجتمعات وليس مجرد عملية مالية.

وفي الاجتماعات السنوية لعام 2025، أعلن البنك توقيع أكثر من 70 اتفاقية بقيمة تقارب 5 مليارات دولار مع 26 دولة عضو وعدد من المؤسسات الإقليمية، وهو مثال على حجم النشاط الذي تديره المجموعة.

كما أن عمل البنك أصبح مرتبطًا بقضايا عالمية جديدة، من الأمن الغذائي إلى التغير المناخي والطاقة والاستدامة والتحول الرقمي.

فالدول النامية تحتاج إلى تمويل ضخم لمواجهة هذه التحديات، بينما لا تستطيع كثير منها الاعتماد على مواردها المحلية وحدها.

وتصبح المؤسسات متعددة الأطراف مثل البنك الإسلامي للتنمية حلقة وصل بين الحكومات والمستثمرين والمؤسسات الدولية.

وتوضح تجربة محمد الجاسر كيف يمكن للخبرة المتراكمة في إدارة الاقتصاد المحلي أن تنتقل إلى العمل التنموي الدولي.

فمن إدارة السياسات المالية والمصرفية في السعودية، إلى التفكير في التكامل النقدي الخليجي، ثم إلى تمويل مشروعات في عشرات الدول، تظل هناك أسئلة اقتصادية متشابهة: كيف تستخدم الموارد المحدودة بأفضل طريقة؟ وكيف توازن بين النمو والاستقرار؟ وكيف تحول التمويل إلى تنمية يشعر بها الإنسان؟

وتمنح حلقة «أربعون عامًا من العمل في الاقتصاد السعودي» فرصة لفهم جانب من التحولات الاقتصادية في المملكة من خلال شخص عاشها داخل المؤسسات نفسها.

فخلال أربعة عقود تغيرت السعودية من اقتصاد يركز بدرجة كبيرة على النفط والإنفاق الحكومي إلى اقتصاد يبني قطاعات صناعية ومالية وتقنية متعددة، ثم دخل مرحلة جديدة تسعى إلى زيادة مساهمة السياحة والصناعة والتعدين والاستثمار والخدمات والاقتصاد الرقمي.

وتكشف رحلة الجاسر كذلك أن التحولات الكبرى لا تبدأ دائمًا بإعلان ضخم، بل قد تبدأ بمشروع مصرفي أو نظام مدفوعات أو قرار صناعي أو إصلاح مؤسسي تظهر قيمته الكاملة بعد سنوات.

ومن سداد إلى تطوير القطاع المصرفي، ومن الصناعات البتروكيماوية إلى التخطيط الاستراتيجي، تظهر أهمية بناء المؤسسات القادرة على الاستمرار والتطور، لأن قوة الاقتصاد لا تعتمد فقط على حجم الموارد التي يمتلكها، بل على الكفاءة التي يدير بها هذه الموارد ويحولها إلى نمو وتنمية طويلة الأجل.

قد يعجيك أيضاً

عرض الكل

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

421947 مشاهدة
2022 Dec
لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

Podcast

7154 مشاهدة
2023 Mar
مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

Podcast

5213 مشاهدة
2023 Mar
كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

Podcast

13954 مشاهدة
2023 Sep
المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

الأكثر مشاهدة - Most Watched

10989 مشاهدة
2025 Jan
كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

22781 مشاهدة
2025 Jan