كيف سيصبح شكل المدن في السعودية؟ | بودكاست سقراط مع إيهاب الحشاني

493 مشاهدة
2025 Apr

تشهد المدن السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولًا كبيرًا في طريقة التخطيط والتطوير، بالتزامن مع النمو السكاني والتوسع العمراني والمشروعات الضخمة المرتبطة برؤية السعودية 2030. لكن هذا النمو يطرح في الوقت نفسه مجموعة من الأسئلة التي يشعر بها المواطن والمقيم يوميًا: لماذا تتكرر الحفريات؟ لماذا تفتقد بعض الأحياء إلى الحدائق؟ هل صُممت المدن للسيارات أكثر من الإنسان؟ ولماذا تبدو بعض الشوارع والأرصفة بعيدة عن مستوى التطور الذي تشهده المملكة؟

هذه الأسئلة يناقشها عمر الجريسي في بودكاست سقراط مع إيهاب الحشاني، نائب وزير البلديات والإسكان، في حلقة بعنوان «كيف سيصبح شكل المدن في السعودية؟».

الحوار لا يتعامل مع المدينة بوصفها مجموعة من الطرق والمباني فقط، بل باعتبارها المكان الذي يعيش فيه الإنسان معظم تفاصيل حياته؛ من المنزل إلى المدرسة والعمل والحديقة والطريق والممشى.

ولهذا أصبحت جودة الحياة الحضرية أحد المحاور المهمة في التخطيط الجديد، بحيث لا يكون الهدف فقط زيادة مساحة المدن، وإنما تحسين طريقة استخدام هذه المساحات وربطها بالخدمات والهوية والبيئة.

كما تكشف الحلقة أن كثيرًا من المشكلات الحالية ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل هي نتيجة تراكمات عمرانية وتنظيمية امتدت لعقود، ولذلك فإن إصلاحها يحتاج إلى تغييرات في التخطيط والأنظمة والتنسيق بين الجهات، وليس مجرد تنفيذ مشروع تجميلي مؤقت.

مشكلات المدن السعودية والتحول نحو تخطيط أكثر إنسانية

لماذا توسعت المدن بطريقة جعلت السيارة أهم من الإنسان؟

مرت المدن السعودية خلال العقود الماضية بمراحل نمو سريعة، وارتبط هذا التوسع بزيادة السكان وارتفاع الطلب على السكن وظهور أحياء جديدة في أطراف المدن.

لكن النمو السريع أدى في بعض الحالات إلى بناء أنماط عمرانية تعتمد بدرجة كبيرة على السيارة.

فالمسافات بين السكن والخدمات قد تكون طويلة، والشوارع الرئيسية واسعة، بينما تكون مساحات المشاة أو الدراجات أو الجلوس أقل حضورًا.

وهذا النموذج ليس مشكلة سعودية فقط، فقد تبنته مدن كثيرة حول العالم خلال القرن العشرين، عندما أصبحت السيارة محورًا أساسيًا في التخطيط الحضري.

لكن النتائج بدأت تظهر مع الوقت.

كلما توسعت المدينة أفقيًا زادت المسافات التي يقطعها السكان، وارتفع الاعتماد على السيارة، وأصبح توفير الطرق ومواقف المركبات أكثر تكلفة.

وفي الوقت نفسه تقل قدرة الشخص على الوصول سيرًا إلى متجر أو حديقة أو مدرسة أو خدمة يومية.

ولهذا ظهر عالميًا اتجاه جديد نحو المدن المتمحورة حول الإنسان.

الفكرة لا تعني منع السيارات، بل إعادة التوازن بين السيارة والمشاة والنقل العام والمساحات العامة.

فالحي الجيد هو الذي يستطيع السكان فيه الوصول إلى جزء كبير من احتياجاتهم بسهولة، وتتوفر فيه أرصفة آمنة وتشجير ومساحات للجلوس والأنشطة.

وتعمل وزارة البلديات والإسكان على تحديث الاستراتيجية العمرانية الوطنية بهدف توجيه التنمية على المستوى الوطني والإقليمي والمحلي وتحسين المشهد الحضري وجودة الحياة. كما تتضمن المبادرة إعداد خطط استراتيجية تفصيلية لعدد من المناطق والمدن.

ومن الجوانب التي تعمل عليها الوزارة كذلك تطوير نظام تخطيط عمراني موحد يعالج تعدد الأنظمة والقرارات ويساعد على توحيد الأسس التي تدار بها التنمية العمرانية في المملكة.

لكن التوحيد لا يعني أن تصبح كل المدن متشابهة.

بل يجب أن تكون هناك قواعد مشتركة تتعلق بالجودة والسلامة والتخطيط، مع ترك مساحة لكل منطقة للحفاظ على طبيعتها وهويتها.

وهذا يمثل أحد أكبر التحديات في تطوير المدن: كيف توفر مستوى موحدًا من الجودة دون إنتاج شكل عمراني واحد في كل مكان؟

الحفريات والأرصفة والمشهد الحضري.. لماذا تتكرر المشكلات نفسها؟

ربما تكون الحفريات المتكررة واحدة من أكثر المشكلات التي يلاحظها السكان في المدن.

يتم الانتهاء من طريق، وبعد فترة تبدأ جهة أخرى في الحفر لتمديد شبكة مياه أو كهرباء أو اتصالات، ثم قد تظهر أعمال إضافية لاحقًا.

والنتيجة هي إزعاج السكان، وتراجع جودة الأسفلت، وزيادة تكلفة الصيانة.

المشكلة هنا ليست وجود أعمال البنية التحتية؛ فكل مدينة تحتاج بصورة مستمرة إلى شبكات جديدة وصيانة للخدمات.

المشكلة هي التنسيق بين الجهات.

إذا كانت كل جهة تعمل وفق جدول مستقل، فقد يتم فتح الطريق نفسه أكثر من مرة خلال فترة قصيرة.

ولهذا أصبحت إدارة الحفريات ملفًا يحتاج إلى منصة مركزية تسمح بمعرفة المشروعات المخطط لها في كل موقع قبل بدء العمل.

وفي مارس 2024 اعتمدت الوزارة لوائح جديدة لتراخيص أعمال الحفر، ويتم التنسيق عبر خدمة «نسّق» من خلال منصة بلدي، بحيث تتعاون الجهات ذات العلاقة قبل إصدار الترخيص، مع تحديد مدد وضوابط فنية وجودة التنفيذ.

وهذا النوع من الأنظمة يمكن أن يقلل التكرار إذا تم تطبيقه بصورة فعالة، لأن الجهة التي تريد تنفيذ مشروع تستطيع معرفة المشروعات الأخرى المخطط لها في الموقع نفسه.

كما أن تحسين الشارع لا ينتهي عند إعادة الأسفلت.

هناك الأرصفة، وممرات المشاة، وتصريف مياه الأمطار، والإنارة، والتشجير، ومواقع عبور الطريق.

فالرصيف السيئ قد يدفع الشخص إلى السير في الشارع نفسه، وهو ما يحول مشكلة تصميمية صغيرة إلى خطر على السلامة.

ولهذا أصبح تحسين المشهد الحضري مرتبطًا بمجموعة من التفاصيل التي تؤثر في تجربة السكان.

وقد أصدرت الوزارة أيضًا اشتراطات محدثة لإنشاء المباني السكنية في 2024، بهدف توحيد المتطلبات ومواءمتها مع كود البناء السعودي وتحسين النسيج العمراني وجودة الحياة.

وتوضح هذه التحولات أن حل المشكلة يحتاج إلى أنظمة تمنع ظهور الخلل قبل حدوثه، لا إلى حملات إصلاح بعد اكتمال المشروع فقط.

مستقبل المدن السعودية بين الحدائق والهوية وجودة الحياة

هل تحصل المدن على ما يكفي من الحدائق والمساحات العامة؟

تلعب الحدائق والمساحات العامة دورًا أكبر بكثير من مجرد تجميل المدينة.

فالحديقة مكان للأطفال، ومتنفس للعائلات، ومساحة للمشي والرياضة والتواصل الاجتماعي.

كما أن المساحات الخضراء تساهم في تحسين البيئة العمرانية وتوفير الظل وتقليل التأثير الحراري في المناطق المبنية.

لكن إنشاء الحدائق في مدن ذات مناخ حار وجاف يحتاج إلى تخطيط مختلف عن المدن ذات الأمطار الغزيرة.

فزيادة المساحات الخضراء يجب أن تراعي استهلاك المياه واختيار النباتات المناسبة وقدرتها على تحمل الظروف المناخية.

ولهذا يظهر اتجاه نحو استخدام أنواع محلية أو أقل احتياجًا للمياه بدل الاعتماد على زراعة تحتاج إلى ري مستمر بكميات كبيرة.

كما أن التشجير الناجح لا يعني فقط زرع أكبر عدد من الأشجار.

يجب اختيار الموقع والنوع والمساحة المناسبة للجذور، والتأكد من عدم تأثير الأشجار على الأرصفة أو شبكات الخدمات، وفي الوقت نفسه وضعها في المواقع التي يستفيد منها المشاة فعلًا.

فشجرة بعيدة عن مسار المشي قد تحسن المنظر، لكنها لا تحقق الهدف نفسه الذي تحققه شجرة توفر الظل في شارع يستخدمه الناس يوميًا.

ومن الاتجاهات المهمة كذلك تفعيل الأراضي والمساحات غير المستغلة.

فليس كل حي يحتاج بالضرورة إلى حديقة ضخمة بتكلفة عالية، ويمكن أحيانًا تحويل قطعة أرض صغيرة إلى مساحة مجتمعية تضم مقاعد وتشجيرًا ومسارًا للمشي أو منطقة ألعاب.

وتواصل الوزارة بناء شراكات لتطوير الحدائق والساحات البلدية؛ ففي نوفمبر 2025 وقعت اتفاقية مع القطاع الخاص لتطوير وإدارة وتشغيل الحدائق العامة والساحات، بهدف زيادة المساحات الخضراء وتحسين المشهد الحضري ورفع جودة الحياة.

وهنا يظهر دور القطاع الخاص في إدارة المدينة.

فالبلدية لا تحتاج بالضرورة إلى تشغيل كل مرفق بنفسها، ويمكن للشركات الاستثمار في بعض المساحات والخدمات ضمن ضوابط تحافظ على حق الناس في استخدامها.

وقد يساعد ذلك على رفع مستوى الصيانة والخدمات إذا كانت العقود مصممة بصورة جيدة.

لكن نجاح الحدائق لا يقاس بعدد المواقع التي يتم افتتاحها فقط.

الأهم هو: هل يستطيع السكان الوصول إليها بسهولة؟ وهل هي نظيفة وآمنة؟ وهل توفر أنشطة تناسب الأطفال وكبار السن والعائلات؟ وهل يستمر مستوى الصيانة بعد سنوات من افتتاحها؟

هذه التفاصيل هي التي تحول المشروع من إنجاز على الورق إلى جزء حقيقي من جودة الحياة في المدن السعودية.

كيف تستعيد كل مدينة هويتها المعمارية وتصبح أكثر قابلية للعيش؟

من الملاحظات التي يطرحها كثير من الناس أن بعض المدن الحديثة قد تفقد تدريجيًا شخصيتها المعمارية.

يمكن أن تنتقل من مدينة إلى أخرى وترى المباني والأسواق والشوارع نفسها تقريبًا.

لكن السعودية تمتلك تنوعًا جغرافيًا وثقافيًا كبيرًا.

عمارة جدة التاريخية مختلفة عن الأحساء، وبيئة عسير الجبلية مختلفة عن الرياض أو المنطقة الشرقية.

ولهذا فإن تطوير الهوية العمرانية السعودية لا يعني تصميم شكل واحد يطبق في جميع المدن.

بل يعني اكتشاف العناصر التي تميز كل منطقة ثم استخدامها بصورة حديثة.

قد يظهر ذلك في مواد البناء أو الألوان أو أشكال الواجهات أو تصميم المساحات العامة أو النباتات المستخدمة.

والهدف ليس إعادة بناء المدن الحديثة بالشكل نفسه الذي كانت عليه قبل مئات السنين، بل الاستفادة من التراث في إنتاج عمارة معاصرة يمكن التعرف إليها.

وتشير مبادرات الوزارة في التخطيط العمراني إلى أهمية أن تراعي السياسات الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، مع التأكيد على الهوية الوطنية ضمن نظام التخطيط المقترح.

كما أن بناء هوية حقيقية للمدينة يتجاوز واجهة المبنى.

هوية المدينة تتشكل من طريقة استخدام الشوارع والأسواق والممرات والساحات، ومن علاقة الناس بالمكان.

فالمدينة التي تمتلك مباني جميلة لكنها غير قابلة للمشي قد لا تحقق جودة حياة مرتفعة.

ولهذا أصبح مفهوم المدينة القابلة للعيش يجمع بين التخطيط والهوية والخدمات.

ويشمل ذلك وجود المدارس والمتاجر والخدمات الصحية بالقرب من السكان، وتحسين النقل، وزيادة الحدائق، وتوفير أرصفة آمنة، وتطوير المساحات العامة.

كما يجب إشراك السكان في عملية التحسين.

وتظهر أهمية هذا الجانب في ملف البلاغات البلدية.

فالمواطن الذي يبلغ عن حفرة أو رصيف مكسور أو مشكلة نظافة يقدم في الواقع معلومات تساعد الجهة المسؤولة على معرفة الخلل.

لكن إذا تم إغلاق البلاغ دون معالجة حقيقية، يفقد المستخدم ثقته في النظام ويتوقف عن المشاركة.

ولهذا فإن جودة الخدمات الرقمية البلدية لا تقاس بعدد البلاغات المغلقة فقط، وإنما بنسبة المشكلات التي تم حلها فعليًا ورضا المستخدم عن النتيجة.

وتنسجم هذه الفكرة مع التحول الذي تتحدث عنه الوزارة حاليًا نحو نموذج يعتمد على إجراءات أوضح ورفع كفاءة الأداء بدل الحلول الفردية والاستثناءات. ففي فبراير 2026 أكد إيهاب الحشاني أن التحول في القطاع يقوم على وضوح الإجراءات وتحسين أساليب التنفيذ وبناء نموذج تنظيمي أكثر استدامة.

وتكشف حلقة «كيف سيصبح شكل المدن في السعودية؟» أن تطوير المدينة لا يحدث بمشروع واحد ضخم، بل بآلاف القرارات الصغيرة المتصلة ببعضها.

طريقة تصميم الرصيف، ومكان الشجرة، وتنظيم الحفر، وطريقة التعامل مع البلاغ، وموقع الحديقة، وشكل المبنى، كلها قرارات تؤثر في حياة الناس بصورة يومية.

كما أن التحدي لا يتمثل في بناء أحياء جديدة فقط، بل في إصلاح وتحسين المدن القائمة التي يعيش فيها ملايين السكان بالفعل.

ومن هنا يصبح نجاح التحول الحضري مرتبطًا بقدرة الوزارة والأمانات والجهات الخدمية والقطاع الخاص على العمل ضمن رؤية واحدة، بدل تنفيذ مشروعات منفصلة لا تتكامل مع بعضها.

ومع استمرار تحديث الاستراتيجية العمرانية والأنظمة والتنسيق بين الجهات، يصبح الهدف النهائي بناء مدن سعودية أكثر إنسانية، وأسهل في الحركة، وأكثر خضرة، وأوضح هوية، وأعلى جودة في الخدمات اليومية، بحيث يشعر المواطن والمقيم بأثر التطوير في الشارع والحي والحديقة، وليس فقط في المخططات والمشروعات الكبرى.

قد يعجيك أيضاً

عرض الكل

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

422030 مشاهدة
2022 Dec
لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

Podcast

7165 مشاهدة
2023 Mar
مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

Podcast

5220 مشاهدة
2023 Mar
كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

Podcast

13957 مشاهدة
2023 Sep
المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

الأكثر مشاهدة - Most Watched

10995 مشاهدة
2025 Jan
كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

22799 مشاهدة
2025 Jan