لماذا فشلت المكتبات في السعودية؟ | بودكاست سقراط مع عبدالرحمن العاصم
مرت المكتبات في السعودية بتحولات كبيرة خلال العقود الماضية، فمن أماكن كانت تمثل في وقت من الأوقات مصدرًا أساسيًا للحصول على الكتب والمعلومات، إلى مؤسسات واجه بعضها صعوبة في جذب الأجيال الجديدة مع انتشار الإنترنت والهواتف الذكية وتغير طريقة الحصول على المعرفة.
ومع هذا التحول أصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل انتهى دور المكتبة التقليدية؟ أم أن المشكلة ليست في المكتبة نفسها، بل في الطريقة التي يتم تقديمها بها إلى المجتمع؟
هذا السؤال يناقشه عمر الجريسي في بودكاست سقراط مع الدكتور عبدالرحمن العاصم، الرئيس التنفيذي لهيئة المكتبات، في حلقة بعنوان «لماذا فشلت المكتبات في السعودية؟».
وتكشف الحلقة أن التحدي لا يتعلق فقط بزيادة عدد الكتب أو افتتاح مبانٍ جديدة، وإنما بإعادة تعريف وظيفة المكتبة بالكامل. فالمكتبة الحديثة لم تعد مكانًا يذهب إليه الشخص لاستعارة كتاب ثم يغادر، بل يمكن أن تصبح مساحة للتعلم والاجتماع والنقاش والأنشطة الثقافية وتطوير المهارات.
ومن هنا ظهر مشروع بيوت الثقافة، الذي يمثل محاولة لتحويل المكتبات العامة إلى مراكز اجتماعية ومعرفية أكثر قدرة على جذب الأطفال والشباب والطلاب والأسر والباحثين.
لماذا فقدت المكتبات التقليدية جاذبيتها وكيف تغير مفهومها؟
أسباب تراجع المكتبات العامة في السعودية
لفترة طويلة كانت المكتبة واحدة من أهم الأماكن التي يلجأ إليها الطالب أو الباحث عندما يحتاج إلى معلومة.
قبل انتشار الإنترنت، كان الوصول إلى المعرفة أكثر ارتباطًا بالكتاب الورقي والموسوعات والدوريات، ولذلك كانت المكتبة تؤدي وظيفة واضحة ومباشرة.
لكن ظهور محركات البحث والهواتف الذكية والمنصات الرقمية غيّر هذه المعادلة بصورة كبيرة.
أصبح الشخص قادرًا على البحث عن معلومة خلال ثوانٍ دون مغادرة منزله، وظهرت الكتب الإلكترونية والدورات والمنصات التعليمية ومقاطع الفيديو التي تنافس الكتاب على وقت القارئ.
وهنا بدأت المكتبات التقليدية تواجه تحديًا حقيقيًا.
إذا بقيت المكتبة مجرد رفوف كتب وطاولات للقراءة، فلماذا يذهب إليها الشاب بينما يستطيع الوصول إلى آلاف المصادر من هاتفه؟
ويشير عبدالرحمن العاصم في نقاشاته حول تطوير القطاع إلى أن النموذج التقليدي للمكتبات فقد جزءًا من جاذبيته، وهو ما دفع إلى البحث عن مفهوم أكثر تفاعلية.
لكن التقنية ليست السبب الوحيد.
هناك كذلك مشكلة ضعف التفاعل المجتمعي.
المكتبة التي لا تنظم فعاليات أو أندية قراءة أو ورش عمل قد تصبح مكانًا منعزلًا عن المجتمع المحيط بها.
وقد يمتلك الحي مكتبة جيدة، لكن عددًا كبيرًا من السكان لا يعرف الخدمات التي تقدمها أو لا يجد سببًا يدفعه إلى زيارتها.
وتظهر كذلك قضية تنوع المحتوى.
فالأطفال يحتاجون إلى تجربة مختلفة عن طلاب الجامعات، والباحثون يحتاجون إلى مصادر مختلفة عن القارئ الذي يبحث عن رواية أو كتاب مبسط.
إذا قدمت المكتبة نوعًا واحدًا من المحتوى للجميع، تقل قدرتها على جذب شرائح متعددة.
كما أن ساعات العمل يمكن أن تكون عاملًا مؤثرًا.
الموظف أو الطالب قد لا يستطيع زيارة المكتبة خلال ساعات الدوام الرسمية، ولذلك فإن المكتبة التي تغلق مبكرًا تفقد جزءًا كبيرًا من جمهورها المحتمل.
وتتناول الحلقة هذا الجانب ضمن الحاجة إلى إعادة تصميم أوقات تشغيل المكتبات وفق نمط حياة الناس.
وتأتي البنية التحتية ضمن أسباب أخرى.
فالمكتبة الحديثة تحتاج إلى إنترنت جيد، ومساحات للعمل والدراسة، ومناطق للأطفال، وأماكن للفعاليات، وخدمات رقمية، وليس فقط قاعة تقليدية للكتب.
وهذا يفسر لماذا لا يكفي إعادة طلاء مبنى المكتبة أو إضافة مجموعة كتب جديدة إذا بقيت تجربة المستخدم نفسها دون تغيير.
بيوت الثقافة.. هل يمكن أن تعيد تعريف المكتبة؟
يمثل مشروع بيوت الثقافة في السعودية أحد أهم محاولات هيئة المكتبات لتغيير الصورة القديمة للمكتبة العامة.
الفكرة تقوم على أن المكتبة لا يجب أن تكون مكانًا صامتًا بالكامل أو مرتبطًا بالقراءة الفردية فقط، بل مساحة يجتمع فيها أفراد المجتمع حول المعرفة والثقافة.
ولهذا تضم بيوت الثقافة أنشطة متنوعة تشمل الأندية القرائية وورش العمل والندوات والبرامج التعليمية والمبادرات التطوعية والفعاليات الموجهة إلى فئات عمرية مختلفة.
وتؤكد الهيئة رسميًا أن هذا النموذج يستهدف تحويل المكتبات إلى بيئات معرفية محفزة تدعم التعلم مدى الحياة وتنمية القدرات والمواهب.
والميزة الأساسية في هذا النموذج هي أنه يمنح الشخص أكثر من سبب للزيارة.
قد يأتي طفل للمشاركة في نشاط قصصي، بينما يأتي طالب للعمل على مشروع، ويشارك شخص آخر في ورشة تدريبية أو نادٍ للكتاب.
وهكذا تصبح المكتبة جزءًا من الحياة الاجتماعية والثقافية للمدينة، وليس مجرد مستودع للكتب.
كما تساعد الفعاليات المنتظمة على بناء علاقة مستمرة بين المكتبة والجمهور.
فالشخص الذي يحضر ورشة ويستمتع بالتجربة قد يعود لاحقًا إلى نشاط آخر، وربما يكتشف أثناء ذلك كتبًا أو خدمات لم يكن يعرفها.
ومن هنا يظهر الفرق بين انتظار القارئ ومحاولة صناعة مجتمع قارئ.
كما أن بيوت الثقافة يمكن أن تمنح الشباب مساحة آمنة للعمل والتعلم والاجتماع، خاصة في الأحياء التي لا تتوفر فيها مساحات عامة ثقافية كافية.
لكن نجاح المشروع يحتاج إلى التوسع الجغرافي.
إذا كانت التجربة الجيدة موجودة فقط في عدد محدود من المدن، سيظل جزء كبير من السكان بعيدًا عنها.
ولهذا يمثل توسيع شبكة بيوت الثقافة أحد التحديات التي تحتاج إلى استثمارات وتشغيل وكفاءات قادرة على تقديم البرامج بجودة ثابتة.
كما أن نجاح الفكرة يتطلب ألا تصبح جميع البيوت متطابقة.
فاحتياجات مدينة كبيرة قد تختلف عن مدينة أصغر، كما أن طبيعة الجمهور في منطقة جامعية قد تختلف عن منطقة سكنية.
ولهذا تحتاج البرامج إلى المرونة حتى تستجيب للمجتمع المحيط بالمكتبة.
مستقبل القراءة والوصول إلى المعرفة في السعودية
المكتبات المتنقلة والكتب الرقمية.. كيف يصل الكتاب إلى الجمهور؟
واحدة من أهم الأفكار في تطوير قطاع المكتبات هي قلب المعادلة التقليدية.
بدل أن تقول المكتبة للناس «تعالوا إلينا»، يمكن أن تسأل: كيف نصل نحن إلى الناس؟
ومن هنا تأتي أهمية المكتبات المتنقلة.
فالحافلة أو الوحدة المتنقلة تستطيع زيارة المدارس والحدائق والأحياء والمناسبات، ونقل مجموعة من الكتب والأنشطة إلى أماكن لا تتوفر فيها مكتبة عامة قريبة.
وأظهرت بيانات وزارة الثقافة أن هيئة المكتبات نفذت خلال 2024 عددًا من جولات المكتبات المتنقلة التي جذبت عشرات الآلاف من الزوار.
وهذه التجربة توضح أن وجود الجمهور ليس المشكلة دائمًا، بل قد تكون المشكلة في سهولة الوصول إلى الخدمة.
فالأسرة قد لا تقطع مسافة طويلة لزيارة مكتبة، لكنها قد تتفاعل بقوة عندما تصل المكتبة المتنقلة إلى حديقة الحي أو المدرسة.
كما تلعب الكتب الرقمية دورًا متزايدًا في توسيع الوصول.
فالكتاب الإلكتروني يستطيع الوصول إلى مستخدم في أي مدينة دون الحاجة إلى وجود نسخة ورقية في مكتبة قريبة.
وهذا لا يعني أن الكتاب الرقمي سيقضي على الورقي.
الكثير من القراء ما زالوا يفضلون القراءة من الكتاب التقليدي، لكن وجود الخيارين يسمح للمكتبة بخدمة جمهور أكبر.
كما يمكن للمكتبات الرقمية أن توفر قواعد بيانات ومجلات ومراجع أكاديمية يصعب توفير نسخ ورقية كافية منها.
وهنا يصبح الهاتف أو الكمبيوتر نفسه بوابة إلى خدمات المكتبة.
ويُعد التحول الرقمي للمكتبات مهمًا كذلك في البحث داخل الفهارس وحجز الكتب ومعرفة الفعاليات وإنشاء حسابات للمستخدمين.
فكل خطوة تحتاج إلى زيارة أو إجراء ورقي قد تقلل رغبة الجيل الجديد في استخدام الخدمة.
وتستطيع التقنية أيضًا تقديم توصيات للقراء بناءً على اهتماماتهم، أو إرسال تنبيهات عن كتاب جديد أو فعالية قريبة.
لكن الرقمنة لا تعني إلغاء الدور الاجتماعي للمكتبة.
على العكس، قد تستخدم المكتبة التقنية لتسهيل الوصول إلى المعرفة، بينما تحافظ على مقرها باعتباره مكانًا للقاء والنقاش والتعلم.
وهذا المزيج بين الرقمي والمادي يمكن أن يكون النموذج الأكثر قدرة على الاستمرار.
الشراكات والمكتبات الخاصة.. كيف نبني مجتمعًا أكثر ارتباطًا بالكتاب؟
هيئة المكتبات ليست الجهة الوحيدة التي يمكن أن تطور ثقافة القراءة.
هناك دور النشر والمكتبات الخاصة والمدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية والقطاع غير الربحي، وكلها تستطيع المشاركة في بناء منظومة معرفية أوسع.
وتناقش الحلقة الفرق بين دور هيئة المكتبات ودور الجهات الثقافية الأخرى.
فهيئة المكتبات تركز على تنظيم وتطوير قطاع المكتبات والوصول إلى مصادر المعرفة، بينما ترتبط أنشطة الأدب والنشر بصورة أكبر بصناعة المحتوى الأدبي وسوق النشر والكتاب.
لكن الفصل الإداري بين الجهات لا يعني أن تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى.
فالكتاب الذي تنتجه دار نشر يحتاج إلى منصة يصل من خلالها إلى القارئ، والمكتبة تحتاج إلى محتوى متنوع وحديث، والكاتب يحتاج إلى فعاليات يستطيع من خلالها لقاء الجمهور.
ولهذا تعتبر الشراكات الثقافية عنصرًا مهمًا في نجاح المكتبات الجديدة.
يمكن للمكتبات الخاصة مثلًا أن تشارك في برامج قراءة أو معارض مصغرة أو فعاليات، كما تستطيع دور النشر تقديم إصدارات ومحتوى متخصص.
ويستطيع القطاع الخاص كذلك دعم المكتبات من خلال الرعاية أو الاستثمار في خدمات ومقاهٍ ومساحات ثقافية مرتبطة بها، بشرط ألا يتحول المشروع إلى نشاط تجاري يفقد المكتبة وظيفتها العامة.
أما المدارس والجامعات فتمثل شريكًا طبيعيًا.
إذا اعتاد الطفل على زيارة المكتبة منذ سن صغيرة، فمن المرجح أن تصبح جزءًا طبيعيًا من حياته بدل أن يراها مكانًا مرتبطًا فقط بالواجبات المدرسية.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال الزيارات والأنشطة والمسابقات وأندية القراءة.
كما أن المكتبة تستطيع أن تصبح مساحة لتعلم مهارات لا ترتبط مباشرة بالكتاب، مثل البحث الرقمي والتحقق من المعلومات والكتابة وصناعة المحتوى.
وهذه المهارات أصبحت ضرورية في عصر تتوفر فيه معلومات هائلة، لكن التحدي هو معرفة المعلومات الموثوقة من المضللة.
ومن هنا يظهر دور جديد للمكتبي نفسه.
لم يعد الموظف مسؤولًا فقط عن ترتيب الكتب وإعارتها، بل أصبح يحتاج إلى مهارات رقمية وثقافية وتواصلية تساعده على توجيه المستخدمين وتنظيم البرامج.
وقد أكدت هيئة المكتبات خلال 2025 أهمية بناء قدرات العاملين في القطاع ورفع كفاءتهم في تقديم خدمات معرفية تتناسب مع التحولات التقنية والثقافية.
كما بدأ الذكاء الاصطناعي يدخل النقاش حول مستقبل المكتبات، من تحليل الوثائق إلى حفظ المخطوطات وتسهيل البحث والوصول إلى المصادر.
لكن نجاح هذه الأدوات سيعتمد على استخدامها لتطوير الخدمة، لا على استبدال الدور الإنساني الذي يجعل المكتبة مساحة للثقافة والتفاعل.
وتكشف حلقة «لماذا فشلت المكتبات في السعودية؟» أن المشكلة لم تكن في أن المجتمع لا يحتاج إلى المعرفة، بل في أن نموذج تقديم المعرفة لم يتغير بالسرعة نفسها التي تغير بها المجتمع.
فالإنسان الذي يستخدم تطبيقات سهلة ومحتوى سريعًا طوال يومه لن ينجذب إلى مؤسسة تعتمد على إجراءات وتجربة تعود إلى عقود سابقة.
ولهذا يمثل مشروع بيوت الثقافة محاولة للانتقال من السؤال: كم كتابًا تملك المكتبة؟ إلى أسئلة مختلفة: كم شخصًا يستخدمها؟ وما الأنشطة التي تجذبه؟ وهل يجد فيها مساحة للتعلم والعمل والتواصل؟
ومع توسع المكتبات المتنقلة والخدمات الرقمية وبيوت الثقافة، يصبح مستقبل المكتبات مرتبطًا بقدرتها على الجمع بين الكتاب والتقنية والمجتمع.
فالمكتبة الناجحة في المستقبل لن تكون المكان الذي يحتوي على أكبر عدد من الكتب فقط، بل المكان الذي يستطيع تحويل هذه المعرفة إلى تجربة تجعل الناس يرغبون في العودة إليه باستمرار.