البرنامج الذي يهدف لتغيير مهارات السعودي | بودكاست سقراط مع أنس المديفر

581 مشاهدة
2025 Apr

أصبحت تنمية القدرات البشرية في السعودية واحدة من أهم الملفات المرتبطة بمستقبل الاقتصاد وسوق العمل، لأن بناء المصانع والمشروعات والمدن الجديدة لا يكفي وحده لتحقيق التنمية إذا لم تتوفر الكفاءات القادرة على تشغيلها وتطويرها والمنافسة من خلالها عالميًا.

وفي هذه الحلقة من بودكاست سقراط، يستضيف عمر الجريسي المهندس أنس المديفر، الرئيس التنفيذي لبرنامج تنمية القدرات البشرية، للحديث عن البرنامج الذي يمثل أحد برامج تحقيق رؤية السعودية 2030، وعن السؤال الأكبر الذي يحاول الإجابة عنه: ما المهارات التي يحتاج إليها المواطن السعودي حتى ينجح في اقتصاد مختلف تمامًا عن اقتصاد العقود الماضية؟

فالوظائف تتغير بسرعة بسبب الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والأتمتة والاقتصاد الأخضر، وأصبح الاعتماد على الشهادة الجامعية وحدها أقل كفاية مما كان عليه في السابق.

ولهذا لا ينظر البرنامج إلى تنمية الإنسان باعتبارها مرحلة تبدأ في الجامعة وتنتهي عند الحصول على وظيفة، وإنما باعتبارها رحلة تبدأ منذ الطفولة المبكرة، وتستمر في المدرسة والجامعة وسوق العمل، ثم تمتد طوال حياة الفرد من خلال التدريب وإعادة التأهيل واكتساب مهارات جديدة.

وتؤكد الوثائق الرسمية أن الهدف الأساسي للبرنامج هو تمكين المواطن من المنافسة عالميًا عبر تعزيز القيم، وتطوير المهارات الأساسية ومهارات المستقبل، وتنمية المعارف، إضافة إلى مواءمة التعليم مع احتياجات سوق العمل.

كيف يغيّر برنامج تنمية القدرات البشرية التعليم ومهارات السعوديين؟

من الطفولة المبكرة إلى مهارات المستقبل.. لماذا تبدأ التنمية قبل الوظيفة؟

من أهم الأفكار التي يطرحها أنس المديفر أن تنمية القدرات البشرية لا تبدأ عندما يبحث الشاب عن وظيفة.

فالقدرات التي يحتاج إليها الإنسان في سوق العمل يتم بناء جزء كبير منها قبل ذلك بسنوات طويلة.

ولهذا يغطي برنامج تنمية القدرات البشرية رحلة الفرد منذ الطفولة المبكرة وحتى التعلم مدى الحياة.

وتعتبر السنوات الأولى من عمر الطفل مرحلة شديدة الأهمية في بناء اللغة والتفكير والقدرة على التعلم والتواصل.

ولهذا يركز البرنامج على تعزيز جودة التعليم في رياض الأطفال والمراحل الأساسية، وليس فقط على زيادة عدد الجامعات أو البرامج التدريبية.

وتشير خطة البرنامج إلى تحديات تاريخية مثل انخفاض الالتحاق برياض الأطفال، والحاجة إلى تطوير طرق التدريس، وتوسيع المسارات التعليمية، وتحسين غرس القيم وتنمية مهارات الطلاب.

ويظهر هنا تحول مهم في فلسفة التعليم.

فالنظام التعليمي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على حفظ المعلومات قد ينجح في تخريج طالب يستطيع اجتياز الاختبارات، لكنه قد لا يمنحه بالضرورة القدرة على حل المشكلات أو العمل مع فريق أو التعامل مع تقنية جديدة.

ولهذا يركز البرنامج على المهارات الأساسية ومهارات المستقبل.

وتشمل هذه المهارات القدرة على التفكير والتحليل والتواصل والعمل الجماعي والتعلم المستمر والتعامل مع الأدوات الرقمية، إلى جانب الإبداع والابتكار.

كما يحتفظ البرنامج بمكانة واضحة للقيم والهوية الوطنية.

فالمنافسة العالمية لا تعني أن يفقد الفرد هويته المحلية، بل أن يمتلك المهارات التي تسمح له بالعمل عالميًا مع المحافظة على لغته وثقافته وقيمه.

ولهذا تشمل ممكنات البرنامج تعزيز القيم والعناية باللغة العربية والاعتزاز بها.

وفي الوقت نفسه، يدخل الذكاء الاصطناعي في التعليم بصورة متزايدة.

وقد كشف التقرير السنوي للبرنامج لعام 2025 عن إدخال الذكاء الاصطناعي مادة إلزامية في التعليم العام، إلى جانب تدريب أكثر من 13 ألف معلم على تطبيقاته، كما استفاد أكثر من 470 ألف تربوي من منصة وطنية للتطوير المهني.

وهذه التطورات توضح أن الاستعداد للمستقبل لم يعد قائمًا فقط على تعليم الطلاب استخدام الحاسوب.

المطلوب هو فهم التقنيات الجديدة واستخدامها بصورة عملية، لأن الذكاء الاصطناعي سيغير طبيعة كثير من الوظائف خلال السنوات المقبلة.

وقد لا تختفي وظيفة بالكامل، لكنها قد تتغير بحيث يصبح الشخص الذي يعرف استخدام الأدوات الذكية أكثر إنتاجية من شخص يؤدي المهمة بالطريقة التقليدية.

ومن هنا يصبح التعلم المستمر ضرورة وليس خيارًا إضافيًا.

كيف يعالج البرنامج الفجوة بين التعليم وسوق العمل؟

واحدة من أكثر المشكلات التي تواجه أنظمة التعليم عالميًا هي الفجوة بين ما يتعلمه الطالب وما يحتاج إليه صاحب العمل.

قد يتخرج الشاب من الجامعة بشهادة جيدة، ثم يكتشف أن الوظيفة التي يريدها تحتاج إلى مجموعة من المهارات العملية أو الرقمية التي لم يدرسها بصورة كافية.

وهذه المشكلة تجعل مواءمة التعليم مع سوق العمل واحدة من الركائز الأساسية لبرنامج تنمية القدرات البشرية.

فالهدف ليس فقط زيادة عدد الخريجين، وإنما توجيه التعليم والتدريب نحو المهارات التي يحتاج إليها الاقتصاد الحالي والمستقبلي.

وتشمل رؤية المملكة قطاعات جديدة ومتوسعة مثل السياحة والتعدين والصناعة والتقنية والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة والألعاب والذكاء الاصطناعي.

وكل قطاع من هذه القطاعات يحتاج إلى تخصصات ومهارات مختلفة.

ولهذا يجب أن تمتلك منظومة التعليم معلومات مستمرة عن اتجاهات سوق العمل.

ما الوظائف التي يزداد الطلب عليها؟ وما الوظائف التي يمكن أن تتراجع بسبب الأتمتة؟ وما المهارات التي تحتاج إليها الشركات خلال خمس أو عشر سنوات؟

ومن هنا تأتي أهمية الإرشاد المهني.

ففي يناير 2026 أُطلقت مبادرة الإرشاد المهني الشامل، التي تستهدف أكثر من مليون مستفيد وتجمع خدمات التوجيه المهني في منظومة واحدة، باستخدام أدوات تشمل الذكاء الاصطناعي وقياس الميول والمهارات، لمساعدة الطلاب والباحثين عن العمل والموظفين في تحديد مساراتهم المهنية بصورة أفضل.

وهذه المبادرة تخدم الطلاب من المرحلة المتوسطة والثانوية وصولًا إلى الجامعات، إضافة إلى حديثي التخرج والموظفين.

والفكرة هنا مهمة: اختيار التخصص يجب ألا يعتمد فقط على الشهرة الاجتماعية للمهنة أو رغبة الأسرة، وإنما على مزيج من ميول الشخص وقدراته وفرص السوق.

كما يسعى البرنامج إلى تشجيع ريادة الأعمال والعمل الحر.

فمستقبل سوق العمل لا يعني أن يحصل كل شخص على وظيفة تقليدية داخل مؤسسة كبيرة.

قد يعمل البعض لحسابهم الخاص أو يؤسسون شركات تقنية أو مشروعات صغيرة.

ولهذا يدخل الابتكار وريادة الأعمال ضمن العناصر التي يعمل البرنامج على تعزيزها.

ويؤكد أنس المديفر أن الهدف ليس تدريب السعوديين على الوظائف التقليدية فقط، بل مساعدتهم على اكتساب مهارات عالية تسمح لهم بالمنافسة في سوق عالمي شديد التغير.

وهذا يعني أن الطالب السعودي في المستقبل لا ينافس فقط طالبًا آخر داخل المملكة.

مع العمل عن بعد والشركات العالمية والمنصات الرقمية، قد ينافس شخصًا يعيش في دولة أخرى تمامًا.

ومن هنا يصبح معيار النجاح أعلى: هل المهارات التي يمتلكها الخريج قادرة على المنافسة عالميًا؟

التعلم مدى الحياة وبناء المواطن القادر على المنافسة عالميًا

هل تنمية القدرات مخصصة للأطفال والشباب فقط؟

من الأخطاء الشائعة عند الحديث عن تطوير المهارات الاعتقاد بأن الموضوع مرتبط بالطلاب فقط.

لكن برنامج تنمية القدرات البشرية يتبنى مفهومًا أوسع هو التعلم مدى الحياة.

فالاقتصاد يتغير بسرعة تجعل المهارة التي كانت مهمة قبل عشر سنوات أقل قيمة في بعض الأحيان اليوم.

وقد يعمل شخص لمدة 20 عامًا في مجال معين، ثم يجد أن التقنية غيرت جزءًا كبيرًا من وظيفته.

هنا يصبح أمامه خياران: إما التمسك بالطريقة القديمة والمخاطرة بتراجع قدرته التنافسية، أو تعلم مهارات جديدة تسمح له بالتكيف.

ولهذا تشمل خطة البرنامج الموظفين والأشخاص الموجودين خارج منظومة التعليم أو التدريب أو العمل، بهدف تطوير مهاراتهم وإعادة تأهيلهم ورفع قدرتهم على الحصول على فرص وظيفية.

ويعرف هذا عالميًا بمفهومي رفع المهارات Upskilling وإعادة التأهيل Reskilling.

رفع المهارات يعني أن يبقى الشخص في مجاله لكنه يتعلم أدوات جديدة.

على سبيل المثال، يستطيع المحاسب تعلم استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات حتى يصبح أكثر كفاءة في عمله.

أما إعادة التأهيل فتعني تعلم مهارات تسمح بالانتقال إلى مجال مهني مختلف.

وهذا النوع من التدريب سيصبح أكثر أهمية مع تغير سوق العمل.

كما تشمل التنمية مهارات حياتية ومالية وإدارية.

فالمواطن القادر على التخطيط المالي وإدارة وقته والتواصل والعمل ضمن فريق يمتلك فرصًا أفضل للنجاح في حياته المهنية.

ولهذا لا يمكن اختزال مفهوم القدرات البشرية في المهارات التقنية فقط.

وتشير استراتيجية البرنامج إلى أن المجتمع بكافة شرائحه يمثل جزءًا من رحلة التنمية، بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي أو المؤهلات.

وهذا يعني أن التعليم المستمر يجب ألا يكون حكرًا على أصحاب الشهادات الجامعية.

العامل والفني والموظف والمدير وحتى الشخص الذي خرج من سوق العمل لفترة يمكن أن يحتاج إلى فرصة جديدة للتعلم.

وفي عالم تتغير فيه التقنية بسرعة، قد يصبح هذا النوع من التدريب واحدًا من أهم أدوات حماية الأفراد من البطالة الناتجة عن تغير الوظائف.

كما تلعب المنصات الرقمية دورًا مهمًا في جعل التعلم أكثر سهولة.

فالشخص لم يعد يحتاج دائمًا إلى العودة إلى الجامعة سنوات كاملة لتعلم مهارة جديدة.

يمكنه دراسة دورات قصيرة أو شهادات مهنية عبر الإنترنت والاستمرار في عمله في الوقت نفسه.

وهذا يغير مفهوم التعليم من مرحلة عمرية محددة إلى نشاط يمكن أن يستمر طوال الحياة.

القيم واللغة والهوية.. هل تتعارض العالمية مع الثقافة السعودية؟

من المحاور المهمة في الحلقة النقاش حول اللغة العربية واستخدام اللغات العالمية في بعض المؤتمرات والفعاليات.

وقد يبدو للبعض أن التركيز على المنافسة العالمية يمكن أن يؤدي إلى تراجع دور اللغة أو الهوية المحلية.

لكن البرنامج يحاول الجمع بين الجانبين.

فاللغة الإنجليزية مثلًا مهمة للتواصل العلمي والمهني الدولي، خاصة في مجالات التقنية والبحث والاقتصاد.

لكن ذلك لا يعني إهمال اللغة العربية والهوية السعودية.

وتتضمن أهداف البرنامج بصورة رسمية ترسيخ القيم والعناية باللغة العربية والاعتزاز بها، إلى جانب تطوير المهارات التي تسمح للمواطن بالتفاعل عالميًا.

وهذا التوازن مهم لأن الاقتصاد العالمي يحتاج إلى أشخاص قادرين على التواصل مع ثقافات وأسواق مختلفة، بينما تحتاج المجتمعات في الوقت نفسه إلى المحافظة على تماسكها وهويتها.

ولهذا تعمل مبادرات البرنامج على تقديم الثقافة السعودية إلى الجمهور العالمي أيضًا.

فبحسب تقرير 2025، أصبحت منصة سعوديبيديا تعرض المحتوى المرتبط بالهوية والثقافة السعودية بست لغات، عبر أكثر من 40 ألف مقال وأكثر من 18 ألف مادة بصرية.

كما أصبحت مؤتمرات تنمية القدرات البشرية نفسها مساحة دولية للنقاش حول مستقبل المهارات.

فقد استقطبت النسخة الثانية من مؤتمر مبادرة القدرات البشرية نحو 13 ألف مشارك من 120 دولة، وشهدت الإعلان عن أكثر من 100 مبادرة ومشروع بقيمة تقارب 8.5 مليار ريال.

وهذا يوضح أن المملكة لا تتعامل مع تطوير رأس المال البشري بوصفه ملفًا داخليًا فقط.

فالتحولات في سوق العمل عالمية، والتحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي والأتمتة تواجه الدول جميعًا.

ومن هنا تصبح الشراكات مع الجامعات والشركات والمؤسسات الدولية وسيلة لنقل الخبرة والمعرفة إلى المملكة، وفي الوقت نفسه عرض التجربة السعودية عالميًا.

ويكشف حديث أنس المديفر أن الاستثمار في الإنسان ضمن رؤية 2030 ليس مشروعًا قصير الأجل يمكن قياسه بعدد الدورات التدريبية فقط.

فالنتيجة الحقيقية تظهر عندما يدخل طفل اليوم إلى المدرسة، ثم يتخرج بعد سنوات بمهارات أفضل، ويجد تخصصًا يتناسب مع سوق العمل، ويستمر لاحقًا في تحديث معرفته كلما تغيرت وظيفته.

ولهذا فإن نجاح برنامج تنمية القدرات البشرية لا يعتمد فقط على وزارة التعليم أو جهة حكومية واحدة.

فالأسرة والمدرسة والجامعة والقطاع الخاص والمؤسسات التدريبية والقطاع غير الربحي كلها تشارك في صناعة القدرات البشرية.

كما أن الشركات نفسها يجب أن تصبح جزءًا من عملية التدريب، لأنها الأكثر معرفة بالمهارات التي تحتاج إليها الوظائف الفعلية.

وتوضح حلقة «البرنامج الذي يهدف لتغيير مهارات السعودي» أن التحدي لم يعد فقط في توفير وظيفة لكل خريج، بل في بناء مواطن قادر على التعامل مع وظائف ربما لم تكن موجودة عندما بدأ دراسته.

ومع تسارع الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، تصبح القدرة على التعلم وإعادة التعلم واحدة من أهم المهارات المستقبلية.

فالاقتصاد القادر على المنافسة يحتاج إلى مدارس وجامعات جيدة، لكنه يحتاج أيضًا إلى مجتمع يؤمن بأن التعليم لا ينتهي عند التخرج.

وهذا هو جوهر التحول الذي يسعى إليه البرنامج: الانتقال من مفهوم «التعليم للحصول على شهادة» إلى مفهوم أوسع هو «التعلم المستمر لبناء القدرة على المنافسة»، بحيث يصبح المواطن السعودي مستعدًا للتغيرات التي يشهدها سوق العمل المحلي والعالمي، وقادرًا على المشاركة في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وابتكارًا واستدامة.

قد يعجيك أيضاً

عرض الكل

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

422027 مشاهدة
2022 Dec
لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

Podcast

7165 مشاهدة
2023 Mar
مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

Podcast

5220 مشاهدة
2023 Mar
كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

Podcast

13956 مشاهدة
2023 Sep
المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

الأكثر مشاهدة - Most Watched

10995 مشاهدة
2025 Jan
كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

22798 مشاهدة
2025 Jan