لماذا تغير نظام الضمان الاجتماعي؟ | بودكاست سقراط مع حمد الحماد
يمثل نظام الضمان الاجتماعي في السعودية إحدى أهم منظومات الحماية الاجتماعية المرتبطة مباشرة بالأسر والأفراد الأكثر احتياجًا، لكنه لم يبقَ على الصورة نفسها التي عرفها المجتمع خلال العقود الماضية. فقد شهد النظام تحولًا جوهريًا في طريقة تحديد المستحقين، وآليات دراسة الدخل، وربط الدعم ببرامج التدريب والعمل والتمكين الاقتصادي.
وفي هذه الحلقة من بودكاست سقراط، يستضيف عمر الجريسي حمد الحماد، الوكيل المساعد للسياسات والتشريعات في وكالة الضمان الاجتماعي والتمكين بوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، للحديث عن أسباب هذا التحول، وكيف انتقلت المنظومة من التركيز على تصنيفات اجتماعية محددة إلى نموذج يحاول قياس الحاجة الفعلية للأسرة.
ففي النموذج القديم كان التركيز بدرجة كبيرة على حالات مثل الأرامل والأيتام والعجز وكبار السن، بينما أصبح النظام المطور ينظر بصورة أوسع إلى الوضع الاقتصادي للأسرة ودخل أفرادها وقدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية.
وهذا التغيير يعكس تحولًا أكبر في فلسفة الحماية الاجتماعية: الهدف لم يعد فقط تقديم مبلغ مالي شهري، بل مساعدة القادرين على العمل على الانتقال تدريجيًا إلى الاستقلال الاقتصادي، مع استمرار الحماية للفئات التي تحتاج إلى الدعم بصورة دائمة.
كيف تغير نظام الضمان الاجتماعي في السعودية ولماذا؟
من تصنيف الحالات الاجتماعية إلى قياس الاحتياج الحقيقي
بدأت برامج الضمان الاجتماعي في السعودية منذ عقود طويلة بهدف توفير شبكة أمان اجتماعي للفئات التي تواجه ظروفًا تجعل قدرتها على الحصول على دخل محدودة.
وكان النظام التقليدي يعتمد بدرجة كبيرة على تصنيف الحالة الاجتماعية.
فوجود الشخص ضمن فئة معينة، مثل الأرملة أو اليتيم أو العاجز عن العمل، كان أحد أهم المداخل لتحديد أهليته للحصول على الدعم.
لكن هذا النموذج يواجه تحديًا واضحًا: الانتماء إلى فئة اجتماعية معينة لا يعني بالضرورة أن جميع أفراد هذه الفئة يعيشون المستوى الاقتصادي نفسه.
قد توجد أسرة تحمل وصفًا اجتماعيًا معينًا لكنها تمتلك دخلًا أو أصولًا كافية، وفي المقابل قد توجد أسرة لا تنتمي إلى أحد التصنيفات القديمة لكنها تواجه احتياجًا ماليًا حقيقيًا.
ولهذا جاء نظام الضمان الاجتماعي المطور ليجعل معيار الحاجة الاقتصادية أكثر مركزية.
وتوضح وزارة الموارد البشرية رسميًا أن النظام المطور يستهدف الفئات الأشد حاجة بغض النظر عن التصنيف السابق للحالة الاجتماعية، متى تحققت شروط ومعايير الاستحقاق.
وهذا يمثل فرقًا جوهريًا في فلسفة الدعم.
فبدل أن يسأل النظام فقط: ما الحالة الاجتماعية للفرد؟ أصبح يسأل كذلك: ما دخل الأسرة؟ وما عدد أفرادها؟ وما الموارد المتاحة لها؟ وهل يستطيع أفرادها القادرون على العمل تحسين وضعهم الاقتصادي؟
ويتم تقديم الطلب إلكترونيًا من خلال منصة الضمان الاجتماعي، ويتضمن معلومات عن العائل وأفراد الأسرة والدخل والحساب البنكي وغيرها من البيانات اللازمة لدراسة الأهلية.
كما يعتمد حساب المعاش على مفهوم الدخل المحتسب وليس فقط على راتب واحد معلن.
وتوضح الأدلة الرسمية أن حساب الدخل يميز بين الدخل المكتسب الناتج عن العمل أو النشاط التجاري، والدخل غير المكتسب الناتج عن مصادر أخرى، مع تطبيق قواعد محددة لاحتساب المبلغ المؤثر في الاستحقاق.
وهذا يسمح ببناء صورة أكثر شمولًا عن الوضع المالي للأسرة.
كما أن النظام ينظر إلى الأسرة باعتبارها وحدة مترابطة في كثير من حالات الاستحقاق، لأن دخل أحد أفرادها قد يؤثر في الوضع الاقتصادي لبقية أفراد الأسرة.
لكن هذا النموذج يحتاج إلى بيانات دقيقة.
فإذا لم يصرح المستفيد عن مصادر دخله بصورة صحيحة، أو كانت البيانات الحكومية غير مترابطة، قد يصل الدعم إلى شخص غير مستحق بينما تتأخر أسرة تحتاج إليه فعلًا.
ومن هنا أصبحت البيانات والربط الإلكتروني جزءًا أساسيًا من تطوير الضمان الاجتماعي.
كيف تمنع الوزارة التلاعب وتحسن عدالة الاستحقاق؟
مع أي برنامج دعم مالي واسع تظهر محاولات للاستفادة منه بطرق لا تتفق مع الأنظمة.
قد يحدث ذلك من خلال إخفاء دخل معين، أو تقديم بيانات غير دقيقة، أو محاولة تسجيل أفراد بصورة لا تعكس الواقع الحقيقي للأسرة.
وهذا النوع من التلاعب لا يمثل فقط مخالفة للنظام، بل يؤدي إلى مشكلة اجتماعية أكبر: كل مبلغ يحصل عليه غير المستحق يمكن أن يقلل الموارد المتاحة للأشخاص الذين يحتاجون إلى الدعم فعلًا.
ولهذا ركز النظام الجديد بصورة أكبر على التحقق الرقمي من البيانات.
فالجهة الحكومية لا تعتمد فقط على ما يكتبه المستخدم في الطلب، وإنما تستطيع مقارنة المعلومات مع بيانات متاحة لدى جهات أخرى بحسب ما تسمح به الأنظمة.
وهذا يقلل الحاجة إلى الأوراق والإثباتات اليدوية في بعض الحالات، ويجعل اكتشاف التناقضات أسهل.
كما أن رحلة المستفيد أصبحت إلكترونية بصورة أكبر، من التسجيل إلى دراسة الأهلية ثم الصرف والاعتراض وتحديث البيانات.
وفي فبراير 2026 أكدت وزارة الموارد البشرية أن النظام يعتمد مسارًا إلكترونيًا متكاملًا يبدأ بالتسجيل ودراسة الأهلية، مع توفير قنوات للاعتراض والشكاوى وتحديث المعلومات بهدف تعزيز الشفافية والدقة.
وتعد الاعتراضات جزءًا مهمًا من العدالة في أي نظام آلي.
فحتى مع توفر البيانات قد يحدث خطأ أو تكون هناك معلومة قديمة أو حالة استثنائية، ولذلك يجب أن يستطيع المستفيد الاعتراض وتقديم ما يثبت وضعه.
والهدف ليس فقط منع الاحتيال، بل تقليل الأخطاء في الاتجاهين: منع غير المستحق من الحصول على الدعم، وفي الوقت نفسه منع استبعاد شخص يحتاج إليه فعلًا.
وتظهر هنا أهمية التوازن بين الرقابة وحقوق المستفيدين.
فزيادة التدقيق قد تحمي الأموال العامة، لكنها يجب ألا تتحول إلى إجراءات معقدة تجعل الشخص المحتاج عاجزًا عن الوصول إلى الدعم.
ولهذا كان أحد أهداف التحول هو تبسيط الإجراءات واستخدام التقنية بدل الاعتماد على مراجعات ورقية طويلة.
كما أن وجود بيانات أكثر دقة يساعد الوزارة على فهم طبيعة المستفيدين.
كم عدد الأسر التي تحتاج إلى دعم دائم؟ وكم أسرة يمكن أن تتحسن أوضاعها إذا حصل أحد أفرادها على وظيفة؟ وما المهارات التي تنقص المستفيدين القادرين على العمل؟
هذه المعلومات تقود إلى الجزء الثاني والأهم من التحول: الانتقال من الدعم المالي وحده إلى التمكين.
من الضمان المالي إلى التمكين الاقتصادي للأسر
لماذا لا تريد الدولة أن يبقى القادر على العمل على الضمان دائمًا؟
الحماية الاجتماعية ضرورية لأي مجتمع، لكن استمرار الشخص القادر على العمل في الاعتماد الكامل على الإعانة لسنوات طويلة قد لا يكون أفضل نتيجة له أو للاقتصاد.
ومن هنا تأتي فلسفة التمكين في الضمان الاجتماعي المطور.
الهدف ليس قطع الدعم بمجرد أن يصبح المستفيد قادرًا على العمل، وإنما مساعدته على تطوير المهارات والوصول إلى فرصة تجعله أقل اعتمادًا على المعاش بمرور الوقت.
وتؤكد وزارة الموارد البشرية أن دور النظام يتجاوز الدعم المالي ليشمل توفير فرص العمل والتدريب وتأهيل المستفيدين القادرين على العمل ودعم المشاريع الريادية بالتعاون مع الجهات المعنية.
وهذا يمثل تغيرًا كبيرًا في العلاقة بين المستفيد والنظام.
في النموذج التقليدي قد يحصل الفرد على الدعم شهريًا دون وجود مسار واضح لتغيير وضعه الاقتصادي.
أما في نموذج التمكين، فيصبح السؤال: ما الذي يحتاج إليه هذا الشخص حتى يستطيع تحقيق دخل مستقل؟
الإجابة تختلف من شخص إلى آخر.
قد يحتاج شاب إلى دورة مهنية قصيرة، بينما تحتاج امرأة إلى فرصة عمل عن بُعد، وقد يمتلك شخص مهارة يمكن تحويلها إلى مشروع صغير لكنه يحتاج إلى تدريب أو تمويل.
ولهذا لا يمكن أن يكون برنامج التمكين واحدًا للجميع.
كما أن الوصول إلى الوظيفة لا يعتمد فقط على وجود الشاغر.
هناك مهارات المقابلة، وإعداد السيرة الذاتية، والانضباط في العمل، والمهارات التقنية، وأحيانًا الحاجة إلى إعادة تدريب كاملة إذا كانت خبرة الشخص لا تتناسب مع الوظائف المتاحة.
ومن هنا يرتبط الضمان الاجتماعي بصورة أكبر بمنظومة سوق العمل والتدريب.
والفكرة الاقتصادية واضحة: الدعم النقدي يحل جزءًا من المشكلة في الشهر الحالي، بينما امتلاك وظيفة أو مشروع ناجح يمكن أن يغير وضع الأسرة لسنوات.
لكن هذا لا يعني أن جميع المستفيدين يجب أن يعملوا.
هناك أشخاص غير قادرين على العمل بسبب العمر أو الإعاقة أو ظروف صحية أو اجتماعية مختلفة، وهؤلاء تظل الحماية الاجتماعية بالنسبة إليهم وظيفة أساسية للدولة.
ولهذا يميز نظام الضمان بين الفئات وفق القدرة على العمل والحاجة، بدل التعامل مع جميع المستفيدين بالطريقة نفسها.
التوظيف والمشاريع الصغيرة.. كيف يتحول المستفيد إلى مستقل ماليًا؟
أحد المسارات التي يدعمها نموذج التمكين هو ربط المستفيدين القادرين على العمل بفرص التوظيف المناسبة.
لكن الوظيفة التقليدية ليست المسار الوحيد.
فالتغيرات في الاقتصاد السعودي وظهور أنماط جديدة من العمل تفتح فرصًا في العمل الحر والعمل عن بُعد والمشروعات الصغيرة وريادة الأعمال.
وقد تكون هذه الخيارات مناسبة بصورة خاصة لبعض المستفيدين الذين لا يستطيعون الالتزام بوظيفة مكتبية تقليدية بسبب مكان الإقامة أو المسؤوليات الأسرية.
على سبيل المثال، قد تمتلك أسرة مهارة في إنتاج الطعام أو الملابس أو الحرف اليدوية، ويمكن تطوير هذه المهارة إلى نشاط تجاري صغير إذا حصلت على التدريب المناسب في التسويق والإدارة والتسعير.
كما يستطيع بعض المستفيدين تطوير مهارات رقمية تسمح لهم بالعمل عبر الإنترنت.
لكن نجاح المشاريع الصغيرة يحتاج إلى أكثر من تقديم تمويل.
فكثير من المشروعات تتعثر بسبب عدم فهم السوق أو ضعف الإدارة المالية أو التسعير الخاطئ.
ولهذا يصبح التدريب قبل التمويل وبعده عنصرًا مهمًا في عملية التمكين.
كما أن مفهوم الاستقلال المالي لا يعني أن يتحول المستفيد بين يوم وليلة من الاعتماد على المعاش إلى دخل مرتفع.
التحول قد يكون تدريجيًا.
قد يبدأ الفرد بوظيفة جزئية أو مشروع صغير ثم يرتفع دخله مع الوقت، وعندما تتحسن قدرته الاقتصادية يتغير مستوى استحقاقه وفق قواعد النظام.
وهنا تأتي أهمية تصميم الدعم بطريقة لا تعاقب الشخص على العمل.
فإذا كان المستفيد يخشى أن يفقد كل الدعم بمجرد حصوله على دخل محدود، فقد تقل الحوافز للبحث عن وظيفة.
ولهذا تراعي قواعد الضمان المطور جزءًا من الدخل المكتسب عند حساب الدخل المحتسب بدل معاملته كله بالطريقة نفسها، بما يدعم فكرة الانتقال التدريجي نحو الاستقلال.
كما ترتبط عملية التمكين بتحسين جودة حياة الأسرة على المدى الطويل.
الشخص الذي يحصل على وظيفة لا يحصل فقط على راتب، بل يكتسب خبرة وشبكة علاقات وفرصًا للترقية وقدرة أكبر على التخطيط للمستقبل.
وإذا نجح الوالدان في تحسين وضع الأسرة الاقتصادي، ينعكس ذلك عادة على تعليم الأطفال والسكن والصحة والفرص المتاحة للجيل التالي.
ولهذا لا يجب النظر إلى الضمان الاجتماعي المطور باعتباره برنامج صرف أموال فقط، بل جزءًا من منظومة أوسع لمعالجة الفقر والاحتياج وتقليل الاعتماد طويل المدى على الإعانات.
وتوضح حلقة «لماذا تغير نظام الضمان الاجتماعي؟» أن التحول الأساسي حدث في سؤال النظام نفسه.
في الماضي كان السؤال الأقرب هو: إلى أي فئة اجتماعية ينتمي الشخص؟
أما اليوم فأصبح السؤال: ما احتياجه الحقيقي؟ وما دخل أسرته؟ وهل يحتاج إلى حماية مستمرة أم يمكن مساعدته على بناء مصدر دخل مستقل؟
وهذا التحول يجعل التقنية والبيانات عنصرين أساسيين في تحقيق العدالة، لأن القدرة على تحديد المستحق بدقة تساعد على توجيه الموارد إلى من يحتاجون إليها فعلًا.
وفي الوقت نفسه، فإن نجاح النظام لا يقاس فقط بعدد المستفيدين الذين يحصلون على المعاش، بل بعدد الأسر التي تتحسن حياتها وتستطيع الانتقال من الاحتياج إلى الإنتاج والاستقلال.
وبذلك يصبح التمكين الاقتصادي للأسر السعودية امتدادًا طبيعيًا للحماية الاجتماعية: ضمان دخل يحمي الإنسان في وقت الحاجة، مع فتح مسارات حقيقية أمام القادرين على العمل حتى لا يتحول الدعم المؤقت إلى اعتماد دائم.