حقيقة منافسة الشركة السعودية للقهوة للقطاع الخاص | بودكاست سقراط مع فهد النحيط
تمثل القهوة السعودية أكثر من مجرد مشروب يومي، فهي جزء متجذر في ثقافة المملكة وطقوس الضيافة والهوية الاجتماعية، لكن السنوات الأخيرة شهدت محاولة لنقل هذا المنتج من إطاره التقليدي إلى صناعة اقتصادية متكاملة تستطيع المنافسة في سوق القهوة العالمي.
وفي هذه الحلقة من بودكاست سقراط، يستضيف عمر الجريسي فهد بن سليمان النحيط، رئيس مجلس إدارة الشركة السعودية للقهوة، للحديث عن أسباب دخول صندوق الاستثمارات العامة إلى هذا القطاع، وطبيعة عمل الشركة، وما إذا كانت تمثل منافسًا للمقاهي والمحامص والمزارعين الموجودين بالفعل في السوق.
ويفتح الحوار سؤالًا أكبر: كيف يمكن للسعودية أن تتحول من دولة تتمتع بثقافة قوية لاستهلاك القهوة إلى دولة قادرة كذلك على زراعة البن ومعالجته وتحميصه وتسويقه وتصديره؟
فبناء صناعة للقهوة لا يبدأ عند المقهى، وإنما من المزرعة ونوعية الشتلات وأساليب الري والحصاد والتجفيف والمعالجة، ثم ينتقل إلى التحميص والتغليف والتسويق وتجربة المستهلك.
ومن هنا جاءت فكرة الشركة السعودية للقهوة لتطوير سلسلة القيمة كاملة، بالتعاون مع المزارعين والقطاع الخاص، وليس فقط لإطلاق علامة تجارية جديدة للقهوة.
كيف تبني السعودية صناعة قهوة متكاملة من المزرعة إلى المستهلك؟
لماذا تأسست الشركة السعودية للقهوة وما الذي تريد تغييره؟
أعلن صندوق الاستثمارات العامة إطلاق الشركة السعودية للقهوة في مايو 2022 ضمن استراتيجيته لتطوير مجموعة من القطاعات الواعدة، ومن بينها قطاع الأغذية والزراعة.
ويأتي تأسيس الشركة في وقت شهد فيه سوق القهوة السعودي نموًا كبيرًا، سواء في المقاهي المختصة أو المحامص أو اهتمام المستهلكين بأنواع البن وطرق التحضير.
لكن المفارقة أن المملكة تمتلك تاريخًا طويلًا مع القهوة، في حين أن حجم الإنتاج المحلي ظل محدودًا مقارنة بحجم الاستهلاك.
ولهذا تسعى الشركة إلى تغيير المعادلة عبر تطوير البن السعودي نفسه.
وتنتشر زراعة البن بصورة رئيسية في المناطق الجبلية في جازان وعسير والباحة، وقد أشارت بيانات صندوق الاستثمارات عند إطلاق الشركة إلى وجود أكثر من 2500 مزرعة تضم نحو 400 ألف شجرة بن في هذه المناطق.
وتستهدف الشركة رفع القدرة الإنتاجية المحلية من نحو 300 طن سنويًا إلى 2500 طن خلال خطتها طويلة الأجل، مع استثمار يقارب 1.2 مليار ريال على مدى عشر سنوات.
لكن زيادة الإنتاج لا تعني فقط زراعة مزيد من الأشجار.
فجودة القهوة تبدأ من اختيار الشتلة المناسبة، ثم التربة والارتفاع والمناخ وأساليب الري والحصاد.
وقد يؤدي اختلاف توقيت قطف الثمار أو طريقة تجفيفها إلى تغيير كبير في جودة المنتج النهائي.
ولهذا أطلقت الشركة مزرعة نموذجية في جازان على مساحة تصل إلى مليون متر مربع، بهدف اختبار أفضل الممارسات الزراعية ونقل المعرفة إلى المزارعين المحليين.
وتعمل هذه المزرعة كمنصة تدريبية وعملية في الوقت نفسه.
فبدل أن تقدم الشركة للمزارع تعليمات نظرية فقط، يستطيع مشاهدة أساليب الزراعة والحصاد والتصنيف وإدارة الموارد بصورة عملية.
كما تتضمن المشروعات تطوير المشاتل من أجل توفير شتلات ذات جودة أعلى، وهو أمر مهم جدًا إذا كان الهدف هو زيادة عدد الأشجار دون التضحية بالجودة.
وهنا يظهر الفرق بين زيادة الإنتاج وتطوير الصناعة.
يمكن زراعة المزيد من البن، لكن إذا لم تكن هناك معايير للفرز والتجفيف والتخزين والتحميص، فلن يتحول المنتج إلى قهوة قادرة على المنافسة عالميًا.
ولهذا تحاول الشركة بناء المنظومة من بدايتها بدل التركيز على نهاية السلسلة فقط.
هل الشركة تزرع وتحَمّص وتبيع أم تفتح المجال للقطاع الخاص؟
أحد أهم الأسئلة التي تطرحها الحلقة هو: إذا كانت الشركة السعودية للقهوة تعمل من الزراعة إلى المستهلك، فهل يعني ذلك أنها ستنافس القطاع الخاص في كل مرحلة؟
الإجابة الرسمية للشركة تقوم على مفهوم تمكين القطاع.
فصندوق الاستثمارات العامة أكد منذ إطلاق الشركة أنها ستعمل بالشراكة مع القطاع الخاص على تطوير سلسلة القيمة كاملة، من الزراعة والإنتاج إلى التوزيع والتسويق.
وهذا مهم لأن قطاع القهوة السعودي يضم بالفعل آلاف المنشآت، من المزارعين إلى المحامص والمقاهي والموردين.
ولو كان هدف الشركة السيطرة على جميع هذه الأنشطة بنفسها، فقد يؤدي ذلك إلى تقليل الفرص الاستثمارية بدل توسيعها.
أما النموذج الذي تطرحه فيقوم على بناء أجزاء من البنية التحتية التي يستطيع بقية القطاع الاستفادة منها.
ومن الأمثلة على ذلك مركز معالجة البن في محافظة الداير بجازان.
وتوضح الشركة أن المركز يمتلك قدرة معالجة تتجاوز 14 ألف طن سنويًا، ويوفر خدمات تشمل التجفيف والتقشير والفرز والتعبئة والتغليف، وقد انتقلت إدارته إلى الشركة السعودية للقهوة في 2025.
وجود مثل هذه المنشأة يمكن أن يساعد المزارع الصغير الذي لا يستطيع بمفرده شراء معدات معالجة متطورة.
فبدل بيع محصوله في صورة أولية منخفضة القيمة، يمكن رفع جودته وتجهيزه بصورة أفضل للسوق.
وهنا يصبح دور الشركة أقرب إلى بناء البنية التحتية للصناعة.
كما تطرح محفظة صندوق الاستثمارات العامة فرصًا استثمارية للقطاع الخاص في مجالات مثل تقنيات زراعة القهوة، واستيراد وإعادة تصدير البن الأخضر، والتعبئة والخدمات اللوجستية.
وهذا يؤكد أن نمو الشركة لا يفترض أن يعني اختفاء اللاعبين الآخرين.
بل على العكس، نجاح استراتيجية القهوة السعودية يحتاج إلى عشرات وربما مئات الشركات المتخصصة في أجزاء مختلفة من السلسلة.
قد تكون هناك شركة تتخصص في التقنيات الزراعية، وأخرى في التحميص، وثالثة في التغليف، ورابعة في المقاهي، وخامسة في التجارة والتصدير.
كلما اتسعت هذه المنظومة أصبحت الصناعة أكثر قدرة على خلق الوظائف والقيمة الاقتصادية.
مستقبل القهوة السعودية بين المزارعين والابتكار والأسواق العالمية
كيف يستفيد مزارعو جازان من توسع صناعة البن السعودي؟
إذا نجحت استراتيجية تطوير القهوة دون أن تتحسن حياة المزارعين، فلن يكون القطاع مستدامًا على المدى الطويل.
ولهذا يحتل تمكين مزارعي البن السعودي موقعًا أساسيًا في خطط الشركة.
فالمزارع هو بداية السلسلة بأكملها.
إذا حصل على سعر غير مناسب لمحصوله أو كانت تكلفة الإنتاج مرتفعة، قد يتوقف عن الزراعة أو ينتقل إلى نشاط آخر.
أما إذا أصبحت زراعة البن أكثر ربحية وكفاءة، فمن المرجح أن يزيد الإنتاج ويستثمر المزارع في تطوير أرضه.
ولهذا تتضمن خطط الشركة نقل التقنيات الزراعية الحديثة إلى المزارعين وتدريبهم على تحسين الإنتاج وجودة المحصول.
كما أعلنت الشركة منذ تأسيسها عن خطط لإنشاء أكاديمية متخصصة في صناعة القهوة لتدريب المزارعين ورواد الأعمال والكفاءات السعودية على مراحل الزراعة والحصاد والتحميص والتسويق.
وهذا النوع من التدريب يمكن أن يغير طبيعة القطاع.
فالمزارع لا يحتاج فقط إلى معرفة طريقة زراعة الشجرة، بل يحتاج كذلك إلى فهم الجودة والسوق.
إذا عرف أن نوعًا معينًا من المعالجة يمكن أن يرفع سعر محصوله، فسيتحول تدريجيًا من مجرد منتج زراعي إلى شريك داخل صناعة متخصصة.
كما يمكن للقطاع أن يوفر فرص عمل تتجاوز المزرعة نفسها.
هناك وظائف في الجودة والمختبرات والتذوق والتحميص والهندسة الزراعية والتسويق والتغليف والخدمات اللوجستية والمبيعات.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل صناعة القهوة مرتبطة بأهداف تنويع الاقتصاد السعودي.
فالقيمة الحقيقية لا تأتي من بيع ثمار البن فقط، بل من كل النشاط الاقتصادي الذي ينشأ حولها.
كما تلعب الأبحاث والتطوير دورًا كبيرًا.
فالمناخ والمياه والتربة في المناطق الجبلية السعودية لها خصائص مختلفة، ولذلك تحتاج الصناعة إلى أبحاث تساعد على تحديد أفضل أنواع الشتلات وأساليب الزراعة وطرق مقاومة الآفات.
ويمكن للتقنية كذلك تحسين استخدام المياه، وهي قضية مهمة في بيئة تعاني بطبيعتها من محدودية الموارد المائية.
وقد تكون الابتكارات في الزراعة والمعالجة مصدرًا لحقوق ملكية فكرية أو حلول تقنية يمكن استخدامها على نطاق أوسع، لكن الحديث عن براءات اختراع محددة يحتاج إلى الإعلان الرسمي عنها ولا ينبغي افتراض وجودها لمجرد أن الشركة تستثمر في البحث والتطوير.
هل تستطيع القهوة السعودية المنافسة عالميًا؟
الوصول إلى السوق العالمي لا يعتمد فقط على وجود قصة جميلة حول التراث.
المستهلك الذي يشتري قهوة مختصة يهتم بالطعم والجودة والثبات وطريقة المعالجة والمنشأ والسعر.
ولهذا فإن نجاح القهوة السعودية دوليًا يحتاج إلى أن تكون قادرة على المنافسة من الناحية الفنية، وليس فقط باعتبارها منتجًا سعوديًا.
وفي الوقت نفسه تمتلك المملكة عنصرًا تسويقيًا مهمًا، وهو التاريخ الثقافي للقهوة.
فالشركة تصف مهمتها بأنها نقل قصة البن العربي السعودي إلى العالم، وربط المنتج بالإرث والضيافة والثقافة المحلية.
وهذا ما فعلته دول عديدة نجحت في بناء سمعة عالمية لمنتجات مرتبطة بمناطقها.
فعندما يسمع المستهلك اسم منطقة معينة قد يربطها مباشرة بنوع محدد من القهوة أو الطعام.
ويمكن أن تصبح مناطق مثل جازان مستقبلًا جزءًا من هذا النوع من الهوية العالمية إذا حافظت المنتجات على جودة ثابتة.
كما أن تطوير علامات تجارية سعودية للقهوة يساعد على إبقاء جزء أكبر من القيمة الاقتصادية داخل المملكة.
فإذا تم تصدير حبوب البن الخام فقط، يحصل المنتج على جزء محدود من السعر النهائي.
أما إذا تمت المعالجة والتحميص والتعبئة وبناء علامة تجارية ثم بيع المنتج النهائي، فإن القيمة تصبح أعلى.
ولهذا فإن التوسع في المنتجات، سواء القهوة المحمصة أو أشكال التحضير المختلفة وربما الكبسولات مستقبلًا، يجب أن يُقرأ ضمن استراتيجية أوسع لبناء منتجات ذات قيمة مضافة.
لكن دخول منتجات محددة مثل الكبسولات أو التوسع في دول بعينها يظل مرتبطًا بقرارات تجارية تعلنها الشركة وفق خططها، ولذلك لا ينبغي التعامل مع الأسئلة المطروحة في الحلقة باعتبارها خططًا مؤكدة ما لم تُعلن رسميًا.
السوق العالمي للقهوة شديد المنافسة.
هناك شركات عالمية ضخمة، ودول تمتلك خبرة تصديرية طويلة، وعلامات تجارية لديها شبكات توزيع واسعة.
ولهذا لن تصبح السعودية لاعبًا عالميًا بمجرد زيادة الإنتاج.
تحتاج إلى بناء سمعة للجودة، واستمرار الإمدادات، وعلاقات مع المشترين، ونظم واضحة للتصنيف والتتبع، إضافة إلى التسويق الدولي.
وفي الوقت نفسه، يمنح حجم السوق المحلي الشركة والقطاع الخاص فرصة مهمة.
فعند إطلاق الشركة كان صندوق الاستثمارات يتوقع وصول استهلاك القهوة في المملكة إلى نحو 28,700 طن سنويًا بحلول نهاية 2026، وهو ما يعكس سوقًا محلية كبيرة يمكن أن تشكل قاعدة لبناء الصناعة قبل التوسع العالمي.
وتكشف حلقة «حقيقة منافسة الشركة السعودية للقهوة للقطاع الخاص» أن المشروع أكبر من إنشاء مقهى حكومي أو علامة جديدة تنافس المحامص.
الهدف المعلن هو بناء قطاع قهوة سعودي متكامل تبدأ قيمته من المزارع، ثم تمر بالمعالجة والتحميص والتدريب والتقنية والتجارة، وتنتهي بمنتج يستطيع الوصول إلى المستهلك المحلي والعالمي.
وهنا يصبح نجاح الشركة مرتبطًا بقدرتها على خلق فرص للآخرين بقدر نجاحها في بناء أعمالها الخاصة.
فإذا ازداد عدد المزارعين المنتجين، وظهرت شركات سعودية جديدة في التحميص والتقنية والخدمات، وارتفعت جودة البن المحلي، وأصبح المنتج قادرًا على دخول الأسواق الدولية، عندها تكون الشركة قد ساهمت في توسيع السوق بدل مزاحمة القطاع الخاص داخله.
كما أن نقل القهوة السعودية من رمز ثقافي إلى منتج اقتصادي عالمي يمكن أن يقدم نموذجًا لكيفية تحويل عناصر الهوية المحلية إلى صناعات حقيقية، بحيث تبقى القهوة مرتبطة بالمجلس والدلة والفنجان، لكنها تصبح في الوقت نفسه مصدرًا للوظائف والاستثمار والتصدير والقيمة الاقتصادية.