حقيقة الشركات الاستشارية | بودكاست سقراط مع رياض النجار

551 مشاهدة
2025 Apr

أصبحت الشركات الاستشارية في السعودية جزءًا واضحًا من مشهد التحول الاقتصادي والمؤسسي خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع تنفيذ مشروعات واسعة في قطاعات الحكومة والصناعة والسياحة والتقنية والصحة والخدمات المالية ضمن رؤية السعودية 2030.

لكن انتشار شركات الاستشارات العالمية، مثل PwC وStrategy& وغيرها من الشركات الكبرى، صاحبه نقاش متزايد حول الدور الذي تؤديه هذه الشركات بالفعل.

هل تقدم معرفة وخبرات لا تمتلكها المؤسسات داخليًا؟ أم أنها تحصل على مبالغ كبيرة مقابل إعداد عروض ودراسات قد تستطيع الجهة نفسها تنفيذها؟

وهل يقول المستشار للعميل ما يحتاج فعلًا إلى سماعه، أم ما يرغب في سماعه حتى يحافظ على العلاقة التجارية؟

هذه الأسئلة يناقشها عمر الجريسي في بودكاست سقراط مع رياض النجار، أحد أبرز قيادات PwC في الشرق الأوسط، في حلقة بعنوان «حقيقة الشركات الاستشارية».

ولا يقدم الحوار صورة مثالية عن القطاع، بل يناقش كذلك بعض الممارسات التي يمكن أن تضر بمصداقيته، مثل التوقعات غير المدعومة بصورة كافية بالبيانات أو تقديم خطط يصعب تطبيقها عمليًا.

وفي الوقت نفسه تفتح الحلقة ملفًا أكثر أهمية للمستقبل: ماذا سيحدث لشركات الاستشارات عندما يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل ملايين البيانات وإعداد التقارير والنماذج خلال دقائق؟

ما حقيقة دور الشركات الاستشارية ولماذا تستعين بها الحكومات والشركات؟

هل تبيع شركات الاستشارات الكلام أم تقدم قيمة حقيقية؟

الصورة النمطية عن المستشار الإداري أنه شخص يدخل المؤسسة، يجري عددًا من المقابلات، ثم يقدم عرضًا يحتوي على رسوم وجداول وينتهي المشروع.

لكن صناعة الاستشارات أوسع بكثير من ذلك.

فالشركات الكبرى تقدم خدمات في الاستراتيجية والتحول الرقمي وإدارة العمليات والموارد البشرية والتقنية والضرائب والمخاطر والأمن السيبراني وغيرها.

وتعمل PwC Middle East مثلًا عبر 12 دولة في المنطقة، ويبلغ حجم فريقها نحو 12 ألف شخص، بينما تستفيد من شبكة PwC العالمية التي تضم مئات الآلاف من المتخصصين.

وتحتاج المؤسسات إلى الاستشاريين لعدة أسباب.

السبب الأول هو الخبرة المتخصصة.

قد تحتاج شركة إلى بناء استراتيجية للذكاء الاصطناعي أو إعادة هيكلة عملياتها، لكنها لا تمتلك داخلها فريقًا نفذ المشروع نفسه عدة مرات من قبل.

هنا يستطيع المستشار نقل خبرة تراكمت من مشروعات مشابهة.

السبب الثاني هو السرعة.

بناء فريق داخلي متخصص في مشروع يحتاج إلى عدة أشهر أو سنوات، بينما تستطيع شركة استشارية توفير فريق خلال فترة أقصر.

أما السبب الثالث فهو توفير رؤية خارجية.

الموظفون داخل المؤسسة قد يعتادون طريقة معينة في العمل لدرجة تجعلهم أقل قدرة على رؤية المشكلات.

وجود جهة خارجية يمكن أن يساعد على طرح أسئلة مختلفة ومقارنة الأداء بشركات أو دول أخرى.

لكن كل هذه المزايا لا تعني أن الاستشارة تحقق قيمة بصورة تلقائية.

فأسوأ سيناريو يحدث عندما يصبح الهدف من المشروع إنتاج وثيقة وليس تغيير الواقع.

قد تدفع المؤسسة مبالغ كبيرة للحصول على استراتيجية ممتازة على الورق، لكن إذا لم تكن لديها الموارد أو الصلاحيات أو الكفاءات لتنفيذها، تصبح الدراسة محدودة القيمة.

ولهذا أصبح هناك اهتمام متزايد بفكرة الاستراتيجية إلى التنفيذ.

المستشار الجيد لا يجب أن يجيب فقط عن سؤال «ماذا يجب أن نفعل؟»، بل يساعد المؤسسة على فهم «كيف نفعل ذلك؟ ومن المسؤول؟ وما الموارد المطلوبة؟ وكيف نقيس النجاح؟».

وتظهر المشكلة الأخرى عندما يعرف العميل مسبقًا الإجابة التي يريدها، ثم يبحث عن شركة استشارية تمنحه دراسة تؤكد موقفه.

في هذه الحالة يمكن أن تتحول الاستشارة إلى وسيلة لإضفاء شرعية على قرار تم اتخاذه مسبقًا.

ولهذا فإن استقلالية المستشار ومصداقيته عنصران أساسيان.

إذا خشي المستشار من إخبار العميل بأن فكرته غير قابلة للتطبيق لأنه قد يخسر العقد، فإن قيمة الاستشارة نفسها تصبح موضع شك.

المبالغة والتوقعات غير الواقعية.. أين يخطئ قطاع الاستشارات؟

يعترف رياض النجار في الحلقة بأن صناعة الاستشارات مثل أي صناعة أخرى يمكن أن تشهد ممارسات خاطئة.

ومن أكثر المشكلات خطورة تقديم توقعات تبدو دقيقة جدًا رغم أن البيانات المتاحة لا تسمح بهذا المستوى من اليقين.

على سبيل المثال، قد تسأل شركة: كم سيكون حجم سوق معين بعد عشر سنوات؟

يمكن للمستشار بناء نموذج يستخدم البيانات الحالية والنمو السكاني والدخل والاتجاهات الاقتصادية.

لكن النتيجة تظل تقديرًا وليست حقيقة مستقبلية.

قد تظهر تقنية جديدة، أو أزمة اقتصادية، أو تغيرات تنظيمية تجعل السوق مختلفًا تمامًا.

ولهذا يجب على التقرير المهني أن يوضح الافتراضات والسيناريوهات ودرجة عدم اليقين بدل تقديم رقم واحد وكأنه مضمون.

وهناك مشكلة أخرى هي المبالغة في النتائج المتوقعة.

قد تعد الخطة برفع الإيرادات أو خفض التكاليف بنسبة كبيرة، لكن إذا كانت الفرضيات متفائلة أكثر من اللازم يصبح التنفيذ محكومًا بالفشل منذ البداية.

كما أن المؤسسة نفسها قد تشارك في صنع هذه المشكلة.

فأحيانًا يكون القرار أسهل عندما يقدم المستشار رقمًا جذابًا أو وعدًا كبيرًا.

لكن الإدارة الجيدة تحتاج إلى السؤال عن السيناريو الأسوأ أيضًا، وليس أفضل سيناريو فقط.

وهنا تصبح البيانات ضرورية.

كلما كانت التوصية مبنية على بيانات فعلية وتجارب قابلة للمقارنة، ارتفعت جودتها.

لكن البيانات لا تستطيع الإجابة عن كل شيء.

فهناك قرارات تتعلق بالثقافة المؤسسية أو القيادة أو تغير سلوك العملاء، وهذه تحتاج إلى حكم مهني وليس مجرد معادلة.

ولهذا فإن الجودة في الاستشارات تأتي من الجمع بين البيانات والخبرة والفهم العميق للسياق.

كما يجب أن تكون هناك مساءلة بعد انتهاء المشروع.

إذا قدمت الشركة الاستشارية توصية ثم تبين بعد عامين أنها كانت بعيدة عن الواقع، فمن المهم أن تفهم المؤسسة سبب الخطأ.

هل تغير السوق؟ أم كانت البيانات ضعيفة؟ أم كان التنفيذ سيئًا؟ أم كانت الفرضيات نفسها غير واقعية؟

وهذا النوع من المراجعة يساعد على بناء سوق استشاري أكثر نضجًا.

مستقبل الشركات الاستشارية بين الذكاء الاصطناعي وتمكين الكفاءات السعودية

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحل محل المستشار؟

يمثل الذكاء الاصطناعي في قطاع الاستشارات أحد أكبر التحولات التي تواجه الصناعة.

فالكثير من المهام التي كانت تحتاج سابقًا إلى ساعات أو أيام يمكن للأنظمة الحديثة تنفيذ جزء كبير منها بسرعة.

يستطيع الذكاء الاصطناعي تلخيص آلاف الصفحات، وتحليل البيانات، ومقارنة الشركات، وإنشاء نماذج أولية للعروض والتقارير، واقتراح سيناريوهات مختلفة.

وهذا يطرح سؤالًا واضحًا: إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع القيام بهذه المهام، فما الحاجة إلى آلاف المحللين والاستشاريين؟

الإجابة على الأرجح ليست اختفاء المهنة، بل تغيير طبيعتها.

المهام المتكررة والقابلة للأتمتة ستكون أول ما يتغير.

المحلل الذي يقضي عدة أيام في جمع بيانات عامة وترتيبها في جداول سيستطيع إنجاز جزء كبير من العمل باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

لكن القيمة ستنتقل أكثر إلى تفسير النتائج واتخاذ القرار.

فالذكاء الاصطناعي قد يقول إن ثلاثة سيناريوهات ممكنة، لكن اختيار السيناريو المناسب يحتاج إلى معرفة بالسوق والقيادة والموارد والمخاطر السياسية والتنظيمية.

كما أن تنفيذ التغيير داخل مؤسسة يظل تحديًا بشريًا.

قد يكون النظام قادرًا على تصميم هيكل تنظيمي مثالي، لكن إقناع الموظفين والإدارة به والتعامل مع المقاومة الداخلية يحتاج إلى قيادة وتفاوض وثقة.

ولهذا سيصبح الاستشاري في المستقبل أقل اعتمادًا على جمع المعلومات وأكثر تركيزًا على الحكم المهني وحل المشكلات المعقدة.

والتغيير يحدث بالفعل داخل أسواق العمل في المنطقة.

فبحسب دراسة PwC للشرق الأوسط لعام 2025، قال 75% من الموظفين الذين شملهم الاستطلاع إنهم استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي في أعمالهم خلال العام السابق، بينما قال 82% إن الذكاء الاصطناعي حسّن إنتاجيتهم.

وفي السعودية تحديدًا تظهر معدلات مرتفعة لاستخدام الذكاء الاصطناعي داخل الأعمال، بما يشمل التخطيط والاستراتيجية والخدمات والعمليات.

وهذا يعني أن شركات الاستشارات لا تستطيع التعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة جانبية.

سيصبح جزءًا من طريقة تنفيذ المشروع نفسه.

لكن استخدام التقنية يخلق أيضًا تحديات جديدة تتعلق بسرية بيانات العميل، والتحقق من النتائج، والتحيز والأخطاء التي قد تنتجها النماذج.

ولذلك سيصبح من أهم مهارات المستشار معرفة متى يستخدم الذكاء الاصطناعي ومتى لا يثق في إجابته دون مراجعة بشرية.

السعودة ونقل المعرفة.. هل تبني الشركات الاستشارية خبرات محلية؟

من أكثر الانتقادات التي توجه إلى الاستشارات العالمية في الاقتصادات النامية أن المؤسسة قد تستعين بفريق دولي، وينتهي المشروع، ثم يغادر الفريق دون أن تنتقل المعرفة إلى الموظفين المحليين.

وإذا حدث ذلك بصورة متكررة، تظل المؤسسة محتاجة إلى الاستشاري في كل مشروع جديد.

ولهذا يمثل نقل المعرفة وتمكين السعوديين معيارًا مهمًا لقياس قيمة قطاع الاستشارات في المملكة.

وتعمل PwC وغيرها من الشركات الكبرى على توظيف وتطوير الكفاءات السعودية، خاصة مع ارتفاع الطلب على الخبرات في الاستراتيجية والتقنية وإدارة التحول.

وقد أصبحت تنمية المواهب المحلية من الملفات التي تؤكد عليها PwC في عملياتها داخل المملكة، وهو ما ظهر أيضًا عند إعلان تعيين فيصل السراج في يوليو 2026 شريكًا رئيسيًا مسؤولًا عن أعمال الشركة في السعودية، حيث أشارت الشركة إلى دوره في تطوير المواهب السعودية.

ولا يجب أن يعني نقل المعرفة مجرد حضور الموظف السعودي الاجتماعات مع المستشار.

النقل الحقيقي يحدث عندما يصبح قادرًا بعد انتهاء المشروع على تشغيل النظام أو تطوير الاستراتيجية أو قيادة المشروع بنفسه.

ولهذا تستخدم بعض المؤسسات نماذج تعمل فيها فرق الاستشارات جنبًا إلى جنب مع الفرق الداخلية، ثم تنتقل المسؤولية تدريجيًا إلى الموظفين.

هذا النموذج أكثر استدامة من الاعتماد المستمر على الفريق الخارجي.

كما يخلق القطاع الاستشاري نفسه مسارًا مهنيًا مهمًا للشباب السعودي.

فالعمل في شركة استشارية يعرّض الموظف خلال سنوات قليلة إلى قطاعات ومشروعات متعددة، ويمكن أن يمنحه خبرة واسعة في التحليل وإدارة المشروعات والعرض والتواصل.

لكن الصناعة معروفة أيضًا بضغط العمل وساعات العمل الطويلة، وهو تحدٍ تواجهه شركات الاستشارات عالميًا.

ولهذا لن تكون المنافسة على المواهب متعلقة بالراتب فقط، بل بقدرة الشركات على توفير التطوير المهني وبيئة العمل وفرص الترقي.

أما وجود PwC في العلا فهو ليس مجرد فكرة مستقبلية؛ فللشركة بالفعل مكتب مدرج رسميًا في العلا، إضافة إلى مواقعها في الرياض وجدة والظهران والخبر.

ويعكس ذلك اتساع فرص الأعمال الاستشارية خارج المراكز الاقتصادية التقليدية.

فالعلا تحتاج إلى خبرات في السياحة والضيافة والاستثمار والبنية التحتية والتحول الرقمي وإدارة المشروعات، وهي مجالات تدخل ضمن الخدمات التي تقدمها شركات الاستشارات.

وتوضح حلقة «حقيقة الشركات الاستشارية» أن السؤال الصحيح ليس ما إذا كانت الاستشارات جيدة أو سيئة بصورة مطلقة.

القيمة تعتمد على طبيعة المشروع، وجودة المستشار، ومدى استعداد العميل للتعامل مع توصيات قد لا تكون مريحة له، وقدرة المؤسسة على التنفيذ بعد انتهاء الدراسة.

فأفضل شركة استشارية في العالم لا تستطيع إنقاذ مشروع إذا كانت الجهة لا تريد تغيير طريقة عملها.

وفي المقابل، يمكن للاستشاري الجيد أن يوفر خبرة وسرعة ورؤية يصعب على المؤسسة بناؤها وحدها في وقت قصير.

أما الذكاء الاصطناعي فسيجعل هذا الاختبار أكثر صرامة.

فعندما تصبح المعلومات والتحليلات الأساسية أرخص وأسرع، لن يستطيع المستشار الاعتماد على امتلاكه المعلومات وحدها كميزة تنافسية.

ستصبح القيمة الحقيقية في تحويل المعلومات إلى قرار قابل للتنفيذ، وفهم السياق، وإدارة التغيير، وبناء الثقة، ونقل المعرفة إلى العميل.

ولهذا قد لا يختفي قطاع الاستشارات مع الذكاء الاصطناعي، لكنه سيصبح أقل تسامحًا مع العمل الذي يمكن لأي أداة تقنية إنجازه، وأكثر اعتمادًا على الخبرة البشرية التي يصعب تحويلها إلى خوارزمية.

قد يعجيك أيضاً

عرض الكل

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

422015 مشاهدة
2022 Dec
لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

Podcast

7161 مشاهدة
2023 Mar
مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

Podcast

5219 مشاهدة
2023 Mar
كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

Podcast

13956 مشاهدة
2023 Sep
المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

الأكثر مشاهدة - Most Watched

10991 مشاهدة
2025 Jan
كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

22795 مشاهدة
2025 Jan