شركة سيف وواقع قطاع الخدمات الأمنية في السعودية | بودكاست سقراط مع تركي الثنيان
يشهد قطاع الخدمات الأمنية في السعودية تحولًا كبيرًا مع توسع المدن والمشروعات السياحية والترفيهية والفعاليات والمناطق الصناعية والمقار التجارية، وهو ما رفع الطلب على شركات قادرة على تقديم خدمات أمنية بمستويات أكثر احترافية من الصورة التقليدية التي ارتبطت لسنوات بمهنة الحراسة.
وفي هذه الحلقة من بودكاست سقراط، يستضيف عمر الجريسي الأستاذ تركي بن معتوق الثنيان، الرئيس التنفيذي للشركة الوطنية للخدمات الأمنية «سيف»، للحديث عن واقع السوق وأسباب دخول صندوق الاستثمارات العامة إلى هذا النشاط، وعن أبرز المشكلات التي تواجه العاملين والشركات، ومستقبل التدريب والتقنية والحلول الأمنية المتكاملة.
وتأسست الشركة الوطنية للخدمات الأمنية في نهاية 2019، وأطلقها صندوق الاستثمارات العامة رسميًا في ديسمبر 2020 بهدف المساهمة في تطوير قطاع الخدمات الأمنية الخاصة في المملكة وفق معايير وتقنيات أكثر تقدمًا.
ولا تقتصر الفكرة على تأسيس شركة جديدة تنافس بقية الشركات في السوق، بل تقوم الرؤية المعلنة على تطوير منظومة الخدمات الأمنية نفسها، ورفع مستوى التدريب، وتوطين المعرفة والتقنية، وخلق فرص عمل للسعوديين.
لماذا دخل صندوق الاستثمارات العامة قطاع الخدمات الأمنية في السعودية؟
من الحراسة التقليدية إلى صناعة أمنية متكاملة
قد يبدو دخول صندوق استثماري سيادي إلى قطاع الخدمات الأمنية الخاصة أمرًا غير تقليدي، خاصة أن الصورة الذهنية لهذا النشاط ترتبط غالبًا بحارس أمن يقف أمام بوابة منشأة أو مركز تجاري.
لكن الصناعة الحديثة أصبحت أوسع من ذلك بكثير.
فالمنشآت الكبيرة تحتاج إلى إدارة مخاطر، وأنظمة مراقبة، ومراكز قيادة وتحكم، وخطط للاستجابة للطوارئ، وإدارة للحشود، وحماية للأصول، إضافة إلى العنصر البشري المدرب.
ولهذا تضم خدمات «سيف» رسميًا مجالات مثل الاستشارات الأمنية والحلول الأمنية والتدريب والتطوير ومراكز القيادة والتحكم.
ويعني ذلك أن مستقبل القطاع لا يعتمد فقط على زيادة عدد أفراد الأمن، بل على دمج الإنسان مع التكنولوجيا.
فكاميرات المراقبة الحديثة يمكن ربطها بأنظمة تحليل، ومراكز التحكم تستطيع متابعة عدد كبير من المواقع، كما تسمح البيانات بمعرفة مواقع المخاطر وتوزيع الأفراد بصورة أكثر كفاءة.
لكن التقنية وحدها لا تكفي.
فعند حدوث مشكلة أمنية أو حادث أو حالة طوارئ، يحتاج الموظف إلى معرفة الإجراء الصحيح وكيفية التعامل مع الجمهور والتواصل مع مركز العمليات والجهات الأخرى.
ولهذا وضع صندوق الاستثمارات العامة منذ إطلاق الشركة التدريب وتطوير الكفاءات السعودية ضمن أهدافها الأساسية، مؤكدًا أن «سيف» ستجمع بين القوى البشرية والتكنولوجيا وتقدم برامج تدريبية متقدمة تفتح فرصًا مهنية جديدة في القطاع.
ويأتي ذلك ضمن توجه أوسع لصندوق الاستثمارات العامة يقوم على تأسيس وتنمية قطاعات جديدة بدل الاستثمار فقط في الشركات القائمة.
فاستراتيجية الصندوق الحالية حتى 2030 تركز على بناء منظومات اقتصادية محلية أكثر تنافسية، وزيادة مشاركة القطاع الخاص وتحقيق قيمة اقتصادية طويلة الأجل.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة تأسيس «سيف» باعتباره محاولة لإنشاء لاعب يساعد على رفع معايير السوق.
فإذا بدأت جهة كبيرة تطلب تدريبًا معينًا ومستويات محددة للخدمة واستخدامًا أكبر للتقنية، فقد تضطر الشركات الأخرى إلى تطوير خدماتها للحفاظ على قدرتها على المنافسة.
لكن نجاح هذا النموذج يحتاج في الوقت نفسه إلى ألا يتحول وجود شركة مملوكة لصندوق كبير إلى عامل يحد من فرص المنافسين.
ولهذا تصبح العلاقة مع القطاع الخاص جزءًا أساسيًا من تقييم التجربة.
وصندوق الاستثمارات العامة أكد منذ إعلان تأسيس «سيف» أن أحد أهدافها هو دعم نمو منظومة الأمن الخاصة وتطوير شراكات استراتيجية وتمكين القطاع الخاص، وليس استبداله بالكامل.
التوظيف والتدريب.. لماذا يواجه القطاع فجوة رغم كثرة الباحثين عن العمل؟
واحدة من أكثر النقاط إثارة للاهتمام في الحلقة هي حديث تركي الثنيان عن وجود نحو 300 ألف شخص على قوائم انتظار التوظيف لدى الشركة وقت تسجيل الحلقة في ديسمبر 2023. وهذا رقم ذكره الضيف ضمن سياق الحلقة، وليس رقمًا حاليًا ثابتًا ينبغي التعامل معه باعتباره وضع السوق في 2026.
لكن الرقم يكشف عن مفارقة مهمة.
إذا كان هناك هذا العدد الكبير من الأشخاص الراغبين في العمل، فلماذا يتحدث القطاع في الوقت نفسه عن نقص في الكفاءات؟
الإجابة تكمن في الفرق بين وجود العامل ووجود العامل المؤهل.
فالعمل الأمني الحديث يحتاج إلى مهارات تتجاوز الوقوف أمام مدخل المبنى.
قد يحتاج الموظف إلى التعامل مع أنظمة رقمية، والتواصل مع الزوار، وإدارة الحشود، والتصرف في الحالات الطارئة، وفهم قواعد السلامة وكتابة التقارير.
كما تختلف طبيعة العمل حسب المكان.
الحارس في مركز تجاري يحتاج إلى مهارات مختلفة عن موظف الأمن في منشأة صناعية أو فعالية ضخمة أو مقر لشركة حساسة.
ولهذا يصبح التدريب المتخصص جزءًا من الصناعة نفسها.
وكلما ارتفع مستوى المشروع أو العميل، زادت الحاجة إلى برامج تأهيل أكثر دقة.
وتناقش الحلقة أيضًا ظروف العاملين أنفسهم، مثل ساعات العمل والاستراحات والمسار الوظيفي.
وهذه ملفات شديدة الأهمية إذا أراد القطاع الاحتفاظ بالكفاءات.
فالموظف قد يقبل الوظيفة، لكنه لن يستمر لسنوات إذا لم يرَ فرصة للترقي أو تحسين الدخل أو اكتساب مهارات جديدة.
وهنا يظهر الفرق بين اعتبار الحارس وظيفة مؤقتة وبين بناء مسار مهني في الخدمات الأمنية.
يمكن للموظف أن يبدأ في العمليات الميدانية ثم ينتقل إلى الإشراف أو التدريب أو إدارة العمليات أو مراكز القيادة والتحكم إذا توفرت برامج واضحة للتطوير.
وهذا النوع من المسارات يساعد كذلك على تغيير الصورة الاجتماعية للمهنة.
فكلما أصبحت هناك شهادات وتخصصات ومراحل للترقي، أصبح القطاع أكثر قدرة على جذب الأشخاص الذين يريدون بناء مستقبل مهني طويل داخله.
مستقبل شركة سيف والخدمات الأمنية بين المنافسة والتكنولوجيا
هل تحصل سيف على أفضلية لأنها إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة؟
من أكثر الأسئلة حساسية في الحلقة علاقة «سيف» ببقية شركات صندوق الاستثمارات العامة.
فمن الطبيعي أن يسأل المنافسون: إذا كانت الشركة والعميل مملوكين في النهاية إلى الجهة الاستثمارية نفسها، فهل تحصل «سيف» تلقائيًا على العقود؟
ويفتح عمر الجريسي هذا النقاش بصورة مباشرة في الحلقة، بما في ذلك السؤال عن عملاء الشركة ولماذا لم تتعاقد وقتها مع شركة صلة المشغلة لبوليفارد الرياض.
وهذا السؤال مهم لأن المنافسة العادلة عنصر أساسي في تطوير أي قطاع.
إذا حصلت شركة على جميع الأعمال بسبب الملكية فقط، قد تصبح الشركات الأخرى أقل قدرة على الاستثمار والتطوير.
أما إذا كانت المنافسة مبنية على السعر والجودة والخبرة والقدرة على التنفيذ، فإن وجود لاعب كبير يمكن أن يرفع مستوى السوق بالكامل.
ولا توجد في المصادر الرسمية التي راجعتها قاعدة تقول إن «سيف» تحصل تلقائيًا على عقود شركات الصندوق.
لذلك يجب التفريق بين وجود فرص تكامل داخل محفظة صندوق الاستثمارات وبين الادعاء بوجود أفضلية تعاقدية مضمونة.
بل إن التوجه الحالي للصندوق نفسه يؤكد زيادة مشاركة القطاع الخاص ورفع كفاءة الاستثمارات ضمن استراتيجية 2026–2030.
وتمثل هذه النقطة اختبارًا مهمًا لنموذج «سيف».
فنجاح الشركة تجاريًا أمر مهم، لكن نجاحها الاستراتيجي الأكبر سيكون في المساعدة على تطوير قطاع تستطيع فيه شركات متعددة النمو والاستثمار والتخصص.
ويمكن أن توجد شركات تركز على الحراسة التقليدية، وأخرى على الأمن الصناعي، وأخرى على التقنيات والمراقبة، وأخرى على التدريب أو حماية الشخصيات أو إدارة الحشود.
وبذلك يصبح السوق أكبر وأكثر تخصصًا بدل أن يعتمد على نموذج خدمة واحد.
كما أن نمو المشروعات السعودية يخلق طلبًا قد يسمح بوجود عدد كبير من الشركات.
فالمنشآت السياحية والفعاليات والمشروعات الصناعية والمجمعات السكنية والمطارات ومراكز الأعمال جميعها تحتاج إلى مستويات مختلفة من الخدمات الأمنية.
وبالتالي فإن التحدي المستقبلي قد لا يكون فقط الفوز بالعقود، وإنما وجود عدد كافٍ من الموظفين والشركات القادرة على تنفيذ هذه الأعمال بالمستوى المطلوب.
كيف تغير التكنولوجيا شكل رجل الأمن ومستقبل القطاع؟
أكبر تحول يمكن أن يشهده قطاع الخدمات الأمنية خلال السنوات المقبلة هو الانتقال من الاعتماد الكبير على العدد البشري إلى الأمن المدعوم بالتكنولوجيا والبيانات.
فالطريقة التقليدية تقوم على توزيع أفراد في أكبر عدد ممكن من المواقع.
أما النموذج الجديد فيحاول استخدام الكاميرات والحساسات والأنظمة الذكية ومراكز القيادة لرفع قدرة الشخص الواحد على مراقبة وإدارة مساحة أكبر.
وهذا لا يعني بالضرورة اختفاء رجل الأمن.
بل تتغير طبيعة وظيفته.
قد يصبح الموظف أقل اعتمادًا على الوقوف والمراقبة اليدوية، وأكثر قدرة على التعامل مع الأنظمة والتحقق من التنبيهات واتخاذ القرار عند ظهور حالة غير طبيعية.
كما تستطيع مراكز القيادة والتحكم دمج المعلومات القادمة من عدة مصادر.
يمكن للنظام معرفة موقع الحادث، وتحديد أقرب فريق، ومتابعة الكاميرات، والتنسيق مع الجهات المختصة.
وكل هذا يخفض الوقت بين اكتشاف المشكلة والاستجابة لها.
وتضع «سيف» مراكز القيادة والتحكم والحلول الأمنية ضمن مجالات عملها الأساسية بالفعل.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دورًا أكبر مستقبلًا في تحليل المشاهد واكتشاف الأنماط غير الاعتيادية، لكن استخدامه في المجال الأمني يحتاج إلى ضوابط قوية تتعلق بالخصوصية ودقة الأنظمة وحماية البيانات.
فالخوارزمية التي تخطئ في تطبيق ترفيهي قد تسبب إزعاجًا محدودًا، لكن الخطأ في قرار أمني قد تكون له نتائج أكثر خطورة.
ولهذا يجب أن تبقى المراجعة البشرية والتدريب والحوكمة جزءًا أساسيًا من أي تحول تقني.
وتفتح التكنولوجيا أيضًا وظائف جديدة.
فقطاع الأمن لن يحتاج فقط إلى حراس، بل إلى محللي بيانات، ومتخصصين في الأنظمة الأمنية، ومشغلي مراكز تحكم، ومدربين، ومهندسين وفنيين.
وهذا يمكن أن يرفع القيمة الاقتصادية للقطاع ويخلق فرصًا وظيفية تتطلب مهارات أعلى.
كما يمكن للشركات السعودية تطوير تقنيات وخدمات محلية بدل الاعتماد بالكامل على الحلول المستوردة.
وهنا يتقاطع قطاع الخدمات الأمنية مع هدف أوسع لصندوق الاستثمارات العامة يتعلق بتوطين المعرفة والتقنية وتطوير منظومات اقتصادية محلية قادرة على المنافسة.
وتكشف حلقة «شركة سيف وواقع قطاع الخدمات الأمنية في السعودية» أن صناعة الأمن الخاص أكبر بكثير من الصورة التقليدية للحارس أمام الباب.
فالقطاع أصبح يجمع بين العنصر البشري والتقنية والاستشارات والتدريب وإدارة المخاطر ومراكز العمليات.
ومع المشروعات الكبيرة التي تشهدها المملكة، ستزداد الحاجة إلى هذه الخدمات، لكن زيادة الطلب وحدها لا تضمن بناء قطاع قوي.
النجاح يحتاج إلى تحسين ظروف الموظفين، ورفع جودة التدريب، ووضع مسارات واضحة للتطور الوظيفي، والاستثمار في التكنولوجيا، والمحافظة في الوقت نفسه على سوق يسمح للشركات الخاصة بالمنافسة والنمو.
ومن هنا يمكن قياس أثر «سيف» على المدى الطويل ليس فقط بحجم العقود أو عدد الموظفين لديها، بل بقدرتها على رفع معيار الخدمات الأمنية في السوق السعودي بالكامل، وتحويل وظيفة الحراسة من نشاط يعتمد بدرجة كبيرة على الأعداد إلى صناعة احترافية تستخدم التدريب والتقنية والمعرفة، وتوفر مسارات مهنية أكثر استدامة للسعوديين.