كواليس ولادة رؤية 2030 | بودكاست سقراط مع فهد تونسي
تمثل رؤية السعودية 2030 واحدة من أكبر مشروعات التحول الاقتصادي والاجتماعي والإداري في تاريخ المملكة الحديث، لكنها لم تظهر في يوم واحد أو تبدأ بمجموعة نهائية من البرامج والمشروعات الجاهزة، بل سبقتها مراحل طويلة من النقاش والتحليل وبناء السيناريوهات وتحديد الأولويات.
وفي هذه الحلقة من بودكاست سقراط، يستضيف عمر الجريسي الدكتور فهد بن عبدالله تونسي، أحد الشخصيات التي عايشت مرحلة مبكرة ومهمة من العمل الاستراتيجي الحكومي، للحديث عن كواليس ولادة رؤية 2030، وكيف انتقلت الأفكار من جلسات ونقاشات داخل فرق العمل إلى رؤية وطنية أصبحت الإطار الذي تتحرك من خلاله قطاعات حكومية واقتصادية متعددة.
ويقدم تونسي في الحلقة شهادته الشخصية عن العمل مع الأمير محمد بن سلمان، وطريقة إدارة الاجتماعات، والنقاشات التي كانت تدور بين المسؤولين، وكيف تغيرت بعض الأفكار أو البرامج عندما أظهرت الدراسات أو الاعتراضات أنها تحتاج إلى مراجعة.
ولا تكمن أهمية الحلقة في معرفة قصة تأسيس الرؤية فقط، بل في فهم التحول الذي طرأ على طريقة إدارة الحكومة السعودية نفسها؛ من التركيز على تنفيذ المبادرات بصورة منفصلة إلى ربطها بأهداف ومؤشرات ومسؤوليات وآليات متابعة واضحة.
كيف ولدت رؤية السعودية 2030 وتحولت الفكرة إلى خطة وطنية؟
اللقاء مع الأمير محمد بن سلمان وبداية العمل الاستراتيجي
يروي فهد تونسي في الحلقة جانبًا من تجربته الشخصية عندما بدأ العمل ضمن المنظومة الحكومية، وكيف قاده اللقاء مع الأمير محمد بن سلمان إلى مسار مهني مختلف عن الذي كان يتوقعه.
وتكشف هذه القصة عن مرحلة كانت السعودية خلالها تبحث عن أدوات جديدة لإدارة تحديات اقتصادية وتنموية أصبحت أكثر وضوحًا.
ففي منتصف العقد الماضي، واجه الاقتصاد السعودي مجموعة من القضايا الهيكلية، من بينها الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، وارتفاع نسبة الشباب في المجتمع، والحاجة إلى خلق وظائف جديدة، وزيادة مساهمة القطاع الخاص، وتحسين كفاءة الإنفاق والخدمات الحكومية.
ولهذا لم يكن التفكير في الرؤية مرتبطًا بمشروع واحد، بل بسؤال أوسع: كيف يجب أن يبدو اقتصاد ومجتمع المملكة بعد 15 عامًا؟
وعند إطلاقها في 25 أبريل 2016، قدمت الرؤية نفسها باعتبارها خارطة لأهداف المملكة في التنمية والاقتصاد حتى عام 2030.
واعتمدت الرؤية على مجموعة من نقاط القوة الأساسية، من بينها مكانة المملكة العربية والإسلامية، وقوتها الاستثمارية، وموقعها الجغرافي الذي يربط بين ثلاث قارات.
لكن تحديد نقاط القوة كان الجزء الأسهل نسبيًا.
التحدي الأصعب هو تحويل العبارات الكبرى إلى أهداف يمكن تنفيذها.
فإذا كان الهدف هو تقليل الاعتماد على النفط، فما القطاعات البديلة التي يجب تطويرها؟
وإذا كان المطلوب زيادة مشاركة القطاع الخاص، فما الأنظمة والعوائق التي يجب تغييرها؟
وإذا كان الهدف رفع جودة الحياة، فكيف يتم قياسها؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى فرق تعمل في الاقتصاد والمالية والتعليم والإسكان والصحة والاستثمار والثقافة وغيرها.
ومن هنا جاءت أهمية التخطيط الاستراتيجي الحكومي.
فالرؤية لا تعمل كوثيقة يكتبها فريق ثم يطلب من بقية الجهات تنفيذها حرفيًا، وإنما تحتاج إلى جمع المعلومات من الوزارات والخبراء وتحليل الواقع ومقارنة التجارب الدولية وبناء سيناريوهات مختلفة.
ويصف تونسي في الحلقة بيئة كان فيها الأمير محمد بن سلمان يتابع التفاصيل، ويطلب أرقامًا وتفسيرات، ويعيد طرح الأسئلة عندما تكون الإجابات غير مقنعة.
وهذا الأسلوب يعكس فكرة مهمة في التخطيط: لا يكفي أن تقول إن الهدف جيد، بل يجب أن توضح كيف سيتم تحقيقه وما الموارد المطلوبة وما المخاطر المحتملة.
كما أن الخطة الاستراتيجية الجيدة لا تفترض أن المستقبل يمكن توقعه بدقة كاملة.
فقد تتغير أسعار النفط أو التكنولوجيا أو أسواق العمل أو الظروف الدولية، ولذلك يجب أن تكون هناك قدرة على تعديل البرامج مع المحافظة على الاتجاه العام.
لماذا تغيرت بعض البرامج بعد إطلاق الرؤية؟
من أكثر النقاط المهمة في الحلقة حديث فهد تونسي عن البرامج التي تغير توقيتها أو تصميمها خلال مراحل تنفيذ الرؤية.
وقد يرى البعض أن تعديل الخطة يعني أن التخطيط الأول كان خاطئًا، لكن الإدارة الاستراتيجية الحديثة تنظر إلى الأمر بصورة مختلفة.
فالخطة طويلة الأجل يجب أن تكون قابلة للتحديث عندما تظهر معلومات جديدة.
وبعد إطلاق رؤية 2030، بدأت الحكومة في بناء برامج تحقيق الرؤية التي تحول الأهداف الكبرى إلى مشروعات وسياسات محددة.
أُطلق برنامج التحول الوطني في يونيو 2016، ثم برنامج التوازن المالي في ديسمبر من العام نفسه، وفي 2017 أعلن مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية مجموعة إضافية من البرامج الاستراتيجية، مع نظام للمتابعة والمساءلة والشفافية.
وهذا يوضح أن الرؤية لم تكن مشروعًا ثابتًا مكتمل التفاصيل منذ اليوم الأول.
بل كان هناك إطار عام، ثم بدأت مرحلة تصميم البرامج وتحديد المسؤوليات والمؤشرات.
وقد يتم اكتشاف أثناء هذه المرحلة أن بعض المبادرات تحتاج إلى الدمج، أو أن برنامجًا معينًا يجب أن يبدأ قبل غيره، أو أن قدرة جهة حكومية على التنفيذ أقل من المتوقع.
وفي هذه الحالات يصبح تعديل الخطة أكثر عقلانية من الاستمرار فيها لمجرد الالتزام بالنسخة الأولى.
وتظهر أهمية هذا الأسلوب في المشروعات الكبيرة.
فقد يكون المشروع منطقيًا عندما تتم دراسته، ثم تتغير الظروف الاقتصادية أو التقنية بعد عدة سنوات.
الإدارة الجيدة لا تسأل: كيف نحافظ على المشروع بأي ثمن؟
بل تسأل: هل ما زال المشروع يخدم الهدف الأصلي بالطريقة الأفضل؟
وهنا يميز تونسي بين ثبات الهدف ومرونة الوسيلة.
قد يبقى هدف تنويع الاقتصاد ثابتًا، بينما تتغير القطاعات أو الأدوات المستخدمة للوصول إليه.
وقد يبقى هدف تحسين جودة الحياة ثابتًا، لكن ترتيب المشروعات أو نطاقها يمكن أن يتغير وفق النتائج والاحتياجات.
وهذه المرونة مهمة في أي رؤية تمتد 15 عامًا.
فما كان متوقعًا في 2016 لم يكن من الممكن أن يتنبأ مثلًا بجائحة كورونا أو التطورات السريعة في الذكاء الاصطناعي أو بعض التغيرات الكبرى في الاقتصاد العالمي.
ولهذا فإن وجود أنظمة متابعة ومراجعة يصبح جزءًا أساسيًا من نجاح الرؤية، وليس مجرد إجراء إداري.
كيف غيرت رؤية 2030 ثقافة العمل الحكومي في السعودية؟
من العمل المنفصل بين الوزارات إلى المتابعة والمؤشرات المشتركة
واحدة من أهم التحولات التي يتحدث عنها فهد تونسي لا تتعلق بمشروع أو قطاع محدد، بل بطريقة عمل الحكومة نفسها.
فالمشكلات الكبرى عادة لا تقع داخل حدود وزارة واحدة.
إذا أرادت الدولة مثلًا زيادة التوظيف، فالموضوع يرتبط بوزارة التعليم التي تعد الطلاب، ووزارة الموارد البشرية التي تنظم سوق العمل، ووزارة الاستثمار والجهات الاقتصادية التي تساعد على خلق الشركات والوظائف.
وإذا كان الهدف تطوير السياحة، فهناك النقل والمطارات والتأشيرات والثقافة والاستثمار والأمن والبلديات.
ولهذا فإن العمل الحكومي المنعزل يجعل تحقيق الأهداف الكبرى أكثر صعوبة.
ومن هنا جاء اتجاه أكبر نحو ربط الجهات ببعضها ووضع مؤشرات مشتركة تسمح بمعرفة مدى تقدمها نحو المستهدفات.
وتشير الوثائق الأولى للرؤية إلى اعتماد آليات قياس ورقابة وشفافية ومحاسبة لمتابعة تحقيق الأهداف.
وهنا يتحول الاجتماع الحكومي من مجرد استعراض لما أنجزته كل جهة إلى سؤال أكثر تحديدًا: هل النتيجة المطلوبة تحققت؟
قد تنفق وزارة ميزانية كبيرة وتنفذ عشرات المبادرات، لكن إذا لم يتحسن المؤشر النهائي الذي تستهدفه، فهذا يعني أن النشاط وحده لا يكفي.
وهذا يمثل تحولًا من قياس المدخلات إلى قياس النتائج.
ففي التعليم مثلًا لا يكفي معرفة عدد المدارس التي تم بناؤها، بل يجب النظر إلى مستوى التعلم والمهارات.
وفي الإسكان لا يكفي عد المشروعات، بل يتم قياس نسبة تملك الأسر وتحسن الوصول إلى السكن.
وفي السياحة لا يكفي تنظيم الفعاليات، بل يتم النظر إلى عدد الزوار والإنفاق والوظائف وجودة التجربة.
وتحتاج هذه الطريقة إلى بيانات موثوقة.
فالوزارة لا تستطيع معرفة نجاح برنامجها إذا لم تكن لديها أرقام قبل التنفيذ وبعده.
ولهذا أصبح بناء قواعد البيانات ولوحات المتابعة ومؤشرات الأداء جزءًا أكبر من الإدارة الحكومية.
كما يتحدث تونسي عن ثقافة النقد داخل الاجتماعات.
فإذا شعر المسؤول أن الاعتراض على فكرة المسؤول الأعلى قد يضر به، فلن تحصل القيادة على المعلومات التي تحتاجها لاتخاذ قرار جيد.
أما عندما تصبح المناقشة جزءًا طبيعيًا من العمل، يمكن للوزير أو المسؤول أن يقول إن المستهدف غير واقعي أو إن تكلفة المشروع أعلى من فائدته.
وهذا لا يعني بالضرورة قبول كل اعتراض.
لكن مجرد وجود مساحة للنقاش يجعل القرار النهائي مبنيًا على معلومات أكثر تنوعًا.
عشرة أعوام من التحول.. ماذا تغير في مفهوم الإدارة الحكومية؟
منذ المراحل الأولى للرؤية وحتى اليوم، تغير حجم وتعقيد منظومة العمل الحكومي بصورة كبيرة.
ظهرت وزارات وهيئات وبرامج جديدة، وتمت إعادة هيكلة قطاعات، وبدأت مؤسسات حكومية تستخدم البيانات ومؤشرات الأداء والتقنيات الرقمية بصورة أوسع.
لكن الرؤية نفسها ليست هدفًا نهائيًا منفصلًا عن حياة المواطن.
فكل التحولات الإدارية يفترض أن تنتهي إلى نتائج ملموسة: اقتصاد أكثر تنوعًا، وفرص عمل، وخدمات أفضل، ومدن أكثر قابلية للعيش، وتجربة حكومية أسهل.
وهنا تظهر أهمية السؤال الذي يتكرر في تجربة فهد تونسي: ما الأثر النهائي؟
يمكن لأي مؤسسة أن تنتج تقارير وعروضًا واستراتيجيات، لكن القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحول الخطط إلى قرارات ثم إلى نتائج.
وهذا السبب جعل الحوكمة والمتابعة جزءًا مركزيًا من الرؤية منذ سنواتها الأولى.
فمجلس الوزراء عند إقرار الرؤية في 2016 لم يكتف بالموافقة عليها، بل كلف مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بوضع الآليات والترتيبات اللازمة لتنفيذها ومتابعتها.
وبعد ذلك تم بناء منظومة برامج لتحقيق الرؤية، بحيث يرتبط كل برنامج بمجموعة من الأهداف والمبادرات والجهات المسؤولة.
كما أن إدارة الرؤية احتاجت إلى التعامل مع عنصر الوقت.
عام 2030 ليس مجرد تاريخ بعيد، بل نقطة نهائية يجب تقسيم الطريق إليها إلى مراحل.
فإذا كان هناك هدف بعد 15 عامًا، يجب معرفة المستوى المطلوب الوصول إليه بعد خمس أو عشر سنوات.
وهكذا تستطيع الجهات اكتشاف التأخر مبكرًا بدل انتظار نهاية الفترة.
وتظهر كذلك أهمية الاستمرارية المؤسسية.
فالتحول الوطني لا يستطيع الاعتماد على فرد واحد مهما كانت قدرته.
يجب أن تتحول طريقة العمل إلى أنظمة وإجراءات وفرق وكفاءات تستطيع الاستمرار مع تغير المسؤولين.
وهذا من أصعب جوانب التحول الإداري.
قد يكون من السهل إطلاق مبادرة جديدة، لكن بناء ثقافة مؤسسية تجعل آلاف الموظفين يعملون بطريقة مختلفة يحتاج إلى وقت وتدريب ومتابعة.
كما أن زيادة سرعة اتخاذ القرار يمكن أن تخلق تحديًا آخر: المحافظة على الجودة.
فالسرعة مهمة في الاقتصاد الحديث، لكن القرار السريع دون بيانات أو مراجعة قد ينتج أخطاء مكلفة.
ولهذا يحتاج النظام إلى تحقيق توازن بين السرعة والتحليل.
وتكشف شهادة فهد تونسي أن العمل في المراحل الأولى للرؤية لم يكن مسارًا مستقيمًا بلا اعتراضات أو مراجعات.
بل كانت هناك نقاشات وتعديلات وبرامج تغيرت وتحديات فرضت إعادة التفكير في بعض المسارات.
وهذه النقطة مهمة لأنها تجعل صورة التخطيط الحكومي أكثر واقعية.
فالمشروعات الوطنية الكبرى لا تنجح لأنها لا تواجه مشكلات، وإنما لأنها تمتلك القدرة على اكتشاف المشكلة وإعادة توجيه الموارد والقرارات عندما يلزم.
وتوضح حلقة «كواليس ولادة رؤية 2030» أن الرؤية ليست قائمة مشروعات فقط، بل محاولة لتغيير طريقة تفكير الدولة في المستقبل.
فبدل إدارة كل عام بصورة منفصلة، أصبح هناك إطار يمتد إلى سنوات طويلة، ومؤشرات تقيس التقدم، وبرامج تربط بين الوزارات، ونقاش مستمر حول الأولويات.
كما تكشف الحلقة عن أهمية القيادة في دفع هذا النوع من التحولات، لكن نجاح أي رؤية طويلة الأجل يعتمد في النهاية على تحويل توجيهات القيادة إلى مؤسسات وأنظمة وكفاءات قادرة على التنفيذ والمتابعة والتعلم.
وهنا ربما يكون أحد أهم إرث رؤية 2030 الإداري هو أن التخطيط لم يعد يعني إعداد وثيقة ثم وضعها على الرف، بل عملية مستمرة تبدأ بالسؤال عن الهدف، ثم بناء البرنامج، وقياس النتيجة، ومراجعة المسار، وتعديل ما يحتاج إلى تعديل.
وبهذه الطريقة تصبح السنوات التي تسبق 2030 ليست مجرد عد تنازلي لموعد نهائي، بل سلسلة من دورات التنفيذ والتعلم، هدفها أن تتحول الرؤية من طموحات مكتوبة إلى تغييرات يستطيع المواطن والاقتصاد والمجتمع قياس أثرها في الواقع.