كيف ستغير «إس تي سي» مستقبل التقنية في السعودية | بودكاست سقراط مع عليان الوتيد
لم تعد مجموعة stc مجرد شركة تقدم شرائح الهاتف وخدمات المكالمات والإنترنت، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز المجموعات السعودية العاملة في مجالات التقنية والبنية التحتية الرقمية والمدفوعات والأمن السيبراني والحوسبة السحابية والمحتوى.
وفي هذه الحلقة من بودكاست سقراط، يستضيف عمر الجريسي المهندس عليان الوتيد، الرئيس التنفيذي لمجموعة stc، للحديث عن هذا التحول، وكيف انتقلت الشركة من نموذج أعمال يقوم أساسًا على خدمات الاتصالات إلى منظومة تضم شركات واستثمارات متعددة تعمل في أجزاء مختلفة من الاقتصاد الرقمي.
ويطرح الحوار عددًا من الأسئلة التي تهم العملاء والمستثمرين والموظفين في الوقت نفسه: هل يمكن للإنترنت نفسه أن يهدد شركات الاتصالات التقليدية؟ لماذا تدخل stc مجالات مثل المدفوعات والمحتوى والأمن السيبراني؟ كيف تتعامل مع مشكلات التغطية؟ وهل تستطيع المجموعة الاستمرار في النمو مع التغير السريع في التكنولوجيا؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة لأن التحول لا يخص stc وحدها، بل يعكس تغيرًا يحدث في قطاع الاتصالات والتقنية في السعودية بالكامل، بالتزامن مع رؤية 2030 وتسارع الاعتماد على الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
كيف تحولت stc من شركة اتصالات إلى مجموعة تقنية متكاملة؟
لماذا لم تعد المكالمات والإنترنت وحدهما كافيين؟
بدأت stc في بيئة كانت فيها خدمات الهاتف الثابت والجوال تمثل جوهر صناعة الاتصالات، قبل أن يتغير السوق بصورة جذرية مع انتشار الهواتف الذكية والإنترنت والتطبيقات.
في الماضي، كان جزء كبير من إيرادات شركات الاتصالات يأتي من المكالمات والرسائل النصية.
لكن تطبيقات مثل واتساب وتيليجرام ومنصات الاتصال عبر الإنترنت غيرت طريقة تواصل الناس، وأصبح المستخدم قادرًا على إجراء مكالمة صوتية أو مرئية وإرسال آلاف الرسائل من خلال اتصال الإنترنت نفسه.
وهنا ظهر تحدٍّ أساسي لشركات الاتصالات حول العالم: إذا أصبحت التطبيقات تقدم جزءًا كبيرًا من الخدمات التي كان العميل يدفع مقابلها سابقًا، فمن أين سيأتي النمو؟
الإجابة كانت التحول من شركة اتصالات إلى شركة تقنية رقمية.
فالإنترنت الذي يمثل تهديدًا لبعض مصادر الإيرادات التقليدية يمكن في الوقت نفسه أن يصبح البنية الأساسية لعشرات الخدمات الجديدة.
ومن هنا بدأت stc توسيع نشاطها في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والأمن السيبراني وإنترنت الأشياء والخدمات الرقمية للأفراد والشركات.
وهكذا يصبح العميل بالنسبة إلى stc أكثر من شخص يريد اتصالًا بالهاتف.
قد تكون شركة تحتاج إلى نظام سحابي وأمن سيبراني، أو مؤسسة حكومية تريد تحولًا رقميًا، أو منزلًا يحتاج إلى إنترنت فائق السرعة، أو مستهلكًا يستخدم خدمة مالية أو منصة ترفيهية.
وهذا التنوع يقلل اعتماد المجموعة على مصدر واحد للإيرادات.
كما أن التحول يرتبط بتغير الاقتصاد السعودي نفسه.
فكلما توسعت الحكومة الرقمية والتجارة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والمدن الذكية، ازدادت الحاجة إلى مراكز البيانات والشبكات والأمن السيبراني والحوسبة.
بمعنى آخر، لم تعد شركة الاتصالات تبيع الاتصال فقط، بل أصبحت جزءًا من البنية التحتية للاقتصاد الرقمي.
من stc pay إلى stc tv وعقالات.. لماذا تؤسس المجموعة شركات متعددة؟
واحدة من العلامات الواضحة على تغير stc هي عدد الشركات التابعة والمجالات التي دخلتها.
ومن أبرز الأمثلة stc pay، التي بدأت كخدمة للمدفوعات والمحفظة الرقمية ثم تطورت إلى مشروع مصرفي رقمي.
وهذا التحول يعكس رغبة المجموعة في الاستفادة من قاعدة العملاء والخبرة الرقمية للدخول إلى الخدمات المالية بصورة أوسع.
أما في مجال الإعلام والترفيه، فهناك stc tv ضمن منظومة المحتوى الرقمي، وهو ما يعكس محاولة المجموعة المشاركة في تجربة المستخدم بعد الاتصال نفسه، وليس الاكتفاء بتوفير شبكة الإنترنت فقط.
وتستخدم شركات الاتصالات العالمية هذا النموذج بصورة متزايدة، لأن المستخدم الذي يحصل على الإنترنت من الشركة يمكن أن يستهلك كذلك خدمات مالية أو ترفيهية أو سحابية داخل المنظومة نفسها.
لكن هناك نقطة تحتاج إلى تصحيح في وصف الحلقة، وهي عقالات.
عقالات ليست منصة للتجارة الإلكترونية، بل الذراع العقارية التابعة لـ stc، وتعمل في تطوير وإدارة واستثمار الأصول العقارية.
وقد تبدو العقارات بعيدة عن التقنية، لكن المجموعة تمتلك أصولًا ومواقع كبيرة، ويمكن تطوير جزء منها ضمن مشروعات رقمية وتجارية واستثمارية.
وتوضح هذه الأمثلة استراتيجية التنويع.
فبدل إدارة جميع الأنشطة تحت شركة تشغيلية واحدة، يمكن إنشاء شركات متخصصة تمتلك فرقًا وإدارة ونموذج أعمال مناسبًا لسوقها.
لكن التنويع يحمل مخاطرة أيضًا.
فكلما دخلت المجموعة قطاعات أكثر، زادت صعوبة إدارة الأولويات والتأكد من أن كل نشاط يحقق قيمة حقيقية.
ولهذا لا يكفي إطلاق شركة تابعة جديدة، بل يجب أن يكون هناك سبب استراتيجي واضح لدخول السوق وقدرة فعلية على المنافسة.
مستقبل stc بين الشبكات والذكاء الاصطناعي والاستثمارات الجديدة
مشكلات التغطية والعملاء.. هل التوسع التقني أهم من الشبكة الأساسية؟
رغم كل الحديث عن الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية، يظل العميل العادي يحكم على شركة الاتصالات من شيء أكثر بساطة: هل تعمل الشبكة جيدًا؟
ولهذا كانت أسئلة الجمهور في الحلقة حول ضعف التغطية في بعض المناطق مهمة للغاية.
فالمجموعة تستطيع الإعلان عن استثمارات ومشروعات تقنية ضخمة، لكن إذا كان المستخدم لا يحصل على اتصال مستقر في منزله أو طريقه، فلن يشعر بجزء كبير من هذا التحول.
وتواجه جميع شركات الاتصالات تحديًا مشابهًا في بناء الشبكات.
التغطية لا تعتمد فقط على عدد الأبراج، بل على التضاريس والكثافة السكانية والترددات المتاحة وعدد المستخدمين في المنطقة وقدرة الشبكة على التعامل مع الضغط.
وقد تعمل الإشارة بصورة جيدة في حي ثم تصبح أضعف داخل مبنى معين بسبب الجدران أو التصميم.
ولهذا فإن تحسين الشبكات يحتاج إلى استثمار مستمر في الأبراج والترددات والألياف وتقنيات الجيل الخامس.
لكن الانتقال إلى شبكات أسرع يرفع توقعات المستخدمين أيضًا.
فالعميل الذي كان يقبل قبل سنوات بسرعة محدودة أصبح اليوم يشاهد الفيديو عالي الجودة، ويستخدم الألعاب السحابية، والعمل عن بعد، والخدمات المصرفية والتطبيقات الحكومية في الوقت نفسه.
وكل ذلك يجعل جودة الشبكة عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد، وليس مجرد خدمة ترفيهية.
وتناقش الحلقة كذلك علاقة الشركة بالجهة التنظيمية.
وهنا من المهم التوضيح أن الجهة التنظيمية لا تعمل كشريك تجاري لـ stc، بل تضع القواعد والتراخيص والمعايير المتعلقة بالمنافسة والطيف الترددي وحماية المستخدم.
ومن هنا يظهر التوازن بين مصلحة الشركة في التوسع وتحقيق العائد، ومصلحة السوق في وجود منافسة وجودة وحقوق واضحة للعملاء.
كما ظهرت في الحلقة أسئلة الموظفين بشأن تفاوت سلم الرواتب.
وهذه قضية شائعة داخل المجموعات الكبيرة، خاصة عندما تتحول الشركة من نشاط واحد إلى مجموعة تضم وظائف تقنية ومالية وتجارية شديدة الاختلاف.
فمهندس الأمن السيبراني يعمل داخل سوق مواهب يختلف عن وظيفة تشغيلية تقليدية، وقد تتأثر الرواتب بالتخصص والخبرة وندرة المهارة والمسؤولية.
لكن نجاح التحول التقني يحتاج أيضًا إلى شعور الموظفين بوجود مسار واضح للتطوير والعدالة والفرص، لأن التكنولوجيا لا يمكن بناؤها دون كفاءات قادرة على تشغيلها.
الرياضة والاستحواذات والذكاء الاصطناعي.. إلى أين تتجه المجموعة؟
ناقشت الحلقة أيضًا علاقة stc بالقطاع الرياضي، وظهر خلالها الحديث عن استحواذ الشركة على نادي الشباب.
لكن هذه النقطة تحتاج إلى دقة.
ما طُرح وقت الحلقة كان مرتبطًا بتقارير وحديث عن اهتمام أو استحواذ محتمل، ولا يصح تقديم «استحواذ stc على نادي الشباب» كحقيقة مكتملة من دون إعلان رسمي واضح.
وهذا مثال مهم على ضرورة التفريق بين السؤال أو الاحتمال الذي كان مطروحًا وقت تسجيل البودكاست وبين ما تحقق بالفعل لاحقًا.
أما بعيدًا عن الرياضة، فإن الاستحواذات والاستثمارات أصبحت جزءًا واضحًا من استراتيجية المجموعة.
فعندما تصبح stc مجموعة تقنية، فإن نموها لا يعتمد فقط على زيادة عدد المشتركين داخل السعودية، بل على دخول أسواق جديدة وامتلاك حصص أو شركات أو أصول تقنية توسع حضورها.
وفي الوقت نفسه يظهر الذكاء الاصطناعي بوصفه واحدًا من أهم المجالات التي يمكن أن تغير طبيعة عمل المجموعة.
فشركات الاتصالات تمتلك كميات ضخمة من البيانات التشغيلية المتعلقة بالشبكات واستخدام الخدمات.
ويمكن للذكاء الاصطناعي تحليل هذه البيانات للتنبؤ بالأعطال، وتوزيع الموارد، وتحسين تجربة العميل، والكشف عن الأنشطة الاحتيالية أو الهجمات السيبرانية.
كما تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي تقديم دعم أسرع للعملاء وتحليل أسباب الشكاوى.
لكن أهم فرصة قد تكون في بيع هذه القدرات إلى الشركات والجهات الحكومية.
فالمؤسسة التي تريد استخدام الذكاء الاصطناعي تحتاج غالبًا إلى سحابة ومراكز بيانات واتصال وأمن سيبراني وحلول رقمية، وهي مجالات تمتلك stc شركات تعمل فيها بالفعل.
وهنا تظهر قوة نموذج المجموعة المتكاملة.
بدل بيع خدمة واحدة، تستطيع عدة شركات داخل المجموعة المشاركة في مشروع رقمي واحد.
لكن المستقبل يحمل منافسة قوية.
فالمجموعة لم تعد تنافس شركات الاتصالات فقط.
في الخدمات السحابية توجد شركات تقنية عالمية، وفي الأمن السيبراني شركات متخصصة، وفي المدفوعات والبنوك الرقمية منافسون محليون ودوليون، وفي المحتوى تتنافس المنصات مع خدمات بث عالمية وإقليمية.
وهذا يعني أن التحول إلى شركة تقنية يفتح أبواب نمو جديدة، لكنه يفتح أيضًا جبهات منافسة أكثر بكثير.
وتكشف حلقة «كيف ستغير stc مستقبل التقنية في السعودية» أن أكبر تغير في الشركة ليس إطلاق تطبيق أو تأسيس شركة تابعة جديدة، بل إعادة تعريف النشاط الأساسي نفسه.
فالاتصال الذي كان المنتج النهائي أصبح اليوم نقطة البداية.
الشبكة تنقل البيانات، والبيانات تدعم الخدمات الرقمية، والخدمات الرقمية تقود إلى السحابة والأمن السيبراني والمدفوعات والترفيه وإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي.
ولهذا يصبح مستقبل stc مرتبطًا بقدرتها على المحافظة على جودة الأساس الذي بنت عليه أعمالها، أي الشبكات والاتصال، وفي الوقت نفسه النجاح في الأسواق الجديدة التي تختلف قواعد المنافسة فيها عن قطاع الاتصالات التقليدي.
وإذا استطاعت المجموعة الجمع بين البنية التحتية الرقمية والابتكار والخدمات التقنية والاستثمارات الدولية وتطوير الكفاءات السعودية، فإن دورها قد يصبح أكبر من شركة توفر الاتصال إلى شركة تشارك في بناء وتشغيل جزء واسع من الاقتصاد الرقمي السعودي.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للتحول: ألا يكون وصف stc بأنها «شركة تقنية» مجرد تغيير في الخطاب والهوية، بل أن يظهر فعليًا في مصادر الإيرادات والخدمات والابتكار والشركات التي تبنيها، وفي قدرة المملكة على امتلاك بنية رقمية وتقنيات وخبرات محلية تستطيع المنافسة إقليميًا وعالميًا.