ما التغيرات التي طرأت على بنك التنمية الاجتماعية | بودكاست سقراط مع إبراهيم الراشد
مر بنك التنمية الاجتماعية في السعودية بتحولات كبيرة منذ تأسيسه، ولم يعد دوره مقتصرًا على تقديم قرض اجتماعي لمواطن يحتاج إلى مساعدة مالية، بل توسع ليشمل العمل الحر والمنشآت الصغيرة والأسر المنتجة والادخار والتوعية المالية.
وفي هذه الحلقة من بودكاست سقراط، يستضيف عمر الجريسي إبراهيم بن حمد الراشد، الرئيس التنفيذي للبنك وقت تسجيل الحلقة، لمناقشة هذا التحول والسؤال الأهم خلفه: هل يستطيع البنك أن ينقل المستفيد من مرحلة الاعتماد على الدعم إلى مرحلة الاستقلال المالي والإنتاج؟
وتناقش الحلقة ثلاثة مفاهيم يستخدمها البنك لتفسير هذا المسار، وهي الحماية والاكتفاء والإنتاج.
فالحماية ترتبط بالشخص أو الأسرة التي تحتاج إلى دعم مالي لتجاوز ظرف معين، بينما يحاول مسار الاكتفاء مساعدتها على امتلاك مصدر دخل، ثم يأتي الإنتاج عندما يتحول النشاط إلى مشروع أو منشأة تستطيع خلق قيمة اقتصادية وربما توفير وظائف للآخرين.
لكن الانتقال بين هذه المراحل ليس سهلًا.
فالتمويل وحده لا يضمن نجاح المشروع، والكفالة قد تمثل عائقًا لبعض المستفيدين، كما أن الإجراءات وتجربة العميل وسرعة الحصول على الخدمة تؤثر جميعها في مدى نجاح البنك في أداء دوره التنموي.
كيف تحول بنك التسليف إلى بنك تنموي يدعم الاستقلال المالي؟
من القرض الاجتماعي إلى الحماية والاكتفاء والإنتاج
بدأ بنك التنمية الاجتماعية عام 1971 تحت اسم «بنك التسليف»، وبرأس مال بلغ خمسة ملايين ريال، وكان هدفه الأساسي تقديم القروض الاجتماعية للمواطنين.
ثم توسعت مهامه تدريجيًا.
في 1983 أُسند إليه تقديم القروض المهنية، وفي 2007 تغير اسمه إلى البنك السعودي للتسليف والادخار، وأضيفت إليه مهام ترتبط بتمويل المنشآت الصغيرة والناشئة وتشجيع الادخار.
وفي 2016 تغير الاسم مرة أخرى إلى بنك التنمية الاجتماعية، وهي خطوة لم تكن مجرد تعديل شكلي للاسم، بل تعكس تحولًا في فلسفة البنك من تقديم التمويل وحده إلى بناء أدوات أوسع للتنمية الاجتماعية.
وهذا التحول يظهر بوضوح في مفهوم الركائز الثلاث الذي يناقشه إبراهيم الراشد في الحلقة.
الركيزة الأولى هي الحماية.
والمقصود بها تقديم تمويل اجتماعي يساعد الأسرة أو الفرد على التعامل مع احتياجات أساسية أو ظروف مالية معينة.
هذا النوع من التمويل ضروري لأن بعض الأسر قد تمر بمرحلة تحتاج فيها إلى سيولة عاجلة ولا تستطيع الحصول على تمويل تجاري بشروط مناسبة.
لكن المشكلة تبدأ إذا ظل المستفيد في مرحلة الحماية بصورة دائمة.
ولهذا تأتي الركيزة الثانية وهي الاكتفاء.
الفكرة هنا أن يحصل الشخص على الأدوات التي تساعده على خلق دخل بنفسه.
قد يكون ذلك من خلال العمل الحر أو مشروع منزلي أو نشاط مهني.
وهنا ينتقل البنك من سؤال «كم يحتاج المستفيد؟» إلى سؤال مختلف: كيف يستطيع المستفيد أن يبني مصدر دخل مستدامًا؟
ثم تأتي الركيزة الثالثة، وهي الإنتاج.
في هذه المرحلة لا يصبح الهدف دعم دخل الفرد فقط، بل مساعدة مشروع صغير أو ناشئ على النمو.
وقد يتحول المستفيد الذي كان يحتاج في البداية إلى تمويل اجتماعي إلى صاحب مشروع يبيع منتجًا أو خدمة، وربما يوظف أشخاصًا آخرين.
وهذا هو معنى الانتقال من «الرعوية إلى التنموية» الذي استخدمه البنك والحلقة لوصف فلسفة التحول.
كما أن رؤية البنك الحالية تؤكد مفهوم الاستقلال المالي للأفراد والأسر، إلى جانب تقديم خدمات مالية وغير مالية وبرامج ادخارية ونشر الوعي المالي وتعزيز ثقافة العمل الحر.
وهنا تظهر نقطة مهمة: التنمية الاجتماعية لا تعني إلغاء الحماية.
هناك أسر ستحتاج إلى الدعم، وقد يمر أي شخص بظرف يجعله يحتاج إلى مساعدة.
لكن الهدف هو ألا تصبح المساعدة هي نهاية الطريق عندما توجد فرصة واقعية للانتقال إلى العمل والإنتاج.
لماذا لا يكفي إعطاء المستفيد قرضًا؟
من الأخطاء الشائعة في تمويل المشروعات الصغيرة الاعتقاد بأن المشكلة الوحيدة أمام صاحب المشروع هي نقص المال.
لكن المال قد يكون جزءًا من المشكلة فقط.
شخص يمتلك فكرة لمشروع لكنه لا يعرف التسعير أو المحاسبة أو التسويق أو إدارة المخزون يمكن أن يحصل على قرض ثم يخسر المشروع كله.
ولهذا توسع دور بنك التنمية الاجتماعية في الخدمات غير المالية أيضًا.
فالمستفيد قد يحتاج إلى تدريب وإرشاد واستشارة ومساعدة على بناء نموذج العمل قبل التمويل وبعده.
وتناقش الحلقة برنامج دلني ضمن هذا السياق، باعتباره أحد النماذج التي تهدف إلى دعم رواد الأعمال بالمعرفة والاستشارات وليس بالأموال فقط.
وهذه الفلسفة مهمة لأن القرض في النهاية التزام يجب سداده.
إذا حصل المستفيد على التمويل دون أن يمتلك فرصة واقعية للنجاح، فقد يتحول الدعم إلى عبء جديد.
ولهذا يجب أن تكون المؤسسة التنموية قادرة على تقييم الفكرة والسوق وقدرة المستفيد على الإدارة، لا مجرد التأكد من استكمال الأوراق.
كما يلعب الادخار دورًا في هذه المنظومة.
فالبنك لا يريد فقط مساعدة الشخص على الاقتراض، بل على تحسين علاقته بالمال عمومًا.
ومن هنا أطلق برامج مثل «زود» التي تهدف إلى تعزيز عادات الادخار والتخطيط المالي، ووسّع لاحقًا المنتجات الموجهة إلى فئات مختلفة من المجتمع.
وهذا مهم لأن الشخص الذي يستطيع تكوين احتياطي مالي يصبح أقل عرضة للأزمات الصغيرة التي قد تدفعه في كل مرة إلى الاقتراض.
وبذلك يصبح نجاح البنك على المدى الطويل مرتبطًا ليس بعدد القروض فقط، وإنما بعدد المستفيدين الذين تحسنت قدرتهم المالية واستطاعوا الانتقال إلى مستوى اقتصادي أكثر استقرارًا.
ما أبرز التحديات أمام المستفيدين وكيف يتطور دور البنك؟
الكفيل والإجراءات وتأخر التمويل.. لماذا يواجه بعض المواطنين صعوبة؟
من أكثر القضايا التي تناولتها الحلقة وضوحًا قضية الكفيل الموظف الحكومي.
فبعض المستفيدين كانوا يرون أن اشتراط وجود كفيل يعرقل وصولهم إلى التمويل، خاصة إذا لم يكن لديهم قريب أو شخص مستعد لتحمل مسؤولية الكفالة.
وهنا يوجد تعارض طبيعي بين هدفين.
من ناحية، يريد البنك توسيع الوصول إلى التمويل.
ومن ناحية أخرى، يحتاج إلى حماية المال العام وضمان استرداد التمويلات بدرجة معقولة.
ولهذا تستخدم المؤسسات المالية أدوات مثل الكفيل أو الاستقطاع أو الضمانات.
ومن المهم هنا عدم التعامل مع حديث الحلقة في 2023 باعتباره وصفًا موحدًا لجميع منتجات البنك في 2026.
فالضمانات تختلف بحسب نوع التمويل ووضع المتقدم.
لكن نظام الكفالة لم يختفِ بالكامل؛ فالأدلة الحالية للبنك ما تزال تشير في بعض المنتجات إلى إدخال بيانات كفيل موظف حكومي إذا لم يكن المتقدم قادرًا على كفالة نفسه، كما تعرض بوابات البنك الإلكترونية خدمات خاصة بالكفالات.
وهذا يوضح أن المشكلة لم تكن مجرد شكوى قديمة، وإنما جزء من النقاش المستمر حول كيفية الموازنة بين سهولة التمويل وإدارة المخاطر.
وتناقش الحلقة كذلك تأخر الاستفادة من الخدمات وانخفاض معدل الرضا لدى بعض العملاء.
وهذه القضية لا تتعلق بالبنك وحده.
أي مؤسسة كبيرة تستقبل أعدادًا ضخمة من الطلبات يمكن أن تواجه مشكلات في سرعة الخدمة، خاصة عندما تحتاج الطلبات إلى تحقق مالي ووظيفي وضمانات وربط مع جهات أخرى.
لكن العميل في العصر الرقمي أصبح يقارن تجربة البنك بتطبيقات يستطيع من خلالها فتح حساب أو شراء منتج خلال دقائق.
ولهذا ترتفع توقعاته باستمرار.
وقد اتجه البنك إلى رقمنة نسبة كبيرة من خدماته، وأصبحت خدمات متعددة متاحة إلكترونيًا دون زيارة الفروع، مثل بعض خدمات الحساب والادخار وغيرها.
ومع ذلك، فإن رقمنة النموذج لا تعني تلقائيًا أن التجربة أصبحت سهلة.
يمكن أن تكون العملية إلكترونية بالكامل لكنها تحتوي على خطوات كثيرة أو متطلبات يصعب فهمها.
ولهذا تصبح تجربة المستخدم جزءًا مهمًا من العمل التنموي.
فإذا كان المستفيد المستهدف من ذوي الدخل المحدود أو حديث الخبرة بالأعمال، فمن الضروري أن تكون التعليمات بسيطة وواضحة.
كما يجب أن يعرف المتقدم منذ البداية سبب رفض طلبه أو ما المستند الناقص، بدل الانتظار لفترة طويلة ثم اكتشاف المشكلة.
كيف يقاس نجاح بنك التنمية الاجتماعية؟
أحد أهم الأسئلة التي تثيرها الحلقة هو: ما المعيار الحقيقي لنجاح بنك تنموي؟
البنك التجاري يستطيع النظر إلى الأرباح والعائد على رأس المال وجودة المحفظة الائتمانية.
أما البنك التنموي فالصورة أكثر تعقيدًا.
بالطبع يجب أن يحافظ على أمواله ويخفض التعثر، لكنه لا يستطيع قياس النجاح فقط بمقدار الأموال التي استعادها.
يجب أيضًا النظر إلى الأثر الاجتماعي والاقتصادي.
هل ساعد التمويل المستفيد على تأسيس مشروع؟
هل استمر المشروع بعد عامين أو ثلاثة؟
هل ارتفع دخل الأسرة؟
هل استطاعت المنشأة توظيف سعوديين؟
هل قل اعتماد المستفيد على الإعانات أو التمويل الاجتماعي؟
هذه المؤشرات تقيس ما إذا كان البنك يحقق التنمية فعلًا.
فقد يمنح البنك آلاف القروض ويعلن رقمًا كبيرًا للتمويل، لكن إذا فشل عدد كبير من المشروعات، فإن الرقم وحده لا يعكس النجاح.
وفي المقابل، قد يكون مشروع صغير حصل على تمويل محدود أكثر تأثيرًا إذا تحول إلى منشأة مستقرة توفر دخلًا لأسرة وتخلق وظائف.
وهذا هو السبب الذي يجعل قصص المستفيدين مهمة، وهي نقطة يناقشها إبراهيم الراشد في الحلقة.
لكن القصص الملهمة يجب أن تتكامل مع الأرقام.
القصة تخبرنا أن النجاح ممكن، بينما البيانات تخبرنا كم مرة حدث هذا النجاح.
كما يجب النظر إلى نسب التعثر، التي خصصت لها الحلقة محورًا مستقلًا.
فالتمويل التنموي بطبيعته قد يخدم فئات تحمل مخاطر أعلى من عملاء البنوك التجارية، لكن ارتفاع التعثر بصورة كبيرة يعني أن المنتج أو عملية الاختيار أو التأهيل تحتاج إلى مراجعة.
وهنا تظهر أهمية الانتقال من التمويل الجماعي العام إلى منتجات أكثر تخصصًا.
صاحب المشروع التقني لا يحتاج إلى التمويل نفسه الذي تحتاجه أسرة منتجة أو سائق يعمل لحسابه أو متجر صغير.
كل نشاط له دورة نقدية ومخاطر واحتياجات مختلفة.
ولهذا يزداد دور البيانات في تصميم التمويل.
كلما عرف البنك نتائج التمويلات السابقة، استطاع تحسين شروط المنتجات الجديدة وتحديد من يحتاج إلى تدريب إضافي قبل الحصول على التمويل.
كما أن الدور الحالي للبنك أصبح أوسع من الصورة التقليدية لـ«بنك التسليف».
فالرئيس التنفيذي الحالي المهندس سلطان الحميدي يصف توجه البنك بأنه قائم على التنمية المستدامة والشمول المالي والادخار والكفاية المالية ودعم المبادرة الفردية والمنشآت الصغيرة والناشئة.
وهذا يوضح أن التحول الذي تحدث عنه إبراهيم الراشد في حلقة 2023 استمر بعد انتهاء فترته التنفيذية.
وتكشف حلقة «ما التغيرات التي طرأت على بنك التنمية الاجتماعية» أن التغيير الأكبر في البنك ليس الاسم، بل طريقة تعريف المستفيد نفسه.
في النموذج القديم قد يُنظر إليه باعتباره شخصًا يحتاج إلى قرض.
أما في النموذج التنموي فيصبح السؤال: ما المرحلة الاقتصادية التي يعيشها هذا الشخص، وما الأداة التي تساعده على الانتقال إلى المرحلة التالية؟
قد يحتاج اليوم إلى الحماية، ثم غدًا إلى تمويل للعمل الحر، وبعد سنوات إلى تمويل منشأة ناشئة.
وهذا هو المعنى الحقيقي لمسار الحماية ثم الاكتفاء ثم الإنتاج.
لكن نجاح هذه الفلسفة يعتمد على أن يكون الطريق بين المراحل قابلًا للتطبيق في الواقع، وأن يجد المستفيد تمويلًا بشروط يمكنه الوفاء بها، وإجراءات واضحة، وتدريبًا مناسبًا، وفرصة حقيقية للنجاح.
فالتنمية لا تتحقق بمجرد صرف الأموال، وإنما عندما يتحول التمويل إلى قدرة أكبر على العمل والإنتاج والادخار والاستقلال المالي، ويستطيع المستفيد بعد فترة أن يقف اقتصاديًا على قدميه بدل أن يعود في كل مرة إلى نقطة البداية.