كيف تنجح الشركات العائلية وتتفادى النزاعات؟ تجربة شركة «ماسك» – بودكاست سقراط
كيف تنجح الشركات العائلية دون نزاعات؟ أسرار الحوكمة واستمرار الشركات عبر الأجيال
تمثل الشركات العائلية جزءًا ضخمًا من اقتصادات العالم، وتمتلك في السعودية تحديدًا حضورًا مؤثرًا في قطاعات التجارة والاستثمار والعقار والصناعة والخدمات. لكن نجاح الشركة في الجيل الأول لا يضمن استمرارها في الجيل الثاني أو الثالث، لأن التحدي الحقيقي يبدأ عندما تكبر العائلة وتتعدد المصالح ويتغير الأشخاص الذين يملكون الشركة أو يديرونها.
وفي حلقة «كيف تعمل الشركات العائلية بلا نزاعات» من بودكاست «سقراط»، يستضيف عمر الجريسي عبدالعزيز بن محمد السبيعي، خبير حوكمة الشركات العائلية وعضو مجلس إدارة شركة محمد إبراهيم السبيعي وأولاده للاستثمار «ماسك»، لمناقشة تجربة عملية في تنظيم شركة عائلية والانتقال بها بين الأجيال. وتشير ثمانية في وصف الحلقة إلى أن شركة ماسك قدمت نموذجًا لحوكمة الشركة وتنظيم الانتقال بين أفراد العائلة، كما يناقش السبيعي قرار فصل الشراكة الذي جاء بهدف المحافظة على كيان العائلة ومصلحة الأعمال.
وتذكر الحلقة أن 80% من الشركات السعودية شركات عائلية، وأن 90% من الشركات العائلية عالميًا لا تستمر حتى الجيل الثالث. لكن هذه الأرقام تختلف بحسب طريقة تعريف الشركة العائلية والمصدر المستخدم؛ فبيانات أحدث نشرها INSEAD والمركز الوطني للمنشآت العائلية في 2025 قدرت الشركات العائلية بنحو 95% من الشركات في السعودية، بينما يشير دليل للبنك الدولي إلى أن نحو 30% من الشركات العائلية تستمر إلى الجيل الثاني، ونحو 12% إلى الجيل الثالث، ونحو 3% إلى الجيل الرابع وما بعده.
ورغم اختلاف النسب، تبقى الرسالة الأساسية واحدة: الانتقال بين الأجيال من أخطر مراحل حياة الشركة العائلية.
فالخطر ليس دائمًا في ضعف النشاط التجاري.
قد تكون الشركة مربحة للغاية، لكن غياب قواعد واضحة للملكية والإدارة والتوظيف والتوريث واتخاذ القرار يمكن أن يحول النجاح نفسه إلى مصدر للنزاع.
لماذا تفشل بعض الشركات العائلية وكيف تمنع الحوكمة الصراع؟
خلط العائلة بالإدارة من أكبر أسباب المشكلات
في السنوات الأولى للشركة العائلية، تكون الأمور غالبًا أبسط.
الأب أو المؤسس يعرف النشاط.
وعدد أفراد العائلة العاملين في الشركة محدود.
والقرارات يمكن اتخاذها بسرعة.
لكن بعد مرور سنوات يبدأ الجيل الثاني في الدخول.
ثم يأتي الأحفاد.
ويتضاعف عدد المساهمين.
وقد يصبح لدى كل فرع من العائلة احتياجات وطموحات وتصورات مختلفة.
هنا تتحول الشركة من مشروع يديره شخص أو شخصان إلى منظومة تحتاج إلى قواعد أكثر وضوحًا.
ومن أكثر الأخطاء شيوعًا الاعتقاد أن القرابة وحدها تكفي لإدارة العمل.
فكون الشخص ابن المالك لا يعني تلقائيًا أنه أفضل مدير تنفيذي.
وكونه أخًا للمؤسس لا يعني أنه الأنسب لإدارة الاستثمار أو المالية.
في الشركة المهنية، يجب أن يرتبط المنصب بالكفاءة والمسؤولية وليس فقط بدرجة القرابة.
وهنا تظهر أهمية الفصل بين ثلاثة أدوار قد تجتمع أحيانًا في الشخص نفسه:
فرد في العائلة.
ومالك أو مساهم في الشركة.
وموظف أو مدير داخلها.
المشكلة تبدأ عندما يعتقد شخص أن امتلاكه للأسهم يمنحه تلقائيًا الحق في منصب إداري.
قد يكون المساهم من حقه المشاركة في العائد والقرارات التي تخص الملكية، لكن الإدارة اليومية تحتاج إلى كفاءة ومعايير توظيف وترقية واضحة.
كما أن الشخص الذي لا يعمل في الشركة قد تكون له حقوق ملكية مثل الشخص الذي يعمل فيها، لكن الموظف الذي يؤدي وظيفة تنفيذية يستحق أجره على العمل الذي يقوم به، وليس لمجرد أنه من أفراد العائلة.
إذا لم تكن هذه الحدود واضحة، تظهر أسئلة حساسة:
لماذا يحصل أخي على راتب أكبر؟
لماذا أصبح ابن عمي مديرًا؟
لماذا لا أستطيع إدخال ابني إلى الشركة؟
من يقرر توزيع الأرباح؟
هل نعيد استثمار الأرباح أم نوزعها؟
هل يستطيع أحد أفراد العائلة بيع حصته؟
ومن يتولى القيادة بعد المؤسس؟
إذا تمت مناقشة هذه الأسئلة بعد حدوث الأزمة، يصبح الوصول إلى حل أصعب.
أما الحوكمة فتحاول أن تضع الإجابات قبل وقوع النزاع.
وهذا هو جوهرها.
الحوكمة لا تفترض أن أفراد العائلة سيختلفون حتمًا، لكنها تدرك أن اختلاف المصالح أمر طبيعي، ولذلك تبني آليات تسمح بإدارة هذا الاختلاف بطريقة مؤسسية بدل تحوله إلى مشكلة شخصية.
الميثاق العائلي ومجلس الإدارة وتنظيم انتقال الأجيال
من أبرز الأفكار التي تناقشها تجربة «ماسك» أهمية وجود ميثاق عائلي ينظم العلاقة بين أفراد الأسرة والشركة. وتوضح ثمانية أن الحلقة تتوسع في الميثاق الذي بُنيت عليه الشركة وأهميته في تنظيمها وإدارتها.
الميثاق العائلي ليس مجرد وثيقة رمزية تُحفظ في درج.
يفترض أن يعالج القضايا التي يمكن أن تصبح لاحقًا مصدر خلاف.
من يدخل إلى العمل؟
ما الشروط المطلوبة؟
هل يجب أن يحصل فرد العائلة على خبرة خارجية قبل الانضمام؟
كيف يتم تحديد الرواتب؟
ما آلية اختيار القيادات؟
ما سياسة توزيع الأرباح؟
كيف يتم التعامل مع انتقال الملكية؟
ما الحالات التي يستطيع فيها المساهم بيع حصته؟
وما القيم التي تريد العائلة الحفاظ عليها؟
كما يمكن أن يحدد الميثاق طريقة التعامل مع الخلافات قبل وصولها إلى المحاكم أو تحولها إلى صراع بين فروع العائلة.
إلى جانب الميثاق، يأتي مجلس الإدارة.
وجود مجلس قوي لا يعني سحب الشركة من العائلة، بل يساعدها على اتخاذ قرارات أكثر احترافية.
وقد يكون من المفيد وجود أعضاء مستقلين يمتلكون خبرة في الاستثمار أو المالية أو الاستراتيجية أو القطاع الذي تعمل فيه الشركة.
الشخص المستقل لا يحمل التاريخ العائلي نفسه، ولذلك يستطيع أحيانًا تقييم القرار من منظور تجاري أكثر حيادًا.
كذلك يجب أن تكون هناك آلية واضحة لتعاقب القيادة أو Succession Planning.
أخطر وقت للتفكير في خليفة المؤسس هو بعد غيابه المفاجئ.
الأفضل هو التخطيط مبكرًا.
من المرشحون؟
ما المهارات التي يحتاجون إليها؟
هل سيتم اختيار فرد من العائلة أم مدير محترف من خارجها؟
وكيف سيتم انتقال السلطات تدريجيًا؟
هذه الأسئلة لا تعني أن المؤسس يستعد للمغادرة غدًا، بل أنها تحمي الشركة من الاعتماد الكامل على فرد واحد.
ويشير البنك الدولي في دليله حول حوكمة الشركات العائلية إلى أن الانتقال بين الأجيال من أبرز التحديات التي تواجه هذه المؤسسات، وأن ضعف التخطيط للتعاقب قد يؤدي إلى أزمات كبيرة في الإدارة والملكية.
وهنا يظهر الفرق بين شركة عائلية وشركة تُدار بعقلية عائلية فقط.
يمكن للعائلة أن تحتفظ بالملكية والثقافة والقيم، وفي الوقت نفسه تستخدم أنظمة احترافية تشبه المؤسسات الكبرى.
تجربة شركة ماسك: كيف تحافظ على العائلة وتنمي الثروة في الوقت نفسه؟
فصل الشراكة ليس دائمًا فشلًا وقد يكون قرارًا لحماية العلاقة
من أكثر جوانب تجربة «ماسك» إثارة للاهتمام قصة الشراكة بين محمد السبيعي وشقيقه عبدالله.
توضح ثمانية أن محمد السبيعي بدأ من أعمال بسيطة قبل الدخول في العمل التجاري مع أخيه عبدالله، وحققت العائلة نجاحات وتوسعات في قطاعات مختلفة، ثم وصلت لاحقًا إلى قرار فصل الشراكة. والمهم أن وصف الحلقة يؤكد أن القرار جاء للمحافظة على كيان العائلة ومصلحة الشركة وليس بوصفه نتيجة نزاع عائلي.
وهذا يقدم درسًا مهمًا للشركات العائلية.
الاستمرار في الشراكة ليس دائمًا الهدف الأعلى.
أحيانًا تصبح العائلة كبيرة، وتختلف التوجهات الاستثمارية، وتتعدد الأجيال، ويصبح تقسيم الكيانات بطريقة منظمة أفضل من إجبار الجميع على البقاء داخل هيكل واحد.
يمكن أن يكون الانفصال المنظم أداة للحفاظ على العلاقة.
المشكلة ليست في الفصل نفسه، بل في كيفية حدوثه.
إذا انتظرت العائلة حتى تتراكم المشكلات الشخصية والمالية، يصبح الفصل معقدًا ومؤلمًا.
أما إذا تم تقييم الأصول والحقوق والالتزامات ووضع خطة واضحة، فيمكن أن يحدث الانتقال بصورة أكثر هدوءًا.
والمثير في تجربة ماسك أن السبيعي يربط الحوكمة والنظام بنتيجة اقتصادية واضحة؛ إذ يذكر في الحلقة أن ثروة الشركة تضاعفت ثلاث مرات بعد تنظيمها وحوكمتها. وهذا رقم يورده الضيف عن تجربة شركته، وليس قاعدة عامة يمكن تطبيقها على كل الشركات العائلية، لكنه يقدم مثالًا على أن الحوكمة لا تعني زيادة البيروقراطية فقط، بل قد تساعد أيضًا على اتخاذ قرارات استثمارية وإدارية أكثر كفاءة.
عندما تكون الصلاحيات واضحة، يستطيع المدير اتخاذ القرار.
وعندما توجد سياسة استثمار، تقل القرارات العاطفية.
وعندما يُفصل المال الشخصي عن أموال الشركة، تصبح النتائج المالية أكثر وضوحًا.
وعندما يعرف أفراد العائلة حقوقهم، تقل الحاجة إلى التدخل في التفاصيل اليومية.
وبهذه الطريقة يمكن أن يصبح التنظيم أداة للنمو وليس قيدًا عليه.
كيف تبني شركة عائلية تستمر إلى الجيل الثالث والرابع؟
الاستدامة لا تبدأ عندما يصل الأحفاد إلى مجلس الإدارة.
تبدأ منذ اليوم الذي يدرك فيه المؤسس أن الشركة يجب أن تصبح أكبر من شخصه.
أول عنصر هو الحوار.
القضايا الحساسة لا تختفي بالصمت.
إذا كانت هناك أسئلة حول الميراث أو الإدارة أو الرواتب أو توزيع الأرباح، فمن الأفضل مناقشتها في وقت مبكر وبشكل منظم.
العنصر الثاني هو الشفافية.
كلما كانت البيانات المالية والسياسات والقرارات واضحة، قلت مساحة الشكوك.
فكثير من النزاعات لا تبدأ من سرقة أو سوء نية، بل من إحساس أحد الأطراف بأنه لا يعرف ما يحدث.
العنصر الثالث هو المهنية.
يجب أن تكون هناك معايير للتوظيف.
ومؤشرات للأداء.
ووصف وظيفي.
وسلطة واضحة.
وتقييم للموظف سواء كان من أفراد الأسرة أم لا.
إذا حصل فرد العائلة على امتيازات غير منطقية لمجرد اسمه، فسوف يتأثر الموظفون المحترفون وتضعف ثقافة العمل.
أما العنصر الرابع فهو إعطاء الجيل الجديد مساحة لبناء هويته الخاصة.
وتشير ثمانية إلى أن الحلقة تناقش نجاح أحفاد العائلة في تحقيق تطلعاتهم المهنية والتجارية بصورة مستقلة عن الشركة.
هذه الفكرة مهمة جدًا.
ليس كل ابن أو حفيد يجب أن يعمل داخل الشركة العائلية.
ربما يكون لديه مشروع مختلف.
أو تخصص بعيد تمامًا عن نشاط الأسرة.
أو قدرة على تأسيس شركة جديدة.
وجود هذه الحرية يقلل الضغط على المؤسسة الأصلية لتوفير منصب لكل فرد في العائلة.
كما أنه يساعد على تكوين جيل يمتلك خبراته الخاصة بدل الاعتماد الكامل على إرث المؤسس.
العنصر الخامس هو الاستعداد للتغير.
ما نجح مع المؤسس قبل أربعين عامًا قد لا يكون مناسبًا اليوم.
الأسواق تتغير.
والتقنية تتغير.
والمنافسون يتغيرون.
والشركة العائلية التي تحافظ على القيم لكنها ترفض تحديث أساليب الإدارة قد تفقد قدرتها على المنافسة.
ولهذا فإن الحفاظ على إرث العائلة لا يعني المحافظة على كل قرار إداري قديم.
الإرث الحقيقي قد يكون في قيم مثل الأمانة والعمل والاجتهاد والاستثمار طويل الأجل، بينما تتغير الأدوات والهياكل مع كل جيل.
وتؤكد البيانات الحديثة أهمية هذا النوع من التفكير في السعودية، إذ قدر تحليل نشره INSEAD بالتعاون مع المركز الوطني للمنشآت العائلية في نوفمبر 2025 أن الشركات العائلية تمثل نحو 95% من الشركات في المملكة، وتوظف قرابة نصف القوى العاملة وتساهم بنحو 27% من الناتج المحلي.
وهذا يعني أن استدامة الشركات العائلية ليست قضية تخص أسرة واحدة فقط، بل قضية اقتصادية تؤثر في الوظائف والاستثمار والنمو.
وأهم درس تقدمه تجربة «ماسك» هو أن العائلة والشركة لا يجب أن تكونا خصمين.
يمكن الحفاظ على الروابط الأسرية وفي الوقت نفسه بناء مؤسسة احترافية، لكن ذلك يحتاج إلى قواعد واضحة قبل ظهور الأزمة.
فالحوكمة، والميثاق العائلي، والتخطيط لتعاقب الأجيال، والفصل بين الملكية والإدارة، وإعطاء أفراد العائلة مساحة للاستقلال ليست إجراءات قانونية فقط، بل أدوات تساعد على تحقيق معادلة صعبة: أن تستمر الشركة وتنمو، من دون أن يكون النجاح التجاري على حساب استقرار العائلة.