تجربة عبدالعزيز اللوغاني في الاستثمار بالسعودية – بودكاست سقراط
الاستثمار في السعودية بعد رؤية 2030: كيف تغيرت بيئة ريادة الأعمال؟
شهدت بيئة الاستثمار في السعودية خلال السنوات الأخيرة تغيرات كبيرة جعلت المملكة واحدة من أكثر الأسواق جذبًا لرواد الأعمال والمستثمرين في المنطقة. فلم يعد الحديث عن السوق السعودي مرتبطًا فقط بحجمه الكبير أو قوته الشرائية، بل أصبح يرتبط أيضًا بالإصلاحات التنظيمية، وسهولة تأسيس الشركات، وتسريع الإجراءات، وفتح قطاعات جديدة أمام الاستثمار المحلي والخليجي والدولي.
وفي إحدى حلقات بودكاست «سقراط»، استضاف عمر الجريسي رائد الأعمال والمستثمر الكويتي عبدالعزيز اللوغاني، الرئيس التنفيذي لشركة فلاورد، في حوار تناول تجربته في السوق السعودي قبل وبعد إطلاق رؤية السعودية 2030.
وتكتسب تجربة اللوغاني أهمية خاصة لأنه خاض تجربة استثمارية في المملكة خلال مرحلتين مختلفتين تمامًا. الأولى كانت من خلال شركة «طلبات» في فترة مبكرة من تطور التجارة الإلكترونية في المنطقة، والثانية جاءت مع شركة «فلاورد» بعد بدء التحولات الاقتصادية والتنظيمية المرتبطة برؤية 2030.
ومن خلال المقارنة بين التجربتين، يقدم الحوار صورة عملية عن التغيرات التي حدثت في بيئة الأعمال السعودية، والتحديات التي كانت تواجه المستثمرين سابقًا، وكيف أصبحت المملكة اليوم واحدة من أهم الوجهات لريادة الأعمال في الخليج.
تجربة طلبات في السعودية قبل رؤية 2030
بدأ عبدالعزيز اللوغاني حديثه باستعراض تجربته مع شركة طلبات، التي كانت من أوائل المشاريع الرقمية في مجال طلب وتوصيل الطعام في المنطقة.
وفي ذلك الوقت، كانت التجارة الإلكترونية لا تزال في مراحلها الأولى مقارنة بالانتشار الكبير الذي تشهده اليوم، وكان تأسيس مشروع تقني في أسواق الخليج يتطلب التعامل مع مجموعة من التحديات التنظيمية والتشغيلية.
وكان السوق السعودي يمثل فرصة كبيرة بسبب عدد السكان وقوة الطلب، لكنه في الوقت نفسه كان يحمل العديد من التحديات بالنسبة للمستثمر غير السعودي.
فإجراءات تأسيس الأعمال والحصول على التراخيص والتعامل مع الجهات المختلفة كانت في بعض الحالات تحتاج إلى وقت أطول، كما أن بعض الأنظمة لم تكن مصممة بالأساس لتناسب الشركات التقنية الحديثة أو نماذج الأعمال الرقمية التي ظهرت لاحقًا.
وتكشف تجربة طلبات عن طبيعة المرحلة التي كانت تمر بها ريادة الأعمال في السعودية قبل التحولات الأخيرة.
فالسوق كان ضخمًا وجذابًا، لكن قدرة المستثمر على الوصول إليه والاستفادة من الفرص الموجودة فيه لم تكن دائمًا بالسهولة التي يراها المستثمر اليوم.
كما أن مفهوم الشركات الناشئة نفسه لم يكن منتشرًا بنفس القوة الحالية، ولم تكن منظومة التمويل والاستثمار الجريء والحاضنات والمسرعات قد وصلت إلى مستوى النضج الموجود الآن.
وبالرغم من ذلك، استطاعت شركات تقنية مبكرة إثبات أن المستهلك الخليجي مستعد لاستخدام الخدمات الرقمية عندما تكون سهلة وتوفر له قيمة واضحة.
وكانت تجربة طلبات إحدى التجارب التي ساعدت على ترسيخ مفهوم طلب الطعام إلكترونيًا، قبل أن يتحول القطاع لاحقًا إلى سوق ضخم تتنافس فيه عشرات الشركات والمنصات.
وتوضح هذه المرحلة أن التحدي لم يكن دائمًا في وجود الطلب، بل في قدرة البيئة التنظيمية والتشغيلية على مواكبة سرعة تطور نماذج الأعمال الجديدة.
فلاورد ودخول السوق السعودي بعد التحولات الاقتصادية
انتقل اللوغاني خلال الحوار إلى الحديث عن تجربته الثانية من خلال شركة فلاورد، وهي منصة متخصصة في بيع وتوصيل الزهور والهدايا.
وجاء دخول فلاورد إلى السوق السعودي في مرحلة مختلفة تمامًا، بعد إطلاق رؤية السعودية 2030 وبدء عدد كبير من الإصلاحات المرتبطة ببيئة الأعمال والاستثمار.
وبحسب التجربة التي استعرضها، كان الفرق واضحًا في سرعة الإجراءات وطريقة التعامل مع المستثمرين، إلى جانب وجود رغبة أكبر لدى الجهات المختلفة في جذب الشركات ودعم توسعها.
وأصبحت عملية تأسيس الشركة والحصول على التراخيص والتعامل مع الجهات الحكومية أكثر تنظيمًا في العديد من الجوانب، وهو ما يمنح رائد الأعمال قدرة أكبر على التركيز على تطوير المشروع بدلًا من استهلاك جزء كبير من وقته في الإجراءات الإدارية.
كما استفادت شركات التجارة الإلكترونية من التطور الكبير في البنية التحتية الرقمية، وزيادة انتشار المدفوعات الإلكترونية، وتحسن الخدمات اللوجستية، واعتياد المستهلك السعودي على التسوق عبر التطبيقات.
وتعمل فلاورد في قطاع يجمع بين التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية وتجربة العميل، وهو ما يجعل نجاحها مرتبطًا بعدة عناصر، منها سرعة التوصيل، وجودة المنتج، والتقنية، وإدارة المخزون، وخدمة العملاء.
وساعد نمو التجارة الإلكترونية في السعودية على توفير بيئة أكثر ملاءمة لهذا النوع من المشاريع.
كما أصبح المستهلك أكثر استعدادًا لشراء المنتجات عبر الهاتف، سواء كانت أطعمة أو ملابس أو هدايا أو خدمات مختلفة.
وتوضح تجربة فلاورد كيف يمكن للتغير التنظيمي والتقني أن يخلق فرصًا جديدة لنماذج أعمال ربما كان التوسع فيها أكثر صعوبة قبل سنوات.
رؤية السعودية 2030 وتأثيرها على الاستثمار وريادة الأعمال في الخليج
أصبح تأثير رؤية السعودية 2030 على الاستثمار من أبرز الموضوعات التي يناقشها المستثمرون ورواد الأعمال في المنطقة.
فالرؤية لم تركز فقط على إطلاق المشروعات الكبرى، وإنما تضمنت إصلاحات مرتبطة ببيئة الأعمال وتنويع الاقتصاد وزيادة مساهمة القطاع الخاص وجذب الاستثمارات.
وقد أدى ذلك إلى زيادة الاهتمام بالسوق السعودي من قبل الشركات الخليجية والدولية، خصوصًا مع فتح قطاعات جديدة ونمو مجالات مثل التقنية والسياحة والترفيه والتجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية.
كما أن حجم السوق السعودي يمثل عنصر جذب مهمًا.
فالشركات التي تنجح في المملكة تستطيع الوصول إلى قاعدة كبيرة من المستهلكين، وهو ما يجعل الاستثمار في بناء فريق وتشغيل عمليات محلية أكثر جدوى مقارنة بأسواق أصغر.
لماذا أصبحت السعودية وجهة رئيسية لرواد الأعمال؟
يرى عبدالعزيز اللوغاني أن السعودية أصبحت واحدة من أهم الوجهات لرواد الأعمال في الخليج، وهو رأي يرتبط بمجموعة من العوامل الاقتصادية والاستثمارية.
أول هذه العوامل هو حجم السوق السعودي.
فوجود عدد كبير من السكان، إلى جانب قوة شرائية مرتفعة وانتشار واسع للهواتف الذكية والخدمات الرقمية، يوفر للشركات إمكانية تحقيق نمو سريع إذا استطاعت تقديم منتج مناسب.
العامل الثاني يتمثل في توفر رأس المال.
فقد شهدت المملكة نموًا واضحًا في الاستثمار الجريء خلال السنوات الأخيرة، مع ظهور صناديق استثمارية ومستثمرين مهتمين بتمويل الشركات الناشئة.
ويساعد توفر التمويل الشركات على التوسع وتوظيف الكفاءات وتطوير منتجاتها، بدلًا من الاعتماد فقط على الموارد المحدودة للمؤسسين.
أما العامل الثالث فهو وجود توجه حكومي واضح لدعم الاقتصاد غير النفطي.
وعندما يعرف المستثمر أن هناك رؤية طويلة المدى لتطوير قطاعات مثل التقنية والسياحة والخدمات والتجارة الإلكترونية، يصبح اتخاذ قرار الاستثمار أكثر سهولة.
كما أن المشاريع الكبرى التي تشهدها المملكة تخلق طلبًا إضافيًا على العديد من الخدمات.
فكل توسع في السياحة أو الفعاليات أو المدن الجديدة يعني فرصًا للشركات العاملة في النقل والضيافة والمطاعم والتقنية والتسويق والخدمات اللوجستية.
ومن العناصر المهمة كذلك تغير النظرة إلى ريادة الأعمال.
ففي السابق كان تأسيس شركة ناشئة قد يُنظر إليه باعتباره مسارًا عالي المخاطر، بينما أصبحت ريادة الأعمال اليوم خيارًا مهنيًا حقيقيًا يحظى باهتمام الشباب والمستثمرين والمؤسسات.
ومع ذلك، أوضح الحوار أن التحديات في السوق السعودي لم تختف بالكامل.
فقد توجد اختلافات في سرعة الإجراءات بين بعض القطاعات أو المناطق، كما أن بعض الأنظمة تحتاج إلى مزيد من الوضوح أو التوحيد.
لكن وجود التحديات لا يلغي التغير الكبير الذي حدث، خاصة عند مقارنة الوضع الحالي بما كان عليه قبل سنوات.
مقارنة ريادة الأعمال في السعودية والكويت ومستقبل الاستثمار الخليجي
تناولت الحلقة أيضًا مقارنة بين بيئة الأعمال في السعودية والكويت، وهي مقارنة مثيرة للاهتمام بسبب خبرة عبدالعزيز اللوغاني في البلدين.
فالكويت تمتلك تاريخًا تجاريًا طويلًا، ورأس مال كبيرًا، وكفاءات بشرية قادرة على تأسيس شركات ناجحة.
ومع ذلك، يرى اللوغاني أن بطء بعض الإجراءات والتغييرات التنظيمية يمكن أن يجعل تأسيس المشاريع والتوسع فيها أكثر تعقيدًا.
وتكشف هذه المقارنة عن نقطة مهمة في عالم الاستثمار، وهي أن توفر رأس المال وحده لا يكفي لبناء بيئة ريادة أعمال ناجحة.
فالمستثمر يحتاج أيضًا إلى قوانين واضحة، وإجراءات سريعة، وسهولة تأسيس الشركات، وإمكانية جذب الموظفين، والوصول إلى التمويل، والتعامل مع الجهات الحكومية بكفاءة.
كما يحتاج رائد الأعمال إلى سوق يسمح له بالتجربة والنمو والتوسع دون أن تستنزفه العمليات الإدارية.
ولهذا تتنافس دول الخليج اليوم على تحسين بيئة الاستثمار وريادة الأعمال، لأن الشركات التقنية ورؤوس الأموال تستطيع الانتقال بسهولة إلى السوق الذي يوفر فرصًا أفضل.
ويظهر هذا التنافس بوضوح في السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وغيرها من دول المنطقة، حيث تسعى كل دولة إلى جذب الشركات الناشئة والمستثمرين والكفاءات.
لكن السعودية تتمتع بميزة كبيرة تتمثل في حجم السوق المحلي.
فالشركة تستطيع بناء نشاط ضخم داخل المملكة قبل التفكير في التوسع إلى أسواق أخرى، بينما تحتاج الشركات في بعض الدول الصغيرة إلى التفكير في التوسع الإقليمي منذ المراحل الأولى.
وتبرز تجربة فلاورد مثالًا على كيفية استفادة شركة خليجية من هذه الفرصة، حيث تستطيع دخول السوق السعودي ثم بناء قاعدة عملاء كبيرة والتوسع ضمن قطاع يشهد نموًا مستمرًا.
كما أن نجاح الشركات الخليجية في أكثر من دولة يفتح الباب أمام نموذج جديد من الشركات الإقليمية التي لا تنظر إلى كل دولة باعتبارها سوقًا منفصلًا، بل تتعامل مع الخليج والمنطقة كمساحة اقتصادية مترابطة.
وتتطلب هذه المرحلة وجود رواد أعمال قادرين على فهم الاختلافات التنظيمية والثقافية بين الأسواق، إلى جانب القدرة على بناء فرق محلية قوية.
وتوضح تجربة عبدالعزيز اللوغاني أن الاستثمار في السعودية بعد رؤية 2030 أصبح مختلفًا بشكل ملموس عن المرحلة السابقة، ليس فقط بسبب المشروعات الكبرى، وإنما نتيجة التغييرات اليومية التي يشعر بها المستثمر عند تأسيس الشركة والتعامل مع الجهات والتوسع في السوق.
كما تكشف المقارنة مع الكويت وبقية أسواق الخليج أن المنافسة على جذب رواد الأعمال ستزداد خلال السنوات المقبلة.
فالمستثمر لا يبحث فقط عن سوق كبير، بل يبحث عن منظومة تساعده على تحويل الفكرة إلى شركة، والشركة إلى مشروع قادر على النمو.
ومع استمرار الإصلاحات الاقتصادية وزيادة الاستثمار في القطاعات الجديدة، تزداد فرص السعودية في ترسيخ مكانتها كواحدة من أهم مراكز ريادة الأعمال والاستثمار في الشرق الأوسط، خاصة مع وجود سوق واسع، ورأس مال متاح، وبنية رقمية متطورة، وسياسات تسعى إلى زيادة دور القطاع الخاص في الاقتصاد.