تعزيز اللغة العربية عالميًا: مجمع الملك سلمان للغة العربية | بودكاست سقراط مع عبدالله الوشمي
مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية.. كيف تدعم السعودية مستقبل اللغة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي؟
تواجه اللغة العربية في العصر الحديث مجموعة كبيرة من التحديات والفرص في الوقت نفسه، خاصة مع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة والاتصالات وانتشار المحتوى الرقمي. وفي المملكة العربية السعودية، يأتي مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية باعتباره أحد المشروعات والمؤسسات المهمة التي تعمل على تعزيز حضور العربية محليًا وعالميًا، وتطوير الأدوات التي تساعدها على مواكبة التحولات العلمية والتكنولوجية.
وفي إحدى حلقات بودكاست «سقراط»، استضاف عمر الجريسي عبدالله الوشمي، الأمين العام المكلف لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، للحديث عن طبيعة عمل المجمع، وأبرز أهدافه وبرامجه، والعلاقة بين اللغة والهوية والثقافة والتكنولوجيا.
كما تناول الحوار عددًا من الملفات المهمة مثل الحوسبة اللغوية، والمعاجم الإلكترونية، والمدونات اللغوية، والتخطيط والسياسة اللغوية، وتعليم العربية، والترجمة، واستخدام اللغة الإنجليزية في المؤتمرات والتسميات التجارية.
ويكتسب هذا الموضوع أهمية إضافية مع ارتباط تطوير اللغة العربية بأهداف برنامج تنمية القدرات البشرية ضمن رؤية السعودية 2030، حيث أصبحت اللغة والثقافة والمعرفة جزءًا أساسيًا من عملية بناء الإنسان القادر على المشاركة في الاقتصاد الحديث دون فقدان هويته الثقافية واللغوية.
مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودوره في تعزيز مكانة العربية
ما هو مجمع الملك سلمان للغة العربية وما الفرق بينه وبين الهيئات الثقافية الأخرى؟
يعمل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية على خدمة اللغة العربية وتعزيز حضورها في المجالات المختلفة، سواء داخل المملكة أو على المستوى الدولي، من خلال عدد من المشروعات والبرامج التي تجمع بين البحث العلمي والتعليم والتقنية والسياسات اللغوية.
وخلال اللقاء، حرص عبدالله الوشمي على توضيح طبيعة المجمع والفرق بينه وبين بعض الجهات الأخرى العاملة في المجال الثقافي داخل السعودية.
فقد يعتقد البعض أن جميع المؤسسات المرتبطة باللغة والكتب والثقافة تقوم بالأدوار نفسها، بينما لكل جهة اختصاصات مختلفة تتكامل مع اختصاصات الجهات الأخرى.
على سبيل المثال، تهتم هيئة الأدب والنشر والترجمة بقطاعات الأدب والنشر والترجمة وما يرتبط بها من تطوير للمنظومة الثقافية والإبداعية، بينما تركز هيئة المكتبات على تطوير قطاع المكتبات وتعزيز دوره المعرفي والثقافي.
أما مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية فيركز بصورة أساسية على اللغة العربية نفسها، وما يرتبط بها من سياسات وبحوث وتعليم وتقنيات ومصادر لغوية.
وهذا الفصل بين الاختصاصات يسمح بوجود مؤسسات متخصصة تستطيع تطوير كل قطاع بصورة أكثر عمقًا، مع إمكانية التعاون فيما بينها في المشروعات المشتركة.
وتأتي أهمية وجود مؤسسة متخصصة في اللغة العربية من أن اللغة لا تمثل وسيلة للتواصل فقط، وإنما ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالهوية والثقافة والتاريخ والمعرفة.
فاللغة هي الأداة التي تنتقل من خلالها الأفكار والعلوم والقيم والخبرات من جيل إلى آخر، ولذلك فإن ضعف استخدام اللغة أو تراجع قدرتها على التعامل مع العلوم الحديثة يمكن أن يؤثر في المحتوى الثقافي والمعرفي للمجتمع.
وفي المقابل، فإن تطوير اللغة لا يعني رفض اللغات الأجنبية، لأن تعلم لغات أخرى أصبح مهارة مهمة في عالم شديد الترابط، وإنما يتعلق الأمر بتحقيق توازن يسمح للإنسان بالانفتاح على العالم مع الحفاظ على قدرته على التفكير والإبداع بلغته.
كما يسعى المجمع إلى تعزيز مكانة اللغة العربية عالميًا، خاصة أن العربية واحدة من أكثر لغات العالم انتشارًا ويتحدث بها مئات الملايين من الأشخاص.
وتحتاج هذه المكانة إلى دعم مستمر من خلال البحث العلمي والمحتوى الرقمي وتعليم اللغة للناطقين وغير الناطقين بها، بالإضافة إلى تعزيز حضورها في المجالات العلمية والتقنية الحديثة.
ويرتبط هذا التوجه أيضًا بـرؤية السعودية 2030 التي تهتم بتطوير الثقافة والقدرات البشرية، وتعزيز دور المملكة في المشروعات الثقافية والمعرفية على المستويين الإقليمي والدولي.
الحوسبة اللغوية والمعاجم الإلكترونية ومستقبل العربية رقميًا
من أهم المحاور التي تناولها عبدالله الوشمي في الحلقة الحوسبة اللغوية، وهي من المجالات التي أصبحت شديدة الأهمية مع الانتشار الكبير لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ويمكن تبسيط مفهوم الحوسبة اللغوية بأنه استخدام علوم الحاسب والتقنيات الرقمية في دراسة اللغة وتحليلها ومعالجتها بطريقة تستطيع الأجهزة والبرامج فهمها والتعامل معها.
فعندما يستطيع الهاتف التعرف على الكلام العربي، أو عندما يقوم محرك بحث بفهم الكلمات التي يكتبها المستخدم، أو يستطيع برنامج ترجمة تحويل النص العربي إلى لغة أخرى، فإن هذه التطبيقات تعتمد بدرجات مختلفة على تقنيات معالجة اللغة.
لكن تطوير هذه التطبيقات يحتاج إلى كميات ضخمة من البيانات والمصادر اللغوية عالية الجودة.
ومن هنا تأتي أهمية المدونات اللغوية، وهي مجموعات ضخمة ومنظمة من النصوص والكلمات والجمل التي يمكن استخدامها في دراسة اللغة وتطوير التقنيات المرتبطة بها.
كلما توفرت بيانات عربية أكثر تنوعًا ودقة، أصبحت الشركات والباحثون أكثر قدرة على تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على فهم اللغة العربية.
ويزداد الأمر تعقيدًا بالنسبة للعربية بسبب طبيعتها الغنية من الناحية الصرفية والنحوية، بالإضافة إلى وجود الفصحى وعدد كبير من اللهجات العربية المختلفة.
ولهذا فإن بناء قواعد بيانات ومدونات لغوية عربية يمثل استثمارًا مهمًا في مستقبل اللغة في العالم الرقمي.
وتأتي المعاجم الإلكترونية أيضًا ضمن الأدوات الضرورية لتطوير المحتوى العربي.
فالمعجم الرقمي الحديث لا يقتصر بالضرورة على تقديم معنى الكلمة فقط، بل يمكن أن يقدم طريقة الاستخدام والنطق والجذور اللغوية والأمثلة والعلاقات بين الكلمات.
وقد تساعد هذه الأدوات الطلاب والمعلمين والمترجمين والباحثين وكتّاب المحتوى، كما يمكن أن تدخل بياناتها في بناء تطبيقات الذكاء الاصطناعي المختلفة.
وأصبحت هذه القضية أكثر أهمية مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي القادرة على كتابة النصوص والإجابة عن الأسئلة والترجمة وتلخيص المحتوى.
فإذا كانت البيانات العربية المتاحة لتدريب هذه الأنظمة أقل أو أضعف من البيانات المتاحة بلغات أخرى، فقد يؤدي ذلك إلى انخفاض جودة أداء الأدوات عند استخدامها باللغة العربية.
ومن هنا يصبح الاستثمار في الحوسبة اللغوية والمصادر الرقمية جزءًا من حماية مستقبل اللغة وتوسيع حضورها، وليس مجرد مشروع تقني منفصل.
السياسة اللغوية والتعليم والهوية العربية في رؤية السعودية 2030
التخطيط اللغوي وتعليم العربية ومشكلة هيمنة الإنجليزية
تناولت الحلقة كذلك قضية التخطيط والسياسة اللغوية، وهي من القضايا المهمة في تحديد مكانة اللغة داخل المجتمع والمؤسسات.
ويقصد بالسياسة اللغوية مجموعة القرارات والممارسات التي تنظم استخدام لغة معينة في مجالات مثل التعليم والإدارة والإعلام والمؤتمرات والأعمال والفضاء العام.
وأشار الحوار إلى ظاهرة استخدام اللغة الإنجليزية في بعض المؤتمرات والمنتديات التي تقام داخل السعودية، حتى في الحالات التي يكون فيها جزء كبير من الجمهور عربيًا.
ولا تكمن المشكلة بالضرورة في استخدام الإنجليزية نفسها، فهي لغة عالمية مهمة في مجالات الأعمال والعلوم والتكنولوجيا، لكن التساؤل يتعلق بمدى الحاجة إلى استخدامها في المواقف التي يمكن أن تكون اللغة العربية فيها هي اللغة الأساسية.
وينطبق الأمر كذلك على التسميات التجارية، حيث أصبح استخدام أسماء أجنبية للمتاجر والعلامات والمشروعات ظاهرة واضحة في كثير من الدول العربية.
وقد ينظر البعض إلى الاسم الأجنبي باعتباره أكثر حداثة أو قدرة على جذب العملاء، رغم أن استخدام أسماء عربية مميزة يمكن أن يحقق الهدف التجاري نفسه ويحافظ في الوقت ذاته على حضور اللغة في الفضاء العام.
ولا يعني تعزيز استخدام العربية منع اللغات الأخرى، وإنما يتعلق بمنح اللغة الوطنية مكانها الطبيعي في المجتمع مع الاستفادة من اللغات العالمية عند الحاجة.
ومن الجوانب الأخرى المهمة التي يعمل عليها المجمع تعليم اللغة العربية وتطوير البرامج الموجهة للناطقين بها ولغير الناطقين بها.
فتعليم اللغة يحتاج إلى مناهج حديثة تراعي اختلاف الأعمار والمستويات والأهداف.
فالطفل العربي الذي يتعلم لغته في المدرسة يحتاج إلى منهج مختلف عن الشخص الأجنبي الذي يريد تعلم العربية بهدف الدراسة أو العمل أو التواصل.
كما أن تدريب معلمي اللغة العربية يمثل جزءًا أساسيًا من تحسين جودة التعليم، لأن أفضل المناهج قد لا تحقق النتائج المطلوبة من دون معلم يمتلك الأدوات والمهارات اللازمة لتقديمها بصورة فعالة.
ويمكن للتكنولوجيا أن تلعب دورًا كبيرًا في هذا المجال من خلال التطبيقات التعليمية والمنصات الرقمية والمحتوى التفاعلي واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتخصيص عملية التعلم وفق مستوى كل طالب.
اللغة العربية والهوية الثقافية ودورها في تنمية القدرات البشرية
يبرز من حديث عبدالله الوشمي أن حماية الهوية الثقافية العربية تمثل جانبًا مهمًا من عمل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية.
فالتحولات العالمية السريعة وانتشار منصات التواصل الاجتماعي والمحتوى الرقمي أدت إلى زيادة التداخل بين اللغات والثقافات بصورة غير مسبوقة.
ويتعرض الشباب اليوم إلى كم هائل من المحتوى بلغات مختلفة، خاصة الإنجليزية، سواء عبر الأفلام أو الألعاب الإلكترونية أو مواقع التواصل أو التطبيقات.
وهذا الانفتاح يحمل فوائد كبيرة في الوصول إلى المعرفة والثقافات العالمية، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا حول قدرة اللغة العربية على الاستمرار كلغة حية يستخدمها الشباب في التعلم والكتابة والإبداع والتكنولوجيا.
وتتحقق حماية اللغة بدرجة كبيرة من خلال جعلها لغة عملية وقادرة على مواكبة العصر، وليس فقط من خلال الدعوة إلى الحفاظ عليها.
فالطالب سيستخدم العربية بصورة أكبر إذا وجد بها مصادر تعليمية قوية، ومحتوى علميًا عالي الجودة، وتطبيقات رقمية متطورة وأدوات تساعده في الدراسة والعمل.
وبالمثل، يستطيع الباحث استخدام العربية بصورة أكبر عندما تتوفر المصطلحات والمراجع وقواعد البيانات والمعاجم التي تساعده على الكتابة العلمية الدقيقة.
وهنا تتقاطع أهداف المجمع مع برنامج تنمية القدرات البشرية الذي يمثل أحد برامج رؤية السعودية 2030.
فبناء القدرات البشرية لا يعتمد فقط على اكتساب المهارات التقنية والمهنية، وإنما يشمل أيضًا تطوير المعرفة واللغة والثقافة والقدرة على التواصل والتفكير.
وتوفر اللغة القوية للإنسان أداة تساعده على التعبير عن الأفكار وتحليل المعلومات وفهم المفاهيم المعقدة وإنتاج المعرفة.
ولهذا فإن تطوير اللغة يمكن أن يكون جزءًا من تطوير مهارات الطلاب والباحثين والمهنيين في المجتمع.
كما يفتح نشر العربية عالميًا مجالًا واسعًا لتعريف الشعوب الأخرى بالثقافة والتاريخ والأدب العربي، وزيادة عدد المهتمين بتعلم اللغة.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء برامج دولية لتعليم العربية، ودعم المعلمين والمتخصصين، وإنتاج مناهج رقمية ومصادر تعليمية يمكن الوصول إليها من أي دولة في العالم.
وتلعب الترجمة دورًا مكملًا في هذه المنظومة، لأنها تسمح بنقل العلوم والمعرفة من اللغات الأخرى إلى العربية، وفي الاتجاه الآخر تساعد في نقل الإنتاج الثقافي والفكري العربي إلى العالم.
ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية، أصبحت هناك فرصة كبيرة لتطوير حلول تساعد على تسريع هذه العملية، لكن الوصول إلى نتائج عالية الجودة يحتاج إلى قواعد بيانات عربية دقيقة وخبرات لغوية متخصصة.
ويظهر من تجربة مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية أن مستقبل العربية يرتبط بالقدرة على الجمع بين المحافظة على عمقها الثقافي والحضاري وبين الانفتاح على التقنيات الجديدة.
فدخول العربية بقوة إلى مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة والتعليم الرقمي والترجمة الآلية يمثل أحد أهم العوامل التي يمكن أن تحدد مكانتها خلال العقود المقبلة، ويجعل العمل على تطوير المصادر اللغوية والتقنيات والبرامج التعليمية استثمارًا مباشرًا في مستقبل اللغة والأجيال القادمة.