صناعة الأفلام في السعودية: التحديات والفرص | بودكاست سقراط مع عبدالله آل عياف
صناعة الأفلام في السعودية.. كيف أعادت هيئة الأفلام تشكيل المشهد السينمائي؟
شهدت صناعة الأفلام في السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولًا واضحًا جعلها واحدة من القطاعات الثقافية الواعدة في المملكة، خاصة مع زيادة الاهتمام بالإنتاج السينمائي المحلي، واستقطاب الأعمال العالمية، وتطوير الكفاءات المتخصصة في الكتابة والإخراج والتصوير والمونتاج والإنتاج.
وفي إحدى حلقات بودكاست «سقراط»، استضاف عمر الجريسي عبدالله بن ناصر آل عياف القحطاني، الرئيس التنفيذي لـهيئة الأفلام، للحديث عن تاريخ المشهد السينمائي السعودي، ودور الهيئة في بناء صناعة أفلام متكاملة، والعلاقة بين الإنتاج المحلي والمهرجانات والجهات التنظيمية المختلفة.
وتناول الحوار عددًا من الملفات المهمة، من بينها تطوير المواهب، والابتعاث الثقافي، وجذب الإنتاجات العالمية، والرقابة على الأفلام، والأمن والسلامة في مواقع التصوير، والتوزيع والعرض السينمائي، وأسعار التذاكر.
وتكشف الحلقة أن بناء صناعة سينمائية حقيقية لا يعتمد فقط على إنتاج أفلام ناجحة، بل يحتاج إلى منظومة كاملة تضم التعليم والتدريب والتشريعات والاستثمار والبنية التحتية والمهرجانات ودور العرض وشركات التوزيع، إضافة إلى جمهور يمتلك خيارات متنوعة من المحتوى.
هيئة الأفلام وتطوير صناعة السينما السعودية
كيف بدأ تحول صناعة الأفلام وما دور هيئة الأفلام؟
تحدث عبدالله آل عياف عن تاريخ صناعة الأفلام في السعودية، موضحًا أن المشهد السينمائي في المملكة لم يكن يمتلك في السابق صناعة متكاملة بالمعنى المعروف عالميًا.
فوجود بعض المحاولات الفردية أو الأعمال السينمائية لا يعني بالضرورة وجود صناعة كاملة.
الصناعة تحتاج إلى وجود منتجين ومخرجين وكتاب وممثلين وفنيين وشركات توزيع ودور عرض ومؤسسات تدريب وتمويل وتشريعات واضحة.
ومع تأسيس هيئة الأفلام السعودية بدأت مرحلة جديدة تستهدف بناء هذه المنظومة بصورة أكثر تنظيمًا.
ويتمثل أحد أدوار الهيئة في العمل على تطوير القطاع السينمائي وتعزيز قدرة السعودية على إنتاج أفلام محلية، إلى جانب جذب الشركات والاستوديوهات العالمية للتصوير والإنتاج داخل المملكة.
كما تعمل الهيئة ضمن منظومة ثقافية أوسع تضم جهات متعددة لكل منها اختصاص مختلف.
وتناول الحوار العلاقة بين الهيئة وبين الإعلام المرئي والمسموع، إضافة إلى المؤسسات والفعاليات السينمائية الأخرى مثل مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي.
ويكمن الاختلاف في أن الهيئة تعمل على تطوير الصناعة والسياسات والبرامج المرتبطة بها، بينما تلعب المهرجانات دورًا مهمًا في عرض الأفلام وربط صناعها بالجمهور والنقاد والمستثمرين.
وتعتبر المهرجانات السينمائية جزءًا مهمًا من أي صناعة أفلام متطورة، لأنها توفر منصة للأعمال الجديدة وتفتح فرصًا للتعاون والإنتاج المشترك.
كما تساعد على اكتشاف مواهب جديدة وربط صناع الأفلام المحليين بالمختصين والشركات من دول أخرى.
ومن أهداف هيئة الأفلام أيضًا تحويل المملكة إلى وجهة عالمية لصناعة الأفلام.
وتحتاج الدولة التي تريد جذب شركات الإنتاج العالمية إلى توفير عدة عناصر، من بينها مواقع تصوير متنوعة، وإجراءات واضحة للحصول على التصاريح، وطاقم محلي مؤهل، وخدمات لوجستية، إضافة إلى حوافز استثمارية مناسبة.
وتتمتع السعودية بتنوع كبير في البيئات الطبيعية والعمرانية، من الصحارى والجبال إلى المدن والمواقع التاريخية، ما يجعلها قادرة على توفير مواقع تصوير مختلفة.
لكن الموقع وحده لا يكفي.
فشركة الإنتاج العالمية تحتاج إلى معرفة أن بإمكانها الوصول إلى المعدات والكوادر والخدمات المطلوبة، وأن الإجراءات التنظيمية واضحة ويمكن التخطيط لها مسبقًا.
وهنا يظهر الدور التنظيمي والاستثماري للهيئة في تحويل الإمكانات الموجودة إلى صناعة قابلة للنمو.
تطوير المواهب والجامعات والابتعاث الثقافي لصناعة جيل جديد
اعتبر آل عياف أن تطوير الكفاءات والمواهب السينمائية من أهم التحديات التي تواجه بناء صناعة أفلام قوية.
فإنتاج فيلم لا يعتمد فقط على المخرج والممثلين الذين يظهرون أمام الجمهور.
خلف كل عمل سينمائي يوجد عدد كبير من المتخصصين في التصوير والإضاءة والصوت وتصميم الإنتاج والملابس والمكياج والمؤثرات البصرية والمونتاج وإدارة مواقع التصوير والتسويق والتوزيع.
ولهذا تحتاج الصناعة إلى مئات التخصصات والمهارات.
ومع حداثة القطاع في السعودية، يصبح بناء هذه الكفاءات أحد أهم الاستثمارات طويلة المدى.
وأشار الحوار إلى قيام عدد من الجامعات السعودية بفتح تخصصات مرتبطة بصناعة الأفلام، وهي خطوة يمكن أن تساعد على تكوين مسار تعليمي واضح للشباب المهتمين بالعمل في المجال.
ففي السابق قد يضطر المهتم بالسينما إلى تعلم الكثير من المهارات بصورة فردية أو السفر إلى الخارج لدراسة تخصصه.
أما وجود برامج أكاديمية محلية فيسمح بزيادة أعداد المتخصصين وإدخال صناعة الأفلام ضمن المسارات المهنية المعروفة.
لكن الدراسة الجامعية ليست الطريق الوحيد.
فالسينما صناعة عملية للغاية، ولذلك تلعب ورش العمل والدورات التدريبية دورًا مهمًا في تعليم المهارات التي يحتاجها العامل داخل موقع التصوير.
وقد تساعد الورش القصيرة على تدريب مجموعات كبيرة في مجالات محددة مثل كتابة السيناريو أو إدارة الإنتاج أو التصوير السينمائي.
كما تحدث آل عياف عن الابتعاث الثقافي بالتعاون مع وزارة الثقافة.
وتكمن أهمية الابتعاث في إتاحة الفرصة للطلاب السعوديين للدراسة في مؤسسات عالمية تمتلك خبرة طويلة في صناعة السينما والفنون.
فالطالب الذي يتعلم داخل بيئة إنتاجية متقدمة لا يحصل على المعرفة الأكاديمية فقط، بل يتعرف أيضًا على أساليب العمل الاحترافية وشبكات العلاقات الموجودة في الصناعة.
وعند عودة هؤلاء الطلاب، يمكن أن يساهموا في نقل المعرفة وبناء فرق جديدة داخل السوق المحلي.
وتحتاج صناعة الأفلام إلى هذا النوع من التراكم.
فليس من الواقعي بناء صناعة عالمية خلال عام أو عامين، وإنما تحتاج العملية إلى سنوات من التعليم والإنتاج والتجربة وتطوير المهارات.
كما أن العمل مع شركات إنتاج عالمية يمكن أن يكون وسيلة إضافية لتدريب الكفاءات المحلية.
فعندما يتم تصوير فيلم ضخم داخل السعودية ويشارك في إنتاجه عشرات أو مئات السعوديين، يحصل هؤلاء على خبرة عملية يصعب توفيرها داخل قاعة الدراسة فقط.
ومن هنا يرتبط هدف جذب الإنتاج العالمي بشكل مباشر بهدف تطوير المواهب المحلية.
الإنتاج والرقابة والتوزيع ومستقبل السينما السعودية
تحفيز الأفلام المحلية وجذب الإنتاج السينمائي العالمي
ناقشت الحلقة الجهود المبذولة من أجل تحفيز الإنتاج المحلي للأفلام السعودية وتوفير بيئة تساعد صناع السينما على تحويل أفكارهم إلى أعمال قابلة للعرض والتوزيع.
ويواجه أي صانع أفلام مجموعة من التحديات تبدأ غالبًا بالحصول على التمويل.
فالسينما من الصناعات المكلفة، وحتى الأفلام ذات الميزانية المحدودة تحتاج إلى فريق ومعدات ومواقع تصوير ومونتاج وتسويق.
ولهذا تعتبر برامج الدعم والتمويل والحوافز أدوات مهمة في المراحل الأولى من تطوير الصناعة.
لكن الهدف ليس أن تظل الأفلام معتمدة بصورة دائمة على الدعم، بل أن يتطور السوق تدريجيًا بحيث تستطيع الأعمال الناجحة جذب المستثمرين وتحقيق الإيرادات من دور العرض والمنصات وحقوق التوزيع.
كما يحتاج الإنتاج المحلي إلى قصص قادرة على الوصول إلى الجمهور.
وتتميز السينما بأنها تستطيع تقديم الثقافة والتاريخ والتجارب الاجتماعية من خلال قصص وشخصيات، وهو ما يمنح الأفلام السعودية فرصة للوصول إلى المشاهدين داخل المملكة وخارجها.
وفي الوقت نفسه، تهتم الهيئة بجذب الإنتاجات السينمائية العالمية.
وهذا التوجه لا يهدف فقط إلى أن تظهر المواقع السعودية في أفلام أجنبية، وإنما يمكن أن يخلق أثرًا اقتصاديًا واسعًا.
فالفيلم الذي يتم تصويره داخل دولة معينة يحتاج إلى فنادق ونقل وطعام ومعدات وعمال وشركات خدمات، ما يؤدي إلى ضخ الأموال في الاقتصاد المحلي.
كما أن ظهور المواقع في أفلام عالمية قد يساهم في الترويج السياحي.
فالعديد من المدن والمناطق حول العالم شهدت زيادة في أعداد الزوار بعد ظهورها في أعمال سينمائية ناجحة.
إضافة إلى ذلك، يمكن أن يساعد وجود الإنتاجات الأجنبية على تطوير شركات الخدمات المحلية ورفع معاييرها.
فالتعامل مع استوديوهات عالمية يتطلب الالتزام بمستويات عالية من التنظيم والجودة والأمن والسلامة.
وبمرور الوقت يمكن أن تتحول الشركات المحلية من مجرد مقدم خدمات إلى شريك إنتاجي يمتلك الخبرة اللازمة لتنفيذ مشروعات أكبر.
وهكذا تصبح عملية جذب الإنتاج العالمي جزءًا من استراتيجية بناء سوق سينمائي سعودي قادر على المنافسة دوليًا.
الرقابة والأمن وأسعار التذاكر والتحديات المستقبلية
من أكثر الموضوعات حساسية التي تناولها الحوار الرقابة على الأفلام، وهي قضية موجودة في مختلف الأسواق السينمائية بدرجات وأشكال مختلفة.
وأكد آل عياف أهمية أن تكون القواعد الرقابية واضحة وشفافة بالنسبة إلى صناع الأفلام.
وتكمن أهمية الوضوح في أن المنتج الذي يستثمر ملايين في عمل سينمائي يحتاج إلى معرفة المعايير قبل بدء المشروع، وليس بعد انتهاء التصوير.
فالغموض في القواعد قد يؤدي إلى مخاطر مالية كبيرة ويجعل المنتجين أكثر ترددًا في الاستثمار.
أما عندما تكون التصنيفات والاشتراطات معروفة مسبقًا، يستطيع الكاتب والمخرج والمنتج اتخاذ قراراتهم بناء عليها.
ويمكن للأنظمة الرقابية كذلك أن تعتمد على التصنيف العمري الذي يسمح بتحديد الجمهور المناسب للعمل بدلًا من التعامل مع جميع المشاهدين بالطريقة نفسها.
وهذه الممارسات تساعد على تحقيق توازن بين حماية الجمهور ومنح صناع الأفلام مساحة واضحة للعمل والإبداع.
كما تناول الحوار تنظيمات الأمن والسلامة في مواقع التصوير.
وقد لا ينتبه المشاهد إلى حجم المخاطر الموجودة خلف الكواليس.
فمواقع التصوير قد تستخدم معدات إضاءة ثقيلة ومنصات مرتفعة وسيارات ومؤثرات خاصة ومعدات كهربائية، وقد تتضمن بعض المشاهد تصويرًا في ظروف صعبة.
ولهذا تحتاج الصناعة إلى معايير دقيقة لحماية الممثلين والفنيين والعاملين.
وتعتبر معايير السلامة جزءًا أساسيًا من احتراف الصناعة، خاصة عند محاولة جذب شركات إنتاج دولية اعتادت العمل وفق بروتوكولات صارمة.
وتطرقت الحلقة كذلك إلى توزيع الأفلام وعرضها في دور السينما.
فنجاح صناعة الأفلام لا يتحقق بإنتاج العمل فقط، بل يحتاج الفيلم إلى الوصول إلى الجمهور.
وهنا يظهر دور شركات التوزيع ودور العرض والتسويق والمنصات الرقمية.
فقد يكون هناك فيلم جيد فنيًا، لكنه لا يحقق النجاح التجاري إذا لم يحصل على توزيع مناسب أو حملة تسويقية جيدة.
كما يرتبط حجم الجمهور بصورة مباشرة بـأسعار تذاكر السينما.
وأشار الحوار إلى أهمية أن تكون الأسعار مناسبة لشريحة واسعة من الناس.
فالسينما إذا أصبحت نشاطًا مكلفًا للغاية بالنسبة إلى الأسرة، قد ينخفض عدد الزيارات ويؤثر ذلك على إيرادات دور العرض والأفلام المحلية.
وفي المقابل، تحتاج دور السينما إلى تغطية تكاليف التشغيل والاستثمار في القاعات والتقنيات والخدمات.
ولذلك فإن السوق يحتاج إلى توازن يسمح بوجود خيارات مختلفة من حيث الأسعار والتجارب.
ويواجه قطاع الأفلام السعودي مستقبلًا مجموعة من التحديات الأخرى، من بينها بناء جمهور مستمر للأفلام المحلية، ورفع مستوى النصوص والإنتاج، وتطوير شركات التوزيع، وزيادة عدد الكفاءات المتخصصة.
كما سيكون على الصناعة التعامل مع المنافسة المتزايدة من منصات البث الرقمي، التي غيرت طريقة مشاهدة الأفلام حول العالم.
وأصبح المشاهد اليوم يملك خيار مشاهدة آلاف الأعمال من المنزل، ولذلك تحتاج دور السينما إلى تقديم تجربة مختلفة تجعل الجمهور مستعدًا للخروج وشراء التذكرة.
وفي المقابل، تفتح منصات البث فرصة كبيرة أمام الأفلام السعودية للوصول إلى جمهور دولي دون الاعتماد فقط على التوزيع التقليدي.
وتكشف التحولات التي تشهدها السينما السعودية أن بناء القطاع لا يرتبط بإعادة فتح دور العرض أو إنتاج عدد أكبر من الأفلام فقط، وإنما بتأسيس منظومة كاملة تستطيع تطوير المواهب، وجذب الاستثمارات، وتنظيم السوق، وحماية العاملين، وتوسيع قاعدة الجمهور.
ومع استمرار عمل هيئة الأفلام والجامعات والمهرجانات والشركات وصناع المحتوى، يمكن أن يصبح القطاع أحد المجالات الثقافية والإبداعية التي توفر وظائف جديدة وتقدم قصصًا سعودية إلى العالم، وفي الوقت نفسه تجعل المملكة وجهة أكثر حضورًا على خريطة صناعة السينما العالمية.