▶

كيف يؤثر الإعلام على حياتنا؟ حوار عميق مع عمار شهاب وصالح النواوي حول التأثيرات الاجتماعية والسياسية

348 مشاهدة
2025 Apr

أصبح تأثير الإعلام على حياتنا اليومية أكبر من أي وقت مضى.

فالإنسان اليوم لا ينتظر نشرة الأخبار في المساء حتى يعرف ما يحدث، بل يحمل داخل هاتفه تدفقًا مستمرًا من الأخبار ومقاطع الفيديو والتعليقات والصور والتحليلات.

قد يبدأ اليوم برسالة على واتساب، ثم فيديو على تيك توك، ثم خبر على موقع إلكتروني، ثم منشور على فيسبوك أو إكس.

ومع تكرار هذا التعرض يصبح السؤال مهمًا: إلى أي مدى تؤثر هذه الرسائل في الطريقة التي نفهم بها العالم؟

في هذا اللقاء يناقش عمار شهاب وصالح النواوي الدور الذي يلعبه الإعلام في تشكيل الرأي العام وفي التأثير على المشاعر والسلوك.

فالإعلام لا يقدم لنا المعلومات فقط، بل يختار أيضًا أي المعلومات تصل إلينا، وكيف يتم ترتيبها، وما العنوان الذي يوضع عليها، وأي صورة ترافقها.

وهذه الاختيارات يمكن أن تغير الطريقة التي نستقبل بها الحدث نفسه.

لكن فهم قوة الإعلام لا يعني أن الإنسان يتحول إلى شخص بلا إرادة أمام الشاشة.

فالعلاقة أكثر تعقيدًا.

الإعلام يؤثر في الجمهور، والجمهور بدوره يؤثر في الإعلام من خلال المشاهدة والتفاعل والمقاطعة والمشاركة.

وهكذا تنشأ دائرة مستمرة بين المحتوى والرأي العام.

كيف يشكل الإعلام أفكارنا ومشاعرنا وطريقة فهمنا للأحداث؟

اختيار القضايا

من أهم أنواع التأثير الإعلامي أن وسائل الإعلام لا تخبرنا فقط ماذا نفكر، بل يمكن أن تؤثر في الموضوعات التي نفكر فيها أصلًا.

فعندما تركز القنوات والمواقع طوال أسبوع على قضية واحدة، يبدأ الجمهور في التعامل معها باعتبارها القضية الأكثر أهمية.

وفي المقابل يمكن لقضايا أخرى مهمة أن تمر دون اهتمام كبير لأنها لم تحصل على التغطية نفسها.

هذا لا يعني أن الإعلام يستطيع اختراع أهمية الموضوع من لا شيء دائمًا.

لكن حجم التغطية وترتيب الخبر وتكراره يمكن أن يرفع حضوره داخل ذهن الجمهور.

ويمكن رؤية ذلك بوضوح أثناء الانتخابات أو الحروب أو الأزمات الاقتصادية.

إذا تصدرت الأسعار الأخبار يوميًا، يصبح الاقتصاد محورًا أساسيًا في النقاش العام.

وإذا ركز الإعلام على الجريمة، قد يشعر الناس بأن المجتمع أصبح أكثر خطورة حتى إذا لم ترتفع معدلات الجريمة بالنسبة نفسها التي توحي بها التغطية.

وهنا يظهر الفرق بين الواقع الفعلي والواقع الإعلامي.

الواقع يحتوي على ملايين الأحداث في الوقت نفسه.

لكن لا يمكن لأي قناة أن تعرضها كلها.

لذلك تحدث عملية اختيار.

من الذي يختار؟

المحرر والمؤسسة وسياسة القناة واهتمامات الجمهور وحتى الخوارزميات على المنصات الرقمية.

وهذه العملية ليست دائمًا مؤامرة.

فالوقت والمساحة محدودان.

لكنها تعني أن على الجمهور أن يدرك أن ما يراه ليس العالم كله، بل جزءًا مختارًا منه.

ولهذا فإن الاعتماد على مصدر واحد يجعل الصورة أضيق.

كل مؤسسة لديها أولويات وطريقة مختلفة في النظر إلى الأحداث.

ومقارنة مصادر متعددة تساعد على تكوين رؤية أوسع.

لغة المشاعر

التأثير الإعلامي لا يعتمد على المعلومات وحدها.

العاطفة عنصر شديد القوة.

فالعنوان الذي يقول «قرار جديد» يختلف نفسيًا عن عنوان يقول «كارثة جديدة تهدد المواطنين»، حتى إذا كان الاثنان يتحدثان عن القرار نفسه.

والصور كذلك تؤثر في طريقة استقبال الخبر.

صورة طفل يبكي يمكن أن تغير استجابة الجمهور إلى حدث سياسي بصورة أكبر من صفحة كاملة من الأرقام.

وهذا لا يعني أن استخدام المشاعر خطأ دائمًا.

فالأحداث الإنسانية تحتوي فعلًا على ألم وخوف وفرح.

لكن المشكلة تظهر عندما تتحول العاطفة إلى وسيلة لتجاوز التفكير النقدي.

المحتوى الذي يثير الغضب الشديد قد يدفع الشخص إلى المشاركة قبل أن يتأكد من صحة المعلومات.

ولهذا تنتشر الأخبار الصادمة بسرعة كبيرة على شبكات التواصل.

الإنسان يرى شيئًا يغضبه، فيشعر بالحاجة إلى تحذير الآخرين فورًا.

وبعد ساعات قد يتضح أن الصورة قديمة أو أن القصة ناقصة.

لكن التصحيح غالبًا لا يحصل على الانتشار نفسه الذي حصل عليه الادعاء الأصلي.

وتستفيد المنصات الرقمية من التفاعل.

فكلما أثار المحتوى تعليقًا أو مشاركة أو مشاهدة أطول، ازدادت احتمالات توصية الخوارزمية به لأشخاص آخرين.

وهذا يمكن أن يجعل المحتوى الأكثر إثارة ظاهرًا بدرجة أكبر من المحتوى الأكثر دقة وهدوءًا.

ومن هنا ظهر ما يسمى أحيانًا اقتصاد الانتباه.

فالمنصة تريد وقت المستخدم.

والمؤسسة الإعلامية تريد المشاهدة.

وصانع المحتوى يريد التفاعل.

وهكذا يصبح انتباه الإنسان موردًا يتنافس الجميع عليه.

كيف نواجه التضليل ونستخدم الإعلام بصورة أكثر وعيًا؟

الأخبار المضللة

أحد أكبر التحديات في الإعلام الحديث هو أن إنتاج المحتوى لم يعد حكرًا على المؤسسات الصحفية.

أي شخص يستطيع نشر خبر أو صورة والوصول إلى آلاف أو ملايين الأشخاص.

وهذا منح المجتمع قدرة كبيرة على توثيق الأحداث وكسر الاحتكار الإعلامي، لكنه في الوقت نفسه جعل نشر المعلومات المضللة أسهل.

وقد يكون التضليل متعمدًا.

مثل شخص يصنع خبرًا كاذبًا لتحقيق هدف سياسي أو مالي.

وقد يكون غير متعمد عندما يشارك شخص معلومة يعتقد أنها صحيحة دون التحقق منها.

ولهذا فإن أول قاعدة في التعامل مع المحتوى هي: لا تجعل المشاركة أسرع من التفكير.

قبل نشر خبر يمكن البحث عن المصدر الأصلي.

هل يوجد اسم للجهة؟

هل نشرته مؤسسة موثوقة؟

هل التاريخ حديث؟

فالصور القديمة يعاد استخدامها كثيرًا وكأنها من أحداث جديدة.

ويمكن كذلك البحث عن الخبر لدى أكثر من مصدر مستقل.

إذا كانت القصة ضخمة جدًا ولا توجد أي مؤسسة محترمة تتحدث عنها، فذلك سبب يدعو للحذر.

وينبغي الانتباه إلى الفرق بين الخبر والرأي.

الخبر يقول إن حدثًا وقع.

أما المقال التحليلي فيشرح معناه من وجهة نظر صاحبه.

والخلط بين الاثنين يجعل القارئ يتعامل مع التفسير باعتباره حقيقة.

كما أن لغة اليقين الزائد قد تكون علامة تحذير.

في القضايا المعقدة، من النادر أن تكون كل التفاصيل مؤكدة منذ اللحظة الأولى.

الإعلام المهني يقول أحيانًا «بحسب المعلومات المتاحة» أو «لم نتمكن من التحقق بشكل مستقل».

هذه ليست علامة ضعف.

بل علامة على احترام حدود المعلومات.

وعي إعلامي

مواجهة تأثير الإعلام لا تعني الابتعاد عنه بالكامل.

نحن نحتاج إلى الأخبار والمعلومات لفهم المجتمع واتخاذ القرارات.

لكن نحتاج إلى ثقافة إعلامية تساعدنا على استخدامها بدل أن تستهلكنا.

أول خطوة هي تنويع المصادر.

فالشخص الذي يتابع فقط وسائل إعلام توافق أفكاره يمكن أن يدخل في ما يسمى «غرفة الصدى».

يسمع الرأي نفسه باستمرار، فيبدأ في الاعتقاد أن الجميع يفكر بالطريقة نفسها.

ثم يفاجأ عندما يلتقي بأشخاص لديهم رؤية مختلفة.

متابعة مصادر متنوعة لا تعني أن جميع المصادر متساوية في الموثوقية.

لكنها تسمح بمعرفة كيف تعرض الجهات المختلفة القضية نفسها.

الخطوة الثانية هي الانتباه إلى الخوارزميات.

المنصة لا تعرض لنا صورة محايدة للعالم.

هي تتعلم من سلوكنا.

إذا شاهد الإنسان عدة مقاطع عن موضوع معين، تبدأ المنصة في عرض المزيد منها.

وبعد فترة قد يشعر أن هذا الموضوع موجود في كل مكان، بينما الحقيقة أن الخوارزمية أصبحت تعرف أنه يجذب انتباهه.

وهنا يمكن للمستخدم أن يغير عاداته.

يمكن أن يتابع مصادر مختلفة، ويتوقف عن مشاهدة بعض المحتويات التي تعتمد فقط على الإثارة، وأن يبحث بنفسه بدل الاعتماد الكامل على الصفحة الرئيسية.

كما أن أخذ فترات من الأخبار قد يكون مفيدًا.

في أوقات الأزمات يمكن للإنسان أن يقضي ساعات يتابع التحديثات دون أن يحصل فعليًا على معلومات جديدة.

كل تحديث صغير يزيد القلق، بينما لا يستطيع الشخص فعل شيء تجاه الحدث.

وهنا يكون تحديد أوقات لمتابعة الأخبار أفضل من الفحص المستمر للهاتف.

وهذا مهم للصحة النفسية.

فالتعرض الطويل لمشاهد العنف والكوارث يمكن أن يسبب ضغطًا نفسيًا حتى لمن لم يكن موجودًا في مكان الحدث.

ولا يعني ذلك تجاهل معاناة الناس.

لكن يستطيع الإنسان أن يبقى مطلعًا دون أن يعرض نفسه للمشاهد الصادمة طوال اليوم.

كما يجب الانتباه إلى المؤثرين وصناع المحتوى.

في الماضي كان الصحفي يعمل داخل مؤسسة لديها محرر وقواعد مهنية ومسؤولية قانونية.

أما اليوم فقد يحصل شخص على جمهور أكبر من بعض القنوات دون أن يمتلك أي تدريب صحفي.

هذا لا يعني أن المحتوى المستقل غير موثوق بالضرورة.

بعض صناع المحتوى يقدمون أعمالًا ممتازة.

لكن عدد المتابعين ليس دليلًا على صحة المعلومات.

قد يكون الشخص مشهورًا لأنه ممتع أو مثير للجدل.

ولهذا يجب تقييم المعلومة نفسها.

من أين جاءت؟

وما الأدلة؟

وهل يستطيع صاحبها تصحيح الخطأ عندما يظهر؟

فالقدرة على الاعتراف بالخطأ من علامات المصدر الجيد.

ومن المهم أيضًا فهم العلاقة بين الإعلام والإعلانات.

ليست كل التوصيات مستقلة.

قد يتحدث صانع محتوى عن منتج لأنه يحصل على مقابل مالي.

ولهذا فإن الإفصاح عن الإعلانات مهم.

والمشكلة تصبح أكبر عندما يظهر الإعلان كأنه تجربة شخصية محايدة.

فالمستخدم يحتاج إلى معرفة متى يحاول أحدهم التأثير في قراره التجاري.

وفي السياسة يكون الأمر أكثر حساسية.

وسائل الإعلام تستطيع وضع إطار مختلف للحدث نفسه.

احتجاج يمكن وصفه بأنه «حركة مطالبة بالحقوق» أو «أعمال فوضى»، وكل تعبير يحمل حكمًا ضمنيًا.

ولهذا ينبغي للقارئ أن ينتبه إلى الكلمات المستخدمة وليس فقط الوقائع المذكورة.

وقد تختلف التغطية بسبب توجه سياسي واضح، أو بسبب تصور المؤسسة لجمهورها، أو علاقتها بمصادر السلطة.

ولهذا فإن الإعلام المستقل والمؤسسات المتنوعة مهمان لأي مجتمع.

وجود رواية واحدة فقط يجعل اكتشاف الخطأ أكثر صعوبة.

أما وجود أكثر من جهة تستطيع التحقيق والنقد، فيوفر نوعًا من الرقابة المتبادلة.

وفي الوقت نفسه يجب ألا ننتقل إلى الطرف الآخر ونعتبر كل الإعلام كاذبًا.

فانعدام الثقة الكامل خطر أيضًا.

إذا اعتقد الإنسان أن كل شيء مؤامرة، يصبح عرضة لتصديق أي شخص يدعي أنه يمتلك «الحقيقة التي يخفونها عنك».

الشك الصحي مفيد.

أما الشك في كل شيء دون معايير فقد يجعل الشخص أسهل في التضليل لا أصعب.

الحل هو بناء الثقة على الأدلة والسجل المهني والشفافية.

هل المصدر يوضح من أين حصل على المعلومة؟

هل يصحح أخطاءه؟

هل يفصل الخبر عن الإعلان؟

هل يقدم الرأي باعتباره رأيًا؟

هذه الأسئلة تساعد على تقييم جودة الإعلام بصورة أفضل من مجرد سؤال: هل أتفق معه أم لا؟

كما أن مسؤولية المجتمع لا تقع على الجمهور وحده.

المؤسسات الإعلامية تحتاج إلى الاستثمار في التحقق والتدريب وعدم تحويل السرعة إلى القيمة الوحيدة.

والمنصات عليها مسؤولية في مواجهة الحسابات المزيفة والاحتيال والتلاعب المنظم.

والمدارس والجامعات يمكنها تعليم مهارات التحقق والقراءة النقدية منذ سن مبكرة.

فالأطفال اليوم يتعاملون مع المحتوى الرقمي قبل أن يتعلم بعضهم كيفية التمييز بين الخبر والإعلان.

وهذا يجعل التربية الإعلامية جزءًا من المهارات الأساسية في العصر الحديث.

ويكشف النقاش مع عمار شهاب وصالح النواوي أن قوة الإعلام ليست في إجبار الناس على التفكير بطريقة واحدة، بل في قدرته على تحديد ما نراه وتكرار الرسائل وصناعة الصور الذهنية وربط المعلومات بالمشاعر.

لكن هذه القوة ليست مطلقة.

يمكن للجمهور أن يصبح أكثر وعيًا بها.

يمكنه التوقف قبل المشاركة، والبحث عن المصدر، ومقارنة الروايات، وفهم أن الخوارزمية لا تقدم له العالم كما هو.

وكلما ارتفع هذا الوعي، أصبحت العلاقة بين الإنسان والإعلام أكثر توازنًا، وأصبح الفرد أكثر قدرة على استخدام الإعلام كمصدر للمعرفة بدل أن يتحول إلى متلقٍ سلبي لكل ما يصل إلى شاشته.

قد يعجيك أيضاً

عرض الكل

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

422995 مشاهدة
2022 Dec
لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

Podcast

7302 مشاهدة
2023 Mar
مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

Podcast

5348 مشاهدة
2023 Mar
كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

Podcast

14099 مشاهدة
2023 Sep
المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

الأكثر مشاهدة - Most Watched

11154 مشاهدة
2025 Jan
كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

23220 مشاهدة
2025 Jan