إدارة المياه والزراعة في الأحساء | بودكاست سقراط مع الدكتور فؤاد آل الشيخ مبارك
إدارة المياه والزراعة في السعودية.. كيف تحافظ المؤسسة العامة للري على الموارد المائية؟
تمثل إدارة المياه في السعودية واحدة من أهم القضايا المرتبطة بالزراعة والاستدامة والأمن الغذائي، خصوصًا في ظل الطبيعة الجغرافية والمناخية للمملكة وندرة الموارد المائية مقارنة بالعديد من الدول الأخرى. ومع توسع الأنشطة الزراعية وارتفاع الطلب على المياه، أصبحت الحاجة إلى تطوير منظومة الري واستخدام الموارد بكفاءة أكبر من الأولويات الأساسية.
وفي حلقة من بودكاست «سقراط»، يستضيف عمر الجريسي الدكتور فؤاد بن أحمد آل الشيخ مبارك، رئيس المؤسسة العامة للري، للحديث عن دور المؤسسة في إدارة المياه المخصصة للزراعة، وتاريخها المرتبط بواحة الأحساء، والتحولات التي شهدتها خلال السنوات الماضية.
وتتناول الحلقة عددًا من الملفات المهمة، من بينها ترشيد استهلاك المياه الجوفية، واستخدام مياه الصرف الصحي المعالجة ومياه السدود في الري، وتطوير التقنيات الزراعية الحديثة، إضافة إلى التحول المؤسسي ومنصة ريّ والمشروعات المستقبلية التي تستهدف تعزيز استدامة المياه.
واحة الأحساء وتاريخ المؤسسة العامة للري وتطور الزراعة في المنطقة
ارتبطت قصة المؤسسة العامة للري بصورة وثيقة بواحة الأحساء، التي تعد من أبرز المناطق الزراعية في المملكة، وتتميز بتاريخ طويل من النشاط الزراعي المرتبط بتوفر مصادر المياه الطبيعية.
وتتمتع الأحساء ببيئة زراعية مميزة ساهمت في انتشار زراعة النخيل وعدد من المحاصيل، حيث لعبت الينابيع الطبيعية دورًا تاريخيًا في توفير المياه اللازمة للأراضي الزراعية.
لكن وجود المياه وحده لا يكفي لضمان استدامة النشاط الزراعي، لأن توزيعها وإدارتها بين المزارع المختلفة يحتاج إلى بنية تحتية وتنظيم مستمر.
ومن هنا ظهرت الحاجة إلى إنشاء أنظمة تساعد على نقل المياه وتوزيعها بصورة أكثر كفاءة، وهو ما شكل جزءًا مهمًا من تاريخ تطوير منظومة الري في المنطقة.
وتحدث الدكتور فؤاد عن ارتباط المؤسسة بالأحساء، وكيف أصبحت التجربة نقطة انطلاق لتطوير فهم أوسع لإدارة المياه الزراعية في المملكة.
فالأحساء ليست فقط منطقة زراعية ذات تاريخ طويل، وإنما تمثل نموذجًا يمكن من خلاله دراسة العلاقة بين الموارد الطبيعية والأنشطة الاقتصادية والسكان.
كما أن المحافظة على هذه الواحة تتطلب تحقيق توازن بين استمرار النشاط الزراعي وعدم استنزاف الموارد المائية.
وتبرز هنا أهمية التخطيط المائي، الذي يعتمد على معرفة كميات المياه المتاحة وحجم الاحتياجات وأفضل الطرق لتوزيع الموارد.
ولا يمكن أن تكون جميع المناطق الزراعية متشابهة من حيث مصادر المياه، ولهذا تحتاج كل منطقة إلى حلول تتناسب مع ظروفها.
فبعض المناطق قد تعتمد بدرجة أكبر على المياه الجوفية، بينما يمكن لمناطق أخرى الاستفادة من السدود أو المياه المعالجة.
ومن هنا يأتي دور المؤسسة في دراسة هذه الاحتياجات والعمل على تطوير مشروعات تناسب خصائص كل منطقة.
كما أن تطور الزراعة الحديثة جعل عملية إدارة المياه أكثر تعقيدًا من مجرد توفيرها للمزارع.
فالهدف أصبح زيادة الإنتاجية باستخدام كمية أقل من المياه.
ويعتبر هذا التوجه ضروريًا في الدول التي تواجه محدودية في الموارد المائية، لأن التوسع الزراعي لا يمكن أن يعتمد بصورة مستمرة على زيادة الاستهلاك.
ولهذا أصبح تطوير شبكات الري واستخدام التقنيات الحديثة جزءًا أساسيًا من استراتيجية الزراعة المستدامة.
ترشيد المياه الجوفية وتقنيات الري الحديثة لزيادة الإنتاج الزراعي
تعد المياه الجوفية في السعودية من الموارد المهمة التي تحتاج إلى إدارة دقيقة، خصوصًا أن جزءًا منها قد يكون محدود التجدد أو يحتاج إلى فترات طويلة حتى يتم تعويضه.
ولهذا أكد الدكتور فؤاد أن ترشيد استهلاك المياه الجوفية يمثل أحد المحاور الأساسية في عمل المؤسسة.
والترشيد لا يعني بالضرورة تقليل النشاط الزراعي، بل يعني تحسين كفاءة استخدام كل متر مكعب من المياه.
ومن هنا تظهر أهمية تقنيات الري الحديثة مثل أنظمة الري بالتنقيط وأساليب التحكم في كميات المياه المستخدمة بحسب حاجة النبات.
ففي طرق الري التقليدية، يمكن أن تضيع كميات كبيرة من المياه نتيجة التبخر أو التسرب أو توزيع المياه بصورة غير متساوية.
أما الأنظمة الحديثة فتساعد على توجيه المياه إلى المناطق التي تحتاج إليها النباتات بصورة أكثر دقة.
كما يمكن استخدام أجهزة استشعار وتقنيات رقمية لمعرفة رطوبة التربة وتحديد الوقت الأنسب للري.
ويساعد ذلك المزارع على تجنب الري الزائد الذي لا يهدر المياه فقط، بل قد يؤثر أيضًا في جودة التربة والمحصول.
ومن الجوانب التي ناقشتها الحلقة أهمية تعريف المزارعين بالتقنيات الزراعية الحديثة.
فنجاح أي سياسة لترشيد المياه يعتمد بدرجة كبيرة على مشاركة المزارع نفسه.
قد تتوفر التقنية، لكن إذا لم يكن المستخدم على دراية بطريقة تشغيلها أو فوائدها، فلن تتحقق النتائج المطلوبة.
ولهذا يصبح التدريب والإرشاد الزراعي من الأدوات المهمة لتحقيق الاستدامة.
كما أن المزارع يحتاج إلى معرفة العلاقة بين نوع المحصول واحتياجاته المائية.
فبعض المحاصيل تحتاج إلى كميات أكبر من المياه، بينما يمكن لمحاصيل أخرى التأقلم بصورة أفضل مع البيئات الجافة.
وكلما تم اختيار المحاصيل المناسبة للظروف المحلية، تحسنت كفاءة استخدام الموارد.
كما أن زيادة الإنتاجية الزراعية لا تعتمد فقط على كمية المياه، بل على جودة التربة، واختيار البذور، والتسميد، ومواعيد الزراعة، وإدارة الآفات.
ولهذا فإن تطوير قطاع الري يرتبط بمنظومة زراعية أوسع.
المياه المعالجة ومنصة ريّ.. حلول جديدة لتحقيق الاستدامة المائية في السعودية
مع تزايد الضغط على مصادر المياه التقليدية، أصبح البحث عن مصادر بديلة ومستدامة للري ضرورة متزايدة.
ومن أبرز البدائل التي ناقشتها الحلقة مياه الصرف الصحي المعالجة ومياه السدود، التي يمكن استخدامها في مجالات زراعية مختلفة وفق المعايير والضوابط المناسبة.
كما تناول الحوار التحول الذي شهدته المؤسسة العامة للري من الناحية التنظيمية، والدور الذي يمكن أن تؤديه الحلول الرقمية مثل منصة ريّ في تحسين إدارة الموارد.
استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة ومياه السدود في الزراعة
تعد مياه الصرف الصحي المعالجة من الموارد التي يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تقليل الاعتماد على المياه الجوفية.
فالمياه المستخدمة في المدن يمكن معالجتها وفق مستويات محددة، ثم إعادة الاستفادة منها في تطبيقات مختلفة بدلًا من التخلص منها.
ويعرف هذا النهج ضمن مفهوم إعادة استخدام المياه، الذي أصبح جزءًا مهمًا من سياسات الاستدامة في العديد من الدول.
وأوضح الدكتور فؤاد أن مياه الصرف المعالجة تمثل أحد البدائل المتجددة التي يمكن زيادة الاعتماد عليها في مشروعات الري.
وتكمن أهميتها في أنها مورد يتجدد مع الاستهلاك الحضري، بعكس بعض مصادر المياه الجوفية المحدودة.
لكن استخدام هذه المياه يحتاج إلى أنظمة معالجة ومراقبة دقيقة لضمان توافق الجودة مع نوع الاستخدام الزراعي.
فليست كل المياه المعالجة متشابهة، كما أن متطلبات استخدام المياه قد تختلف بحسب المحصول وطريقة الري.
ولهذا تحتاج العملية إلى معايير فنية وصحية وبيئية واضحة.
كما يتطلب استخدامها شبكات لنقل المياه من محطات المعالجة إلى المناطق الزراعية.
وتستطيع هذه المشروعات تقليل الضغط على الموارد التقليدية إذا تم تنفيذها بكفاءة.
ومن البدائل الأخرى مياه السدود.
فالسدود تساعد على تجميع مياه الأمطار والسيول والاستفادة منها بدلًا من فقدانها، ويمكن أن تلعب دورًا في توفير المياه لبعض المناطق بحسب الموقع والكميات المتاحة.
لكن الاعتماد على مياه السدود يتأثر بطبيعة الأمطار والتغيرات المناخية، ولذلك تحتاج إدارة هذه الموارد إلى التخطيط وفق البيانات المتاحة.
وتظهر أهمية تنويع مصادر المياه في تقليل الاعتماد على مصدر واحد.
فإذا كانت الزراعة تعتمد بالكامل على المياه الجوفية، فإن أي انخفاض في المخزون يمكن أن يمثل تحديًا كبيرًا.
أما وجود مزيج يشمل المياه المعالجة والسدود والمصادر الأخرى فيوفر مرونة أكبر.
وترتبط هذه الاستراتيجية بمفهوم الاقتصاد الدائري للمياه، حيث يتم استخدام المورد أكثر من مرة بدلًا من اتباع نموذج الاستخدام ثم التخلص.
كما أن الاستفادة من المياه المعالجة يمكن أن تحقق فوائد بيئية إضافية، لأنها تقلل من تصريف المياه بعد المعالجة وتعيدها إلى دورة اقتصادية مفيدة.
وتحدثت الحلقة عن وجود مشروعات مستقبلية تهدف إلى زيادة الاستفادة من هذه المصادر، وهو ما يعكس تحولًا في طريقة النظر إلى المياه.
فبدلًا من التعامل مع مياه الصرف باعتبارها مخلفات فقط، يمكن النظر إليها باعتبارها موردًا يمكن استثماره بعد المعالجة المناسبة.
إعادة هيكلة المؤسسة ومنصة ريّ ومستقبل استدامة الموارد المائية
من المحاور الأساسية في الحلقة مرحلة التحول وإعادة الهيكلة التي شهدتها المؤسسة العامة للري.
فالتحولات التي يشهدها قطاع المياه في المملكة تحتاج إلى مؤسسات تستطيع تنفيذ المشروعات واتخاذ القرارات بسرعة وكفاءة.
وأوضح الدكتور فؤاد أن إعادة الهيكلة جاءت بهدف مواكبة التغيرات وتطوير طريقة العمل.
وتساعد الهياكل التنظيمية الحديثة على تحديد المسؤوليات بصورة أوضح، وتقليل التعقيدات الإدارية، وتسريع اتخاذ القرارات.
وهذا الأمر يصبح مهمًا بصورة خاصة في المشروعات المتعلقة بالمياه، لأنها غالبًا ما تحتاج إلى تنسيق بين أكثر من جهة.
فمشروع لنقل المياه المعالجة إلى منطقة زراعية مثلًا قد يرتبط بجهات مسؤولة عن المعالجة والنقل والزراعة والبيئة.
ولهذا تعتبر حوكمة قطاع المياه من العناصر المهمة لنجاح المشروعات.
كما ناقشت الحلقة منصة ريّ، وهي إحدى المبادرات الرقمية المرتبطة بتطوير إدارة الموارد المائية وخدمات الري.
وتستطيع المنصات الرقمية أن تساعد في جمع المعلومات وتنظيم الخدمات وتقليل الإجراءات التقليدية.
كما يمكن استخدامها لتحسين التواصل بين المؤسسة والمزارعين والجهات ذات العلاقة.
وتكمن قيمة البيانات في أنها تسمح باتخاذ قرارات أكثر دقة.
فعندما تتوفر معلومات عن المزارع والمساحات المزروعة ومصادر المياه ومستويات الاستهلاك، يصبح من الممكن تحليل الوضع وتحديد المناطق التي تحتاج إلى تدخل.
كما تساعد الرقمنة على متابعة تنفيذ المشاريع وقياس النتائج.
وهذا مهم لأن نجاح سياسات ترشيد المياه يحتاج إلى مؤشرات واضحة.
فلا يكفي تركيب أنظمة حديثة للري، بل يجب معرفة مقدار المياه التي تم توفيرها ومدى تأثير ذلك في الإنتاج الزراعي.
وتساعد هذه البيانات على معرفة الحلول الأكثر فاعلية وتوسيع تطبيقها.
ومن المستهدفات المهمة للفترة القادمة تعزيز استدامة الموارد المائية.
ويشمل ذلك استمرار تطوير تقنيات الري، وتوسيع الاستفادة من المصادر البديلة، وتحسين كفاءة شبكات توزيع المياه.
كما يمكن أن تلعب التقنيات الرقمية دورًا أكبر مستقبلًا من خلال استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي في توقع الاحتياجات المائية ومراقبة الاستهلاك.
فيمكن على سبيل المثال ربط معلومات الطقس ورطوبة التربة ونوع المحصول لتحديد كمية المياه التي تحتاج إليها المزرعة بصورة أكثر دقة.
ومثل هذه الأدوات يمكن أن تقلل الهدر وتساعد المزارعين على اتخاذ قرارات أفضل.
كما تزداد أهمية الاستدامة المائية في السعودية مع تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة واحتمالية تغير أنماط الأمطار.
فهذه التغيرات يمكن أن تزيد من الضغط على الموارد، ما يجعل التخطيط طويل الأجل أكثر ضرورة.
وفي الوقت نفسه، يرتبط ملف المياه بالأمن الغذائي.
فالزراعة تحتاج إلى المياه، لكن زيادة الإنتاج المحلي يجب ألا تأتي على حساب استنزاف موارد يصعب تعويضها.
ومن هنا يظهر التحدي في تحقيق التوازن بين الإنتاج الزراعي والمحافظة على المياه.
ويتطلب ذلك استخدام التقنية واختيار المحاصيل المناسبة وتطوير مصادر بديلة وتحسين سلوك الاستهلاك.
كما يحتاج إلى تعاون بين الجهات الحكومية والمزارعين والباحثين والقطاع الخاص.
وتوضح تجربة المؤسسة العامة للري أن إدارة المياه لم تعد تقتصر على بناء قنوات أو شبكات، بل أصبحت منظومة تشمل التقنية والاستدامة والتدريب والحوكمة والبيانات.
وتبقى واحة الأحساء مثالًا مهمًا على العلاقة التاريخية بين المياه والزراعة في المملكة، بينما تمثل مشروعات المياه المعالجة ومنصة ريّ نموذجًا للتحول نحو أدوات أكثر حداثة.
ومع استمرار العمل على ترشيد المياه الجوفية وتطوير أنظمة الري والاستفادة من المياه المعالجة والسدود، يصبح الهدف الأساسي هو بناء قطاع زراعي قادر على الإنتاج بكفاءة مع المحافظة على الموارد للأجيال المقبلة.
وهذا التوازن هو أحد أهم التحديات في إدارة المياه، لأن نجاح القطاع لا يقاس فقط بكمية المياه التي يتم توفيرها اليوم، بل بقدرة المملكة على ضمان استمرار الموارد واستخدامها بطريقة أكثر كفاءة واستدامة على المدى الطويل.