دور هيئات المسرح والموسيقى في تطوير القطاع الثقافي السعودي | بودكاست سقراط مع سلطان البازعي

552 مشاهدة
2025 Apr

تطوير القطاع الثقافي في السعودية.. كيف يصبح المسرح والموسيقى جزءًا من الاقتصاد الوطني؟

يشهد القطاع الثقافي في السعودية تحولًا واسعًا خلال السنوات الأخيرة، مع زيادة الاهتمام بالمسرح والموسيقى والفنون الأدائية باعتبارها مجالات لا تقتصر على الترفيه أو التعبير الإبداعي فقط، بل يمكن أن تتحول إلى قطاعات اقتصادية منتجة توفر فرص عمل وتدعم الصناعات الإبداعية وتفتح مسارات مهنية جديدة أمام الشباب.

وفي حلقة من بودكاست «سقراط»، يستضيف عمر الجريسي سلطان البازعي، الرئيس التنفيذي لهيئة المسرح والفنون الأدائية والمكلف على هيئة الموسيقى، للحديث عن تطور المشهد الثقافي في المملكة، والتحديات التي تواجه المؤسسات الثقافية، والخطوات المطلوبة لبناء قطاع قادر على الاستمرار والنمو.

وتتناول الحلقة التحول من العمل الثقافي من خارج المؤسسات إلى قيادة المنظومة نفسها، ودور الهيئات الجديدة في بناء السوق، إضافة إلى أهمية تدريب الكفاءات واكتشاف المواهب وتوسيع فرص التعليم والابتعاث في مجالات الفن والموسيقى.

من الصحافة إلى قيادة المؤسسات الثقافية.. تحديات الانتقال إلى موقع اتخاذ القرار

من أبرز الموضوعات التي ناقشتها الحلقة الفرق بين أن يكون الشخص متخصصًا أو ناقدًا يعمل خارج المنظومة وبين أن يصبح مسؤولًا عن إدارتها واتخاذ القرارات داخلها.

وتحدث سلطان البازعي عن تجربته في الانتقال من الصحافة والعمل الثقافي إلى الإدارة وقيادة مؤسسات مرتبطة بقطاع واسع ومتعدد الأطراف.

فالعمل من خارج المؤسسة يسمح للشخص بتحليل المشكلات واقتراح الحلول، لكن تولي مسؤولية الإدارة يضعه أمام تحديات مختلفة تمامًا، مثل توزيع الموارد، ووضع الأولويات، وإدارة فرق العمل، وتحويل الأفكار إلى خطط قابلة للتنفيذ.

وهنا يظهر الفرق بين المعرفة بالقطاع والقدرة على قيادته.

قد يمتلك الشخص معرفة واسعة بتاريخ المسرح أو الموسيقى أو الفنون، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى مهارات إدارية تساعده على التعامل مع الميزانيات والمشروعات والمؤشرات والأهداف.

ولهذا فإن الإدارة الثقافية تحتاج إلى مزيج من الفهم الفني والإداري.

فالمؤسسة الثقافية الناجحة لا تستطيع التركيز على الجانب الإبداعي فقط، كما لا يمكن إدارتها بعقلية تجارية بحتة تتجاهل طبيعة الفن.

وتكمن الصعوبة في إيجاد التوازن بين الاثنين.

فالقطاع يحتاج إلى دعم الفنان والمبدع، لكنه يحتاج أيضًا إلى بناء نماذج عمل تستطيع الاستمرار ماليًا وخلق فرص اقتصادية.

ومن أهم التحولات التي يشهدها المشهد الثقافي السعودي الانتقال من التعامل مع الثقافة باعتبارها نشاطًا محدودًا أو موسميًا إلى التعامل معها باعتبارها قطاعًا اقتصاديًا متكاملًا.

هذا القطاع يمكن أن يشمل الفنانين والكتاب والممثلين والموسيقيين، إضافة إلى المخرجين والمنتجين ومهندسي الصوت والإضاءة والتقنيين ومديري المسارح والمسوّقين وغيرهم.

وبذلك لا تكون القيمة الاقتصادية للنشاط الفني مرتبطة بالشخص الذي يظهر على المسرح فقط، بل تمتد إلى سلسلة واسعة من الوظائف والخدمات.

كما أن زيادة عدد الفعاليات والعروض يمكن أن تحرك قطاعات أخرى مثل السياحة والضيافة والنقل والمطاعم.

فالجمهور الذي يذهب لمشاهدة عرض مسرحي أو حفلة موسيقية قد يستخدم عددًا من الخدمات الأخرى، وهو ما يجعل النشاط الثقافي جزءًا من دورة اقتصادية أكبر.

دور هيئة المسرح وهيئة الموسيقى في بناء قطاع فني منتج ومستدام

ناقش البازعي خلال الحلقة دور هيئة المسرح والفنون الأدائية وهيئة الموسيقى في تطوير البنية الأساسية للقطاع الثقافي داخل السعودية.

ووجود جهات متخصصة يساعد على تحديد احتياجات كل قطاع بصورة أكثر دقة، بدلًا من التعامل مع الثقافة باعتبارها مجالًا واحدًا متشابهًا.

فالمسرح له احتياجات مختلفة عن الموسيقى، كما أن لكل مجال سلسلة إنتاج ومهارات وجمهورًا وطبيعة عمل خاصة.

وفي قطاع المسرح، لا يقتصر الأمر على وجود ممثلين أو نصوص جيدة.

هناك حاجة إلى مخرجين وكتّاب ومصممي ديكور وملابس ومهندسي إضاءة وصوت ومنتجين ومديري مسارح ومتخصصين في التسويق وبيع التذاكر.

وينطبق الأمر نفسه على قطاع الموسيقى، الذي يحتاج إلى فنانين وملحنين وعازفين، إضافة إلى المنتجين ومهندسي الصوت ومديري الأعمال ومنظمي الحفلات.

ومن هنا تأتي أهمية بناء منظومة متكاملة للصناعات الثقافية والإبداعية.

وأوضح البازعي أن أحد الأهداف الأساسية يتمثل في أن يصبح القطاع منتجًا وقادرًا على الاستمرار على المدى الطويل.

فالاعتماد الدائم على الدعم وحده قد لا يكون كافيًا لبناء صناعة مستقرة.

يجب أن توجد نماذج تسمح للعروض والمشروعات بتحقيق إيرادات، سواء من التذاكر أو الرعاية أو الإنتاج أو الشراكات أو غيرها من المصادر.

ولا يعني ذلك أن كل نشاط ثقافي يجب أن يحقق أرباحًا مباشرة، لأن بعض المشروعات قد تكون لها قيمة تعليمية أو مجتمعية كبيرة.

لكن بناء قطاع كامل يحتاج إلى وجود مشاريع تجارية ناجحة إلى جانب الأنشطة الثقافية الأخرى.

كما يمكن للمؤسسات أن تساعد على تحسين البيئة الاستثمارية في القطاع من خلال وضع المعايير وتطوير التشريعات وبناء البنية التحتية.

فالمستثمر الذي يريد إنشاء مسرح أو شركة إنتاج يحتاج إلى سوق واضحة يستطيع فهمها وتقييم فرصها.

وكلما أصبح القطاع أكثر تنظيمًا، أصبحت إمكانية جذب رأس المال أكبر.

كما أن تطوير القطاع يساهم في خلق فرص عمل ثقافية وفنية للشباب.

فالأشخاص الذين يمتلكون مواهب فنية كانوا في السابق قد يواجهون صعوبة في تحويل هذه الموهبة إلى مسار مهني واضح، بينما يمكن لنمو الصناعة أن يخلق وظائف ومشروعات تساعدهم على بناء مستقبل داخل المجال.

بناء المواهب والكفاءات.. كيف تصنع السعودية جيلاً جديدًا من الفنانين والمحترفين؟

لا يمكن بناء قطاع ثقافي قوي اعتمادًا على المنشآت والميزانيات فقط، لأن العنصر البشري يظل الأساس.

ولهذا ركزت الحلقة على قضية بناء القدرات وتنمية المواهب، باعتبارها واحدة من أهم التحديات التي تواجه المشهد الثقافي والفني.

فالانتقال السريع في حجم الفعاليات والمشروعات قد يخلق طلبًا كبيرًا على تخصصات لا يوجد فيها عدد كافٍ من الخبرات المحلية.

ومن هنا تظهر الحاجة إلى التدريب والتعليم والابتعاث وبناء مسارات مهنية واضحة في مجالات لم تكن تحظى بالاهتمام نفسه في السابق.

الدورات والمسابقات والابتعاث ودورها في تنمية المواهب الفنية

أشار سلطان البازعي إلى أهمية وجود بيئة داعمة للمواهب تساعد على اكتشاف الأشخاص المتميزين ثم تطوير قدراتهم.

فالموهبة قد تظهر في سن مبكرة، لكنها تحتاج إلى فرص للتدريب والتجربة والتعلم.

ومن الأدوات المهمة في هذا المجال إقامة الدورات التدريبية وورش العمل.

هذه البرامج يمكن أن تساعد المبتدئين على اكتساب الأساسيات، كما توفر للمحترفين فرصة لتطوير مهارات أكثر تخصصًا.

وفي المسرح، يمكن أن تشمل الدورات التمثيل والإخراج والكتابة المسرحية والإضاءة والديكور والإنتاج.

وفي الموسيقى، يمكن أن تشمل العزف والتأليف والتوزيع والإنتاج وهندسة الصوت.

كما تمثل المسابقات الفنية وسيلة مهمة لاكتشاف المواهب وتحفيز المنافسة.

فوجود منصات تسمح للفنانين بعرض قدراتهم يمنحهم فرصة للحصول على التقدير والوصول إلى جمهور أو فرص مهنية جديدة.

لكن اكتشاف الموهبة وحده لا يكفي.

يجب أن توجد خطوات واضحة بعد ذلك تساعد الشخص على الانتقال من الهواية إلى الاحتراف.

ومن الأدوات الأخرى التي ناقشتها الحلقة الابتعاث والتعليم المتقدم.

فبعض التخصصات الفنية تحتاج إلى خبرات ومؤسسات تعليمية متقدمة، وقد يكون إرسال الطلاب الموهوبين للدراسة في جامعات ومعاهد متخصصة وسيلة لنقل المعرفة إلى المملكة.

وعندما يعود هؤلاء الطلاب، يمكنهم المساهمة في بناء القطاع سواء كممارسين أو مدربين أو قادة لمشروعات جديدة.

كما يمكن أن يؤدي ذلك إلى خلق تأثير مضاعف، حيث تنتقل الخبرة من شخص إلى عدد أكبر من الفنانين والطلاب.

ويحتاج بناء القدرات أيضًا إلى تطوير التعليم المحلي.

فكلما زاد وجود المعاهد والأكاديميات والبرامج الجامعية المرتبطة بالفنون، أصبح من الممكن تخريج أعداد أكبر من المتخصصين.

كما أن الاعتراف بالفنون باعتبارها مجالًا مهنيًا يساعد على تغيير نظرة المجتمع إلى الوظائف الثقافية.

فعندما يرى الطالب أن هناك شركات ووظائف ومسارات واضحة في المسرح أو الموسيقى، يصبح اتخاذ قرار دراسة هذا المجال أكثر واقعية.

وهنا يتحول النشاط الفني من هواية جانبية إلى مسار مهني واقتصادي يمكن التخطيط له.

هل الموهبة أهم من الشهادة؟ ومستقبل الفنون في السعودية

ناقشت الحلقة أيضًا العلاقة بين الموهبة والمؤهل الأكاديمي.

وأشار البازعي إلى أن الحصول على شهادة جامعية لا يعني بالضرورة امتلاك الإبداع.

فالقدرة الفنية ترتبط في كثير من الأحيان بموهبة فطرية أو حس إبداعي لا يمكن إنتاجه من خلال الدراسة وحدها.

لكن هذا لا يقلل من أهمية التعليم.

فالموهبة تحتاج إلى أدوات تساعد صاحبها على تطويرها واستخدامها بطريقة احترافية.

الموسيقي الموهوب قد يستفيد من دراسة النظريات الموسيقية والتقنيات المتقدمة، والممثل المتميز يمكن أن يطور أداءه من خلال التدريب على مدارس وأساليب مختلفة.

ولهذا فإن العلاقة بين الموهبة والتعليم ليست علاقة تنافس، بل تكامل.

الموهبة توفر الأساس الإبداعي، بينما يساعد التعليم والتدريب على صقلها وتحويلها إلى مستوى احترافي.

كما أن القطاع الثقافي لا يحتاج إلى الفنانين فقط.

هناك وظائف كثيرة يمكن أن تعتمد بدرجة أكبر على التعليم والخبرة المهنية، مثل الإدارة والإنتاج والتسويق والتقنيات المسرحية.

ومن هنا تأتي أهمية بناء أنواع مختلفة من المسارات التدريبية.

بعضها يستهدف الموهوبين فنيًا، وبعضها الآخر يستهدف المهنيين الذين يعملون خلف الكواليس.

وتطرق الحوار كذلك إلى دور الفن في المجتمع.

فالفن يستطيع أن يعبر عن القصص والهوية والتجارب الإنسانية، كما يمكن أن يفتح مساحات للنقاش والتواصل بين فئات مختلفة.

والمسرح على وجه الخصوص يمتلك قدرة على الجمع بين النص والأداء والصورة والجمهور في تجربة مباشرة.

أما الموسيقى فهي لغة يمكن أن تتجاوز الحدود اللغوية وتصل إلى جماهير متنوعة.

ولهذا يرتبط تطوير القطاع الثقافي كذلك بقدرة السعودية على تقديم إنتاجها الثقافي إلى جمهور أوسع.

كما ناقشت أسئلة المستمعين كيفية دمج الثقافات المختلفة في المشهد الفني السعودي.

ويمكن للتنوع الثقافي أن يكون مصدرًا مهمًا للإبداع، خصوصًا في دولة تضم مناطق ذات تقاليد وفنون ولهجات متنوعة.

فلكل منطقة أشكالها الفنية والتراثية التي يمكن تطويرها وتقديمها بطرق معاصرة دون فقدان هويتها.

كما أن الانفتاح على التجارب العالمية يمكن أن يخلق فرصًا للتعاون بين الفنانين السعوديين والمبدعين من دول أخرى.

لكن الهدف من التبادل الثقافي لا يجب أن يكون تقليد النماذج الخارجية، بل الاستفادة من الخبرات لإنتاج أعمال تمتلك شخصية محلية واضحة.

وتكمن قوة الصناعات الثقافية في قدرتها على الجمع بين الهوية والابتكار.

فالجمهور العالمي غالبًا لا يبحث عن نسخة جديدة مما يعرفه بالفعل، وإنما يهتم بالقصص والتجارب المختلفة.

ولهذا يمكن أن تصبح الثقافة السعودية نفسها عنصرًا تنافسيًا إذا تم تحويلها إلى أعمال مسرحية وموسيقية وإبداعية ذات مستوى احترافي.

وتشير المستهدفات التي تحدث عنها سلطان البازعي إلى أن بناء القدرات سيكون عنصرًا أساسيًا في المرحلة المقبلة.

فالقطاع الذي يريد تحقيق الاستدامة يحتاج إلى قاعدة واسعة من الممارسين والمتخصصين، وليس فقط عددًا محدودًا من الأسماء المعروفة.

وكلما زاد عدد الفنانين والمنتجين والتقنيين والمديرين المؤهلين، أصبحت السوق أكثر قدرة على إنتاج مشروعات متنوعة على مدار العام.

كما أن توسيع قاعدة المواهب يمكن أن يزيد من المنافسة، وهو ما يساعد على رفع جودة الإنتاج تدريجيًا.

ومع تطور البنية التحتية وارتفاع الطلب على الفعاليات والعروض، يمكن أن تتحول المسرح والموسيقى والفنون الأدائية في السعودية إلى صناعات توفر فرصًا اقتصادية ومهنية واسعة.

وفي هذا السياق يصبح الاستثمار في الإنسان أهم من الاستثمار في المباني وحدها؛ لأن المسرح يمكن بناؤه خلال فترة محدودة، لكن بناء الكاتب والمخرج والممثل والموسيقي والمنتج يحتاج إلى سنوات من التدريب والتجربة.

ومن هنا يأتي الرهان على التعليم والابتعاث والتدريب والمسابقات باعتبارها أدوات طويلة الأجل لتأسيس قطاع ثقافي سعودي قوي ومستدام يستطيع المساهمة في الاقتصاد الوطني، وفي الوقت نفسه التعبير عن المجتمع وهويته وتنوعه الثقافي.

قد يعجيك أيضاً

عرض الكل

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

422020 مشاهدة
2022 Dec
لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

Podcast

7162 مشاهدة
2023 Mar
مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

Podcast

5219 مشاهدة
2023 Mar
كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

Podcast

13956 مشاهدة
2023 Sep
المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

الأكثر مشاهدة - Most Watched

10993 مشاهدة
2025 Jan
كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

22797 مشاهدة
2025 Jan