مؤسسة مسك: تمكين الشباب والإبداع في السعودية | بودكاست سقراط مع بدر الكحيل
مؤسسة مسك وتمكين الشباب السعودي.. كيف تحولت الفكرة إلى مشروع يصنع قادة المستقبل؟
بدر الكحيل يكشف بداية مؤسسة مسك ولقاءه الأول مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان
تُعد مؤسسة محمد بن سلمان "مسك" واحدة من أبرز المؤسسات التي لعبت دورًا مهمًا في دعم الشباب السعودي خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع التحولات الكبيرة التي تشهدها المملكة في إطار رؤية السعودية 2030. وفي حلقة مميزة من بودكاست «سقراط»، استضاف عمر الجريسي بدر الكحيل، الأمين العام لمؤسسة محمد بن سلمان "مسك"، للحديث عن قصة المؤسسة منذ بدايتها، والمراحل التي مرت بها، والبرامج التي تعمل من خلالها على تمكين الشباب وتنمية مهاراتهم.
بدأ الحوار بالحديث عن اللقاء الأول بين بدر الكحيل وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وهو اللقاء الذي مثّل نقطة تحول مهمة في المسيرة المهنية للكحيل. فبعد سنوات من العمل في القطاع الخاص، بدأت مرحلة جديدة من حياته المهنية ارتبطت بالعمل في القطاع الحكومي والمساهمة في بناء عدد من المبادرات التي تستهدف الشباب السعودي.
وكان من أبرز المحاور التي تناولتها الحلقة قصة ولادة فكرة مؤسسة مسك، وكيف انتقلت من مجرد تصور إلى مؤسسة لديها برامج ومشاريع متعددة تستهدف قطاعات مختلفة. وأوضح بدر الكحيل أن المراحل الأولى لتأسيس المؤسسة شهدت الكثير من العمل على تحديد الأولويات والأهداف ووضع استراتيجية يمكن من خلالها تحقيق أثر حقيقي ومستدام.
ومن التفاصيل اللافتة التي تناولها الحوار أن جزءًا من عملية وضع استراتيجية المؤسسة جرى خلال اجتماع عمل عُقد أثناء إجازة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث كانت هناك رغبة واضحة في بناء مؤسسة قادرة على الاستثمار في الإنسان السعودي، وبشكل خاص في فئة الشباب.
ومن هنا بدأت ملامح رؤية "مسك" تتشكل حول مجموعة من المحاور الأساسية، في مقدمتها التعليم، والقيادة، وريادة الأعمال، والإبداع، وتنمية المهارات. ولم يكن الهدف مجرد إقامة فعاليات مؤقتة، بل بناء منظومة قادرة على المساهمة في إعداد جيل يمتلك المهارات التي يحتاج إليها سوق العمل والاقتصاد الجديد.
وتمثل فئة الشباب نسبة كبيرة من المجتمع السعودي، ولذلك أصبح الاستثمار فيها أحد أهم المحاور المرتبطة بالتنمية المستقبلية للمملكة. وتأتي برامج مؤسسة مسك ضمن هذا التوجه من خلال توفير فرص التعلم والتطوير والتدريب، إلى جانب بناء شبكات تربط الشباب بالخبراء والمؤسسات والشركات المحلية والعالمية.
وتناول الحوار كذلك تجربة مدارس الرياض التي أصبحت تعمل تحت إشراف المؤسسة، حيث تمثل التجربة نموذجًا لمحاولة تطوير البيئة التعليمية وربط التعليم بالمهارات والقدرات المطلوبة للمستقبل.
ولا تقتصر أهمية تطوير التعليم على تحسين النتائج الأكاديمية فقط، بل تمتد إلى بناء الشخصية، وتعزيز مهارات التفكير والإبداع والعمل الجماعي والقيادة. ولذلك أصبح تطوير المدارس والبرامج التعليمية جزءًا أساسيًا من رؤية العديد من المؤسسات التي تستهدف إعداد أجيال قادرة على المنافسة عالميًا.
كما ناقشت الحلقة النتائج والأرقام المتعلقة بتجربة التحول في مدارس الرياض، وكيف يمكن قياس أثر التغييرات التعليمية من خلال مستوى الطلاب، والبرامج التي يحصلون عليها، وقدرتهم على التفاعل مع بيئة تعليمية حديثة تعتمد على المهارات إلى جانب المعرفة الأكاديمية.
مراحل تطور مؤسسة مسك من الفعاليات الشبابية إلى صناعة الأثر المستدام
مرت مؤسسة محمد بن سلمان "مسك" بعدة مراحل منذ تأسيسها، وكان لكل مرحلة أهداف مختلفة تتناسب مع تطور المؤسسة واتساع نطاق عملها.
في المرحلة الأولى، ركزت مسك بشكل كبير على الفعاليات والبرامج الشبابية العامة، بهدف الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الشباب وتعريفهم بالفرص المتاحة في مجالات التعليم، والتقنية، والإبداع، وريادة الأعمال، والقيادة.
وكانت هذه الفعاليات وسيلة مهمة لبناء علاقة مباشرة بين المؤسسة والشباب، إلى جانب اكتشاف احتياجاتهم وتطلعاتهم. كما ساعدت البرامج المفتوحة على نشر ثقافة التطوير الشخصي والمهني، وتشجيع الشباب على البحث عن فرص جديدة للتعلم والعمل.
ومع مرور الوقت، انتقلت المؤسسة إلى مرحلة أكثر تركيزًا على تعميق الأثر بدلًا من الاكتفاء بالوصول إلى أعداد كبيرة من المشاركين. ويعني ذلك تصميم برامج تستمر لفترات أطول وتستهدف تطوير مهارات محددة يمكن قياس نتائجها وتأثيرها على المشاركين.
وأصبح مفهوم تمكين الشباب السعودي محورًا رئيسيًا في هذه المرحلة، من خلال تقديم البرامج التي تساعد الشباب على اكتساب الخبرات العملية، وتطوير المهارات القيادية، والاستعداد لسوق العمل، إلى جانب دعم رواد الأعمال والمبدعين.
كما اهتمت المؤسسة بتوفير فرص للتعاون مع مؤسسات دولية وشركات عالمية، بما يسمح للشباب السعودي بالاستفادة من الخبرات العالمية ونقل المعرفة إلى السوق المحلي.
ويتوافق هذا التوجه مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد السعودي، حيث أصبحت هناك حاجة متزايدة إلى مهارات جديدة في قطاعات مثل التقنية، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الإبداعية، وريادة الأعمال، وإدارة المشاريع.
برامج مسك وقادة 2030 ودور المؤسسة في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والإبداع
برنامج قادة 2030 وتأهيل جيل جديد من القيادات السعودية
من أبرز البرامج التي تناولتها حلقة بودكاست «سقراط» برنامج قادة 2030، الذي يأتي ضمن المبادرات الموجهة إلى تطوير المهارات القيادية لدى الكفاءات السعودية.
وتكتسب برامج إعداد القيادات أهمية خاصة في ظل التغييرات السريعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي وسوق العمل. فالقائد اليوم لا يحتاج فقط إلى الخبرة الفنية، وإنما يحتاج كذلك إلى القدرة على اتخاذ القرارات، وإدارة الفرق، والتعامل مع الأزمات، وفهم التحولات الاقتصادية والتقنية.
ومن هنا يأتي دور البرامج التي تعمل على تطوير القيادات الشابة، إذ تسعى إلى إعداد أفراد يستطيعون إدارة المؤسسات والمشاريع والمبادرات الكبرى خلال السنوات المقبلة.
ويرتبط برنامج قادة 2030 بصورة مباشرة بطموحات رؤية السعودية 2030، التي تعتمد في جزء كبير منها على تطوير رأس المال البشري وإعداد قيادات قادرة على إدارة التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
ولا يتوقف تطوير القيادات عند تقديم دورات تدريبية، بل يتطلب توفير تجارب عملية، وفرص للتعلم من خبراء وقادة لديهم خبرات متنوعة، بالإضافة إلى بناء شبكة من العلاقات المهنية بين المشاركين.
وخلال الحلقة، ناقش بدر الكحيل أهداف البرنامج والنتائج التي يسعى إلى تحقيقها، بالإضافة إلى أهمية اختيار المشاركين وبناء تجربة تعليمية تساعدهم على تطوير مهارات يمكن تطبيقها داخل المؤسسات التي يعملون بها.
ومن المشاريع الأخرى التي حظيت باهتمام كبير في الحوار مدينة الأمير محمد بن سلمان غير الربحية، التي تمثل مشروعًا طموحًا يستهدف توفير بيئة متكاملة للتعليم والإبداع وريادة الأعمال والثقافة.
وتعمل فكرة المدينة على جمع مجموعة من الأنشطة والجهات في مكان واحد، بما يسمح بتكوين مجتمع يشجع تبادل المعرفة والأفكار والتجارب.
ومن المتوقع أن تلعب مثل هذه المشروعات دورًا في تطوير الاقتصاد المعرفي والصناعات الإبداعية، وهي قطاعات أصبحت تحظى باهتمام كبير في العديد من الدول بسبب قدرتها على خلق فرص عمل جديدة وتنويع مصادر الدخل.
كما تناول الحوار بعض التساؤلات المتعلقة بإدارة المدينة، ومنها سؤال حول تعيين رئيس غير سعودي لإدارة المشروع. وأوضح بدر الكحيل أن اختيار القيادات يرتبط بالخبرة والكفاءة والقدرة على تحقيق أهداف المشروع، مع التركيز في الوقت نفسه على نقل المعرفة وتطوير الكفاءات المحلية.
شركة مانجا ومتحف مسك العلمي ومصادر تمويل مشاريع المؤسسة
لا تقتصر أنشطة مؤسسة مسك على البرامج التدريبية أو برامج القيادة فقط، بل تمتد إلى مشاريع وجهات تعمل في مجالات متنوعة، من بينها الصناعات الإبداعية والتعليم والعلوم والتقنية.
ومن الجهات التي تناولتها الحلقة شركة مانجا للإنتاج، التي تعمل في مجال المحتوى الإبداعي والترفيهي، وهو أحد القطاعات التي تشهد توسعًا كبيرًا في المنطقة.
وتبرز أهمية قطاع المحتوى والإنتاج الإبداعي في قدرته على خلق وظائف جديدة للشباب في مجالات مثل الرسوم المتحركة، والألعاب، وصناعة الأفلام، والتصميم، وكتابة القصص، والتسويق الرقمي.
ويأتي الاستثمار في هذه المجالات ضمن الاتجاه نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعًا يعتمد على الإبداع والمعرفة والتقنية إلى جانب القطاعات التقليدية.
كما ناقشت الحلقة متحف مسك العلمي ودوره في تعزيز الاهتمام بالعلوم والابتكار لدى الأطفال والشباب. وتعد المتاحف العلمية الحديثة أدوات تعليمية مهمة لأنها تسمح للزوار بالتفاعل مع المفاهيم العلمية بدلًا من الاكتفاء بقراءتها أو دراستها في الكتب.
ومن خلال التجارب التفاعلية يمكن تشجيع الأطفال والطلاب على طرح الأسئلة والاستكشاف، وهو ما يساعد على بناء الاهتمام بالعلوم والتقنية والهندسة والرياضيات منذ مراحل عمرية مبكرة.
وتطرقت الحلقة كذلك إلى أحد الأسئلة المهمة المرتبطة بأي مؤسسة غير ربحية كبيرة، وهو مصادر تمويل مؤسسة مسك وكيف يمكن توفير الميزانيات اللازمة لتنفيذ هذا العدد من البرامج والمشروعات.
وأوضح بدر الكحيل أن المشاريع الكبرى تحتاج بطبيعتها إلى موارد مالية كبيرة، ولذلك تعتمد المؤسسة على أكثر من مصدر للتمويل، بما في ذلك الشراكات الاستراتيجية والموارد الذاتية وغيرها من الآليات التي تساعد على ضمان استمرارية البرامج والمبادرات.
وتكتسب مسألة الاستدامة المالية أهمية كبيرة بالنسبة للمؤسسات غير الربحية، لأن نجاح أي مبادرة لا يعتمد فقط على إطلاقها، وإنما على القدرة على استمرارها وتطويرها وتحقيق نتائج قابلة للقياس على المدى الطويل.
كما تناولت الحلقة سؤالًا طرحه المستمعون حول إزالة كلمة "الخيرية" من اسم المؤسسة. ويعكس هذا التغيير تحولًا في مفهوم العمل غير الربحي من التركيز التقليدي على تقديم المساعدات إلى بناء مؤسسات تعمل على التنمية وتمكين الأفراد وخلق فرص طويلة الأجل.
فمفهوم التمكين يختلف عن المساعدة المباشرة؛ إذ يركز على منح الفرد الأدوات والمعرفة والخبرة التي تساعده على تطوير مستقبله بنفسه. ولهذا تركز الكثير من البرامج الحديثة على التعليم والتدريب وريادة الأعمال وتنمية القدرات بدلًا من الحلول المؤقتة.
وتكشف تجربة مؤسسة مسك عن نموذج يربط بين تمكين الشباب السعودي ورؤية 2030، من خلال برامج تستهدف بناء المهارات والقيادات وتشجيع الإبداع وتوفير بيئة تساعد الشباب على المشاركة في القطاعات الجديدة التي يشهدها الاقتصاد السعودي.
كما أن تنوع المشاريع، من البرامج القيادية والتعليمية إلى الصناعات الإبداعية والمتاحف العلمية والمشروعات الحضرية، يوضح اتساع مفهوم تنمية الشباب ليشمل الجوانب التعليمية والمهنية والثقافية والإبداعية.
وفي ظل النمو السريع لقطاعات التقنية والترفيه والسياحة والصناعات الإبداعية وريادة الأعمال داخل السعودية، تزداد أهمية المؤسسات التي تساعد الشباب على الاستعداد لهذه الفرص من خلال التدريب والتوجيه وبناء الخبرات العملية.
ويظل الاستثمار في رأس المال البشري أحد العناصر الأساسية لتحقيق التحولات الاقتصادية طويلة الأجل، ولذلك تأتي برامج مثل قادة 2030 ومبادرات التعليم والإبداع ضمن منظومة أوسع تستهدف تحويل طاقات الشباب إلى مهارات وقدرات ومشروعات قابلة للتطبيق في سوق العمل.