الحفاظ على التراث السعودي: دور هيئة التراث في حماية وتطوير التراث | بودكاست سقراط مع جاسر الحربش
هيئة التراث ودورها في حماية التراث السعودي والحفاظ على الهوية الثقافية
يمثل التراث السعودي جزءًا أساسيًا من الهوية الثقافية والتاريخية للمملكة، فهو لا يقتصر على المباني القديمة والمواقع الأثرية، بل يشمل أيضًا العادات والتقاليد والحرف واللغات واللهجات والممارسات الاجتماعية والمعارف التي انتقلت بين الأجيال. ومع التحولات العمرانية والاجتماعية السريعة التي تشهدها المملكة، أصبحت عملية حماية هذا الإرث وتوثيقه وتنميته أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وفي إحدى حلقات بودكاست «سقراط»، استضاف عمر الجريسي جاسر الحربش، الرئيس التنفيذي لهيئة التراث، للحديث عن تاريخ العمل في مجال التراث داخل السعودية، والدور الذي تقوم به الهيئة في الوقت الحالي، والقطاعات التي تشرف عليها، إلى جانب أبرز الاكتشافات الأثرية والتحديات التي تواجه حماية الموروث الثقافي.
وأوضح الحربش أن العمل على حماية التراث في المملكة لم يبدأ مع إنشاء هيئة التراث، بل يمتد إلى عقود طويلة، إذ شهدت السعودية جهودًا للحفاظ على المواقع الأثرية والمباني التاريخية وتوثيق الموروث الثقافي قبل تأسيس الهيئة بصورتها الحالية.
ومع إنشاء هيئة التراث التابعة لوزارة الثقافة، أصبح هناك إطار أكثر تخصصًا لإدارة هذا الملف، بما يسمح بتطوير برامج واستراتيجيات تركز على مجالات محددة مثل الآثار والتراث العمراني والتراث غير المادي والحرف التقليدية.
اختصاصات هيئة التراث والتعاون مع السياحة والجهات الحكومية
تلعب هيئة التراث في السعودية دورًا يتجاوز مجرد المحافظة على المواقع القديمة، إذ تعمل ضمن منظومة واسعة تضم التوثيق والبحث والتنقيب والحماية والتطوير والتوعية والاستثمار في التراث بوصفه موردًا ثقافيًا يمكن أن يساهم أيضًا في التنمية الاقتصادية والسياحية.
ومن أهم خصائص ملف التراث أنه يتداخل مع عمل جهات حكومية عديدة. فالموقع التاريخي قد يكون في الوقت نفسه وجهة سياحية، بينما يمكن أن يرتبط المبنى التراثي بالتخطيط العمراني، وقد تحتاج منطقة أثرية إلى مشروعات للبنية التحتية أو إلى حماية بيئية خاصة.
ولهذا تحدث جاسر الحربش عن أهمية التعاون بين هيئة التراث والجهات الأخرى، وعلى رأسها الجهات العاملة في قطاع السياحة.
فالعمل المشترك مع وزارة السياحة والجهات السياحية يمكن أن يساعد على تحويل المواقع التاريخية إلى تجارب يستطيع الزائر الاستفادة منها، دون أن يؤدي النشاط السياحي إلى إلحاق الضرر بالقيمة الأصلية للموقع.
ويحتاج تحقيق هذا التوازن إلى تخطيط دقيق، لأن فتح موقع أثري للزوار دون تنظيم قد يؤدي إلى تدهوره، بينما إغلاق المواقع بالكامل يحرم المجتمع من فرصة التعرف عليها والاستفادة منها ثقافيًا واقتصاديًا.
ومن هنا يظهر مفهوم إدارة التراث المستدامة، الذي يقوم على حماية الأصل التاريخي مع تطوير طرق تسمح باستخدامه وعرضه للأجيال الحالية.
كما يشمل عمل الهيئة إجراء الدراسات والتوثيق قبل تنفيذ بعض مشروعات التطوير، خصوصًا في المناطق التي يُحتمل وجود مواقع أو عناصر تاريخية فيها.
وتساعد هذه الدراسات على اكتشاف الآثار قبل تعرضها للتلف أو الإزالة نتيجة المشروعات العمرانية، كما توفر معلومات جديدة للباحثين والمؤرخين حول تاريخ المناطق المختلفة في المملكة.
ولا تعمل الهيئة بمفردها في هذا الجانب، وإنما تحتاج إلى تعاون الجامعات والباحثين والبعثات الأثرية والمتخصصين في العمارة والتاريخ والأنثروبولوجيا وغيرها من المجالات.
ويؤدي هذا التكامل إلى بناء قاعدة معرفية أكبر تساعد على فهم التراث السعودي وليس فقط المحافظة على عناصر منفصلة منه.
الآثار والتراث العمراني والتراث غير المادي والحرف التقليدية
تغطي هيئة التراث مجموعة من القطاعات التي تعكس التنوع الكبير في مفهوم التراث، ومن أبرزها قطاع الآثار وقطاع التراث العمراني وقطاع التراث غير المادي.
ويشمل قطاع الآثار دراسة المواقع والقطع والنقوش والشواهد التي تركتها المجتمعات والحضارات التي عاشت في شبه الجزيرة العربية عبر فترات تاريخية مختلفة.
أما التراث العمراني فيشمل المباني والقرى والأحياء والمنشآت التاريخية التي تعكس أساليب البناء والمعيشة القديمة، مثل البيوت والأسواق والحصون والمباني الطينية والحجرية وغيرها من النماذج المعمارية.
وتكمن أهمية هذه المنشآت في أنها تقدم صورة ملموسة عن تطور المجتمع، وكيف تكيف السكان مع البيئة والمناخ والموارد المتاحة.
لكن من أكثر المفاهيم التي تناولتها الحلقة أهمية التراث الثقافي غير المادي.
فهذا النوع من التراث لا يتمثل في مبنى أو قطعة أثرية يمكن وضعها داخل متحف، بل يعيش داخل المجتمع نفسه.
ويشمل العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية والمعارف الشعبية والفنون وأساليب التعبير واللغات واللهجات، إضافة إلى المهارات التي تنتقل بين الأجيال.
وقد يشمل ذلك أسلوب صناعة حرفة تقليدية، أو طريقة إعداد منتج معين، أو فنًا شعبيًا، أو قصة متوارثة، أو معرفة مرتبطة بالزراعة والبحر والصحراء.
ويواجه التراث غير المادي تحديًا مختلفًا عن الآثار، لأن اختفاء الأشخاص الذين يحملون المعرفة قد يؤدي إلى اختفاء المهارة نفسها.
ولهذا تحتاج عمليات الحماية إلى التوثيق والتسجيل والتدريب ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة.
وتدخل الحرف اليدوية السعودية ضمن هذا الملف بشكل واضح، إذ تمثل الحرفة تراكمًا من المعرفة والخبرة والتقاليد التي تطورت عبر سنوات طويلة.
ولا يكفي للحفاظ على الحرفة عرض المنتجات القديمة داخل المتاحف، وإنما ينبغي أيضًا المحافظة على وجود الحرفيين ونقل المهارة إلى متدربين جدد، مع إيجاد سوق يساعد الحرفة على الاستمرار اقتصاديًا.
الاكتشافات الأثرية ومستقبل التراث والحرف والوظائف في السعودية
شهد قطاع التراث السعودي خلال السنوات الأخيرة العديد من عمليات المسح والتنقيب والتوثيق التي ساهمت في الكشف عن معلومات جديدة حول تاريخ شبه الجزيرة العربية وعلاقاتها بالحضارات والممالك القديمة.
وتكمن أهمية الاكتشافات الأثرية في السعودية في أنها لا تضيف مواقع جديدة فقط، بل يمكنها في بعض الحالات إعادة تشكيل فهم الباحثين لفترات تاريخية كاملة، خاصة عندما تظهر نقوش أو كتابات تحمل أسماء ملوك أو أحداثًا أو طرقًا تجارية قديمة.
وتناولت حلقة «سقراط» مجموعة من الإنجازات التي حققتها هيئة التراث في هذا المجال، ومن بينها اكتشافات مرتبطة بالنقوش الصخرية، إضافة إلى الجهود المستمرة لتسجيل المواقع وحمايتها.
كما ركز الحوار على مستقبل القطاع، وكيف يمكن تحويل التراث من موضوع يهتم به المتخصصون فقط إلى جزء حاضر في حياة المجتمع، خاصة لدى الأجيال الجديدة.
الاكتشافات الأثرية في حائل ونقوش الملك البابلي نابونيد
من الاكتشافات التي سلط عليها جاسر الحربش الضوء نقوش صخرية في محافظة الحائط بمنطقة حائل مرتبطة بالملك البابلي نابونيد، الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد.
وتكتسب مثل هذه النقوش قيمة تاريخية كبيرة لأنها توفر شواهد مادية على العلاقات والتحركات السياسية والحضارية التي شهدتها شبه الجزيرة العربية منذ آلاف السنين.
فالآثار لا تخبرنا فقط عن سكان المنطقة، بل يمكن أن تكشف أيضًا عن علاقاتهم بالممالك المحيطة وطرق التجارة والحج والحروب والتنقل بين المدن والمناطق القديمة.
وتساعد النقوش تحديدًا على تقديم معلومات لا تتوافر دائمًا من المصادر المكتوبة التقليدية.
ولهذا تعتمد أعمال الآثار على عملية دقيقة تبدأ بالمسح الميداني، ثم توثيق الموقع ودراسة النقوش والقطع الموجودة فيه، قبل تحليل المعلومات ومقارنتها بالمصادر التاريخية الأخرى.
وتحتاج المواقع التي يتم اكتشافها كذلك إلى الحماية من العبث أو التلف أو البناء العشوائي، لأن الضرر الذي يلحق بالأثر قد يكون غير قابل للإصلاح.
كما أصبح استخدام التقنيات الحديثة عنصرًا مهمًا في مجال الآثار، بدءًا من التصوير والمسح الرقمي وحتى إنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد للمواقع والقطع.
وتتيح هذه الأدوات توثيق المواقع بدرجة عالية من الدقة، كما يمكن استخدامها لإتاحة التراث للباحثين والجمهور دون الحاجة إلى التعامل المباشر مع القطع الحساسة.
ويعكس وجود آثار تعود إلى فترات وحضارات مختلفة التنوع التاريخي الكبير للمملكة، ويعزز أهمية استمرار أعمال البحث والتنقيب بدلًا من النظر إلى ملف التراث باعتباره مكتملًا.
فالأرض السعودية لا تزال تحتوي على الكثير من الشواهد التاريخية التي يمكن أن تضيف معلومات جديدة إلى تاريخ المنطقة والعالم.
ربط الجيل الجديد بالتراث والفرص الوظيفية للمتخصصين
من أبرز التحديات التي تناولتها الحلقة كيفية ربط الأجيال الجديدة بالتراث السعودي، خاصة في ظل التغير السريع في أنماط الحياة والمدن والتقنية.
فقد يكبر الشاب بعيدًا عن كثير من الممارسات والمهارات التي كانت جزءًا طبيعيًا من حياة الأجيال السابقة، وهو ما يمكن أن يؤدي بمرور الوقت إلى اتساع المسافة بين الإنسان وإرثه الثقافي.
ولهذا فإن حماية التراث لا يمكن أن تعتمد على الحفظ والتوثيق فقط، بل يجب أن تجعل الجيل الجديد قادرًا على اكتشاف هذا التراث وفهمه والتفاعل معه.
ويمكن أن تلعب المدارس والجامعات والمتاحف والفعاليات الثقافية والمنصات الرقمية دورًا كبيرًا في ذلك.
كما تستطيع التقنيات الحديثة تقديم التاريخ بأساليب أكثر جاذبية للشباب، مثل الجولات الافتراضية والمحتوى التفاعلي والوثائقيات الرقمية وإعادة تصور المواقع التاريخية.
ومن المهم كذلك تقديم التراث بوصفه جزءًا حيًا من المجتمع، وليس شيئًا من الماضي لا علاقة له بالحاضر.
فعندما يتعرف الشباب على أصول العمارة المحلية أو القصص التاريخية أو الحرف أو الفنون الموجودة في مناطقهم، يمكن أن تتكون علاقة أقوى بينهم وبين المكان الذي يعيشون فيه.
كما يؤدي ازدهار القطاع إلى طرح سؤال مهم حول وظائف التراث في السعودية والفرص المتاحة للخريجين والمتخصصين.
فقد تناول المستمعون خلال الحلقة مخاوف بعض الخريجين من محدودية الفرص الوظيفية رغم دراستهم تخصصات مرتبطة بالآثار والتاريخ والتراث.
وفي الواقع يحتاج القطاع إلى تخصصات متنوعة للغاية، وليس فقط علماء الآثار.
فهناك حاجة إلى متخصصين في ترميم المباني والقطع، وإدارة المواقع التراثية، والمتاحف، والتوثيق الرقمي، والبحث التاريخي، والأنثروبولوجيا، وإدارة المشاريع الثقافية، والتسويق، والتصميم، والإرشاد، وغيرها.
كما يمكن أن يوفر تطور السياحة الثقافية فرصًا جديدة للمرشدين ومنظمي التجارب والمشاريع الصغيرة التي تعتمد على الحرف والمنتجات المحلية.
لكن نجاح هذا المسار يحتاج إلى وجود علاقة واضحة بين التعليم وسوق العمل، بحيث يعرف الطالب المهارات المطلوبة بجانب تخصصه الأكاديمي.
وتطرقت أسئلة الجمهور كذلك إلى انتقال بعض الموظفين من منظومات سابقة إلى هيئة التراث، وما ارتبط بذلك من مسائل التسكين والمسارات الوظيفية.
وتعد إدارة الموارد البشرية جزءًا مهمًا من أي تحول مؤسسي، لأن بناء جهة جديدة لا يعتمد فقط على وضع استراتيجية، بل على وجود أشخاص يمتلكون الخبرات والمهارات اللازمة لتنفيذها.
كما ينبغي أن يصاحب نمو قطاع التراث تطوير لمسارات مهنية تجعل المتخصص قادرًا على رؤية مستقبل واضح في هذا المجال.
ومع تزايد الاهتمام بالآثار والتراث العمراني والحرف والسياحة الثقافية، يمكن أن يتحول قطاع التراث في السعودية إلى مساحة تجمع بين المحافظة على الهوية وخلق الوظائف والفرص الاستثمارية وتنمية المدن والمناطق التاريخية.
وبهذه الطريقة يصبح التراث موردًا حيًا يمكن للأجيال الجديدة الاستفادة منه، مع الحفاظ على أصالته وقيمته التاريخية ونقله إلى الأجيال المقبلة.