حماية الحياة الفطرية في السعودية: دور المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية | بودكاست سقراط مع محمد قربان
حماية الحياة الفطرية في السعودية ودور المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية
تمثل الحياة الفطرية في السعودية جزءًا مهمًا من الثروة الطبيعية للمملكة، خاصة مع التنوع الكبير في البيئات الصحراوية والجبلية والساحلية، وما تحتويه من أنواع متعددة من الحيوانات والنباتات والكائنات التي تحتاج إلى الحماية من الصيد الجائر وفقدان الموائل والتغيرات البيئية.
وفي إحدى حلقات بودكاست «سقراط»، استضاف عمر الجريسي محمد قربان، الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، للحديث عن التحولات التي شهدها قطاع الحياة الفطرية في المملكة، وأسباب الانتقال من الهيئة السعودية للحياة الفطرية إلى المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، إضافة إلى جهود حماية المحميات وإعادة توطين الأنواع المهددة بالانقراض.
وتناولت الحلقة أيضًا العلاقة بين المركز والجهات البيئية الأخرى، وآليات إطلاق الكائنات الفطرية في البيئات الطبيعية، وكيف تتم متابعة هذه الأنواع بعد إطلاقها، إلى جانب مناقشة الصيد الجائر وأثره على بعض الحيوانات، مثل الوعول، وسبل الحد من هذه الممارسات.
ويكتسب هذا الملف أهمية متزايدة مع توسع المملكة في مشروعات التنمية المستدامة وحماية التنوع البيولوجي، إذ أصبحت المحافظة على البيئة الطبيعية عنصرًا أساسيًا في التخطيط طويل المدى، وليس مجرد نشاط منفصل عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
التحول إلى المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية وتطوير منظومة الحماية
شهد قطاع الحياة الفطرية في المملكة تحولًا مؤسسيًا مهمًا مع الانتقال من الهيئة السعودية للحياة الفطرية إلى المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية.
ولا يقتصر هذا التحول على تغيير المسمى، بل يعكس توجهًا نحو تطوير الهيكل التنظيمي وتوزيع الاختصاصات بصورة أكثر كفاءة، بحيث تستطيع الجهات البيئية المختلفة التركيز على مهام محددة ضمن منظومة متكاملة.
وتحدث محمد قربان خلال الحلقة عن بعض التحديات التي كانت تواجه العمل سابقًا، وكيف ساهمت الهيكلة الجديدة في توضيح المسؤوليات وتوسيع نطاق العمل.
فالعمل في حماية الحياة الفطرية يحتاج إلى مجموعة واسعة من المهام، تبدأ من الأبحاث العلمية وجمع البيانات، ولا تنتهي عند حماية الحيوانات من الصيد الجائر.
بل تشمل أيضًا تطوير برامج الإكثار وإعادة التوطين، ومراقبة أعداد الأنواع، ودراسة الموائل الطبيعية، والتعامل مع الأنواع المهددة بالانقراض، والتعاون مع الجهات التنظيمية والبحثية.
كما أن وجود جهة متخصصة يساعد على بناء استراتيجيات طويلة الأجل بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع المشكلات البيئية بعد حدوثها.
فعلى سبيل المثال، إذا بدأت أعداد نوع معين في الانخفاض بصورة ملحوظة، يجب اكتشاف ذلك في مرحلة مبكرة قبل أن يصل إلى مستوى يجعل استعادته أكثر صعوبة أو تكلفة.
وهنا تظهر أهمية البيانات العلمية والمراقبة المستمرة للكائنات والموائل.
وتحتاج برامج المحافظة على الحياة الفطرية أيضًا إلى تخطيط يأخذ في الاعتبار التغيرات المناخية والأنشطة البشرية والتوسع العمراني والبنية التحتية، لأن جميع هذه العوامل يمكن أن تؤثر في حركة الحيوانات ومناطق تكاثرها ومصادر الغذاء والمياه.
ولهذا فإن حماية التنوع البيولوجي أصبحت عملية علمية وإدارية معقدة تحتاج إلى تعاون بين تخصصات متعددة.
العلاقة بين الجهات البيئية وحماية الموارد الطبيعية والمحميات
تناولت الحلقة كذلك طبيعة العلاقة بين المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية والجهات البيئية الأخرى، ومن بينها المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي.
ويؤدي كل مركز دورًا مختلفًا ضمن المنظومة البيئية. فبينما يركز أحدها بصورة أساسية على الحياة الفطرية والأنواع والموائل، تركز جهات أخرى على الالتزام بالأنظمة والمعايير البيئية ومراقبة الأنشطة التي قد تسبب التلوث أو التأثير السلبي على البيئة.
ويؤدي توزيع المسؤوليات بهذه الطريقة إلى بناء منظومة تستطيع التعامل مع القضايا البيئية من عدة زوايا.
فعلى سبيل المثال، قد تحتاج حماية محمية طبيعية إلى مراقبة الحيوانات الموجودة داخلها، وفي الوقت نفسه إلى التأكد من أن الأنشطة المحيطة بها لا تسبب تلوثًا أو أضرارًا تؤثر على النظام البيئي.
كما ناقش محمد قربان مفهوم الموارد الطبيعية داخل المحميات، والذي لا يقتصر على الحيوانات فقط، بل يشمل النباتات والمياه والتربة والموائل الطبيعية والعلاقات التي تربط جميع هذه العناصر معًا.
فالحفاظ على نوع من الحيوانات دون حماية البيئة التي يعيش فيها قد لا يكون كافيًا.
إذا اختفت النباتات التي يعتمد عليها الحيوان في الغذاء أو تعرضت مصادر المياه للتدهور، فإن الحيوان قد يواجه خطر الانخفاض حتى لو كان الصيد ممنوعًا.
ولهذا تقوم حماية المحميات على الحفاظ على النظام البيئي ككل، وليس على نوع واحد فقط.
كما تلعب المحميات دورًا في حماية المناطق الطبيعية من بعض أشكال التعديات والأنشطة التي قد تؤدي إلى تدهورها.
ويحتاج ذلك إلى رقابة ميدانية وأنظمة واضحة، إضافة إلى توعية المجتمع بأهمية هذه المناطق وما تمثله من قيمة طبيعية للأجيال الحالية والمقبلة.
المحميات الطبيعية وإعادة توطين الحيوانات المهددة بالانقراض في السعودية
تعد المحميات الطبيعية في السعودية من أهم الأدوات المستخدمة لحماية التنوع البيولوجي، لأنها توفر بيئات تستطيع فيها الحيوانات والنباتات الاستمرار والتكاثر بعيدًا عن الضغوط البشرية الكبيرة.
لكن إنشاء المحمية وحده لا يضمن نجاح عملية الحماية، بل تحتاج المحميات إلى إدارة علمية تراقب أعداد الكائنات وحالة النباتات وتوفر المياه وحجم التأثير البشري.
كما تحتاج بعض الأنواع إلى برامج خاصة بسبب انخفاض أعدادها بصورة كبيرة، وهو ما يدفع إلى تنفيذ عمليات الإكثار ثم إعادة الإطلاق في الطبيعة.
وقد تناولت الحلقة هذه العمليات بصورة موسعة، موضحة أن إعادة إطلاق الحيوان ليست مجرد نقله من مركز إكثار إلى منطقة مفتوحة، وإنما تمر بسلسلة من الخطوات العلمية قبل وبعد الإطلاق.
إعادة إطلاق المها والكائنات الفطرية ومراقبتها بعد العودة للطبيعة
من أبرز النماذج التي تناولها الحديث المها الوضيحي وجهود إكثاره وإعادته إلى بيئاته الطبيعية.
وتعد برامج إعادة التوطين من الأدوات المهمة المستخدمة عالميًا لاستعادة الأنواع التي تراجعت أعدادها أو اختفت من بعض مناطق انتشارها التاريخية.
وتبدأ العملية عادة ببرامج إكثار يتم خلالها المحافظة على التنوع الوراثي للنوع وضمان وجود مجموعات صحية قادرة على التكاثر.
بعد ذلك يتم اختيار الأفراد المناسبة للإطلاق وفق مجموعة من المعايير، مثل العمر والحالة الصحية والقدرة على التأقلم.
كما يتم اختيار المكان المناسب للإطلاق بعناية، لأن نجاح العملية يعتمد على توفر الغذاء والمياه والمساحة المناسبة وانخفاض مستوى المخاطر.
ولا تنتهي المهمة بمجرد إطلاق الحيوان.
بل تبدأ بعد ذلك مرحلة مهمة من المراقبة والمتابعة الميدانية لمعرفة كيفية تحرك الحيوانات ومدى تكيفها مع البيئة وقدرتها على العثور على الغذاء والتكاثر.
وقد تستخدم في هذه العمليات وسائل تتبع حديثة تساعد الباحثين على جمع معلومات عن حركة الحيوان وسلوكه.
وتصبح هذه البيانات مهمة جدًا في تقييم نجاح البرنامج واتخاذ قرارات مستقبلية بشأن إطلاق دفعات جديدة أو تعديل مواقع الإطلاق.
كما تحدثت الحلقة عن أن عمليات الإطلاق قد ترتبط بفترات معينة من السنة، وذلك لأن الظروف المناخية وتوفر الغذاء والمياه يمكن أن تؤثر بصورة كبيرة في قدرة الحيوانات على التأقلم.
فاختيار توقيت مناسب يزيد من فرص نجاح إعادة التوطين، خاصة في البيئات الصحراوية التي تتغير ظروفها بصورة ملحوظة بين الفصول.
وتساهم عمليات الإكثار والإطلاق في إعادة بناء الجماعات البرية، لكنها تحتاج إلى الاستمرار لفترات طويلة حتى تصل الأنواع إلى أعداد مستقرة يمكنها التكاثر بصورة طبيعية.
الحيوانات المهددة بالانقراض والصيد الجائر ومستقبل زيارة المحميات
ناقشت الحلقة ملف الحيوانات المهددة بالانقراض في السعودية، وأشارت إلى وجود عدد كبير من الأنواع التي تحتاج إلى مستويات مختلفة من الحماية.
وتختلف أسباب تراجع هذه الأنواع من حالة إلى أخرى، لكن الصيد الجائر وفقدان الموائل واضطراب البيئات الطبيعية تعد من أبرز العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى انخفاض أعداد الحيوانات.
ويظهر خطر الصيد الجائر بصورة واضحة عندما يستهدف أنواعًا تتكاثر ببطء أو توجد بأعداد محدودة.
فإزالة عدد صغير من الحيوانات من مجموعة محدودة قد تؤثر بشكل كبير على قدرتها على الاستمرار والتكاثر.
ومن الحيوانات التي تناولها النقاش الوعول الجبلية، خاصة في بعض المناطق التي تتعرض فيها لضغوط نتيجة ممارسات الصيد غير النظامي.
وتعيش الوعول في بيئات جبلية تحتاج إلى الحماية، كما أن طبيعة هذه المناطق قد تجعل مراقبتها ميدانيًا أكثر صعوبة.
ولهذا فإن الحد من الصيد الجائر لا يعتمد فقط على وجود الأنظمة والعقوبات، وإنما يحتاج أيضًا إلى زيادة الرقابة والاستفادة من التقنيات الحديثة ورفع مستوى الوعي.
كما يمكن للمجتمع نفسه أن يلعب دورًا في حماية الحياة الفطرية من خلال الإبلاغ عن الممارسات غير النظامية وعدم شراء أو تداول الحيوانات التي يتم الحصول عليها بطرق مخالفة.
وتناول الحوار كذلك سؤالًا يهم كثيرًا من محبي الطبيعة، وهو إمكانية زيارة المحميات الطبيعية.
فقد يتساءل البعض عن سبب عدم فتح جميع المحميات بشكل كامل أمام الجمهور، لكن تنظيم الزيارة يرتبط أساسًا بقدرة النظام البيئي على تحمل وجود أعداد من الزوار دون تعرضه للضرر.
بعض البيئات شديدة الحساسية، وقد يؤدي دخول أعداد كبيرة من الأشخاص أو المركبات إلى إزعاج الحيوانات أو تدمير النباتات أو التأثير على مناطق التكاثر.
ولهذا تحتاج السياحة في المحميات إلى تنظيم يحقق توازنًا بين إتاحة الفرصة للناس للتعرف على الطبيعة وبين حماية الكائنات الموجودة فيها.
ويمكن أن يتم ذلك من خلال مسارات محددة، ومواعيد للزيارة، وأعداد قصوى للزوار، ومناطق يسمح بالدخول إليها وأخرى تظل محمية.
كما تمثل الزيارات المنظمة فرصة مهمة لنشر الوعي البيئي، لأن مشاهدة الحيوانات في بيئاتها الطبيعية يمكن أن تجعل الناس أكثر إدراكًا لقيمة الحفاظ عليها.
وتساعد السياحة البيئية كذلك على تحويل الحياة الفطرية إلى مصدر للقيمة الاقتصادية والاجتماعية دون استنزافها، بشرط أن تتم وفق ضوابط واضحة.
ومع استمرار برامج الإكثار وإعادة التوطين وتطوير المحميات وتشديد الرقابة على الصيد الجائر، تصبح حماية الحياة الفطرية والتنوع البيولوجي في السعودية عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على الموارد الطبيعية، وتعزيز الاستدامة، وضمان بقاء الأنواع النادرة والمهددة للأجيال المقبلة.