هيئة فنون العمارة والتصميم: رؤية السعودية لتحول القطاع المعماري | بودكاست سقراط مع سمية السليمان
التحول المعماري في السعودية ودور هيئة فنون العمارة والتصميم في تطوير المدن
يشهد قطاع العمارة والتصميم في السعودية مرحلة مهمة من التحول، مدفوعة بالتوسع الحضري الكبير، وتطور المشروعات الوطنية، والاهتمام المتزايد بجودة الحياة والهوية البصرية للمدن. ولم تعد العمارة مجرد عملية بناء منشآت أو تخطيط مساحات، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في تشكيل التجربة اليومية للإنسان، والحفاظ على هوية المكان، وتحسين المشهد الحضري، وربط التنمية الحديثة بالثقافة المحلية.
وفي هذه الحلقة من بودكاست «سقراط»، يستضيف عمر الجريسي سمية السليمان، الرئيسة التنفيذية لهيئة فنون العمارة والتصميم، للحديث عن دور الهيئة في تطوير القطاع المعماري والتصميمي في السعودية، والتحديات التي تواجه الممارسين، والعلاقة بين العمارة وجودة المدن، إضافة إلى الاستراتيجيات والمبادرات التي تعمل عليها الهيئة لتحقيق تحول طويل المدى.
وتتناول الحلقة عددًا من القضايا المهمة، من بينها الفروق بين بعض نماذج التخطيط في الرياض وحي السفارات، وكيفية معالجة التحديات الموجودة في البيئة العمرانية الحالية، بالإضافة إلى مستقبل المعماريين والمصممين ودورهم في صياغة هوية المدن السعودية.
كما تسلط الضوء على العلاقة بين العمارة والثقافة، وهو جانب يفسر جزءًا مهمًا من موقع هيئة فنون العمارة والتصميم ضمن المنظومة الثقافية، لأن العمارة لا تعبر فقط عن الوظيفة أو التقنية، وإنما تحمل كذلك تاريخ المجتمع وقيمه وطريقة حياته.
كيف يمكن تطوير التخطيط العمراني وتحسين جودة المدن السعودية؟
تثير المقارنة بين الرياض وحي السفارات سؤالًا مهمًا حول معنى التخطيط العمراني الجيد، وكيف يمكن للمدينة أن تحقق التوازن بين الكثافة السكانية، وحركة المركبات، والمساحات العامة، والمباني، والخدمات، والمشاة.
فالتخطيط الجيد لا يعني فقط وجود طرق واسعة أو مبانٍ حديثة، بل يعتمد على الطريقة التي تتفاعل بها جميع عناصر المدينة مع الإنسان الذي يعيش فيها.
ومن هنا ظهر مفهوم أنسنة المدن، الذي يركز على تصميم المساحات الحضرية بطريقة تجعل المدينة أكثر راحة وسهولة للإنسان.
ويشمل ذلك الاهتمام بالممرات المخصصة للمشاة، والمناطق العامة، والتشجير، وسهولة الوصول إلى الخدمات، إضافة إلى تصميم الأحياء بطريقة تشجع على النشاط الاجتماعي والحركة.
فالمدينة التي يحتاج سكانها إلى استخدام السيارة في كل مهمة صغيرة تختلف بشكل كبير عن مدينة يستطيع السكان فيها الوصول إلى كثير من احتياجاتهم سيرًا على الأقدام.
كما يؤثر التصميم العمراني على العلاقات الاجتماعية وجودة الحياة. وجود ساحات عامة وحدائق ومساحات يمكن للناس استخدامها يخلق فرصًا للتفاعل ويمنح الأحياء هوية أكثر وضوحًا.
ومن الموضوعات المهمة كذلك كيفية تصحيح الوضع القائم في القطاع المعماري. فالمدن لا تبدأ دائمًا من صفحة بيضاء، بل يوجد تخطيط قائم ومبانٍ وشوارع وأحياء تم تطويرها في مراحل مختلفة.
ولهذا فإن عملية التحسين تحتاج إلى مزيج من تطوير المناطق الجديدة وإعادة تأهيل بعض المناطق القائمة.
وقد يشمل ذلك تحسين الأرصفة، وإعادة تنظيم المساحات العامة، وتطوير الواجهات، وزيادة الغطاء النباتي، وتحسين استخدام الأراضي.
كما يمكن أن تساعد أدوات التخطيط الحديثة في دراسة حركة الناس والمركبات واستخدام الخدمات، ثم اتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن مستقبل الأحياء.
ويبرز هنا دور المعماري والمصمم الحضري بوصفهما جزءًا من عملية تطوير المدينة، وليس فقط منفذين لشكل المبنى.
فالمعماري يحتاج إلى فهم البيئة والمناخ والثقافة واحتياجات المستخدمين قبل الوصول إلى الحل التصميمي.
المعماريون والمصممون وأهمية تطوير المهنة في السعودية
ناقشت الحلقة قضية مهمة تتعلق بوضع المعماريين والمصممين في السعودية، بما في ذلك التحديات المتعلقة بعدد الممارسين وطبيعة المهنة ومكانتها داخل سوق العمل.
فالتحول العمراني الكبير يحتاج إلى كوادر متخصصة قادرة على التعامل مع مشروعات معقدة ومتنوعة.
ولا يقتصر الأمر على المعماريين فقط، بل يشمل تخصصات التصميم المختلفة التي تساهم في تشكيل المباني والمنتجات والبيئة الداخلية والتجربة البصرية.
ومن أهم التحديات التي تواجه أي قطاع مهني جذب الكفاءات والمحافظة عليها. فإذا لم يكن المسار المهني واضحًا، أو لم يشعر المتخصص بوجود فرص كافية للتطور، فقد يتجه إلى مجالات أخرى.
ولهذا فإن تطوير قطاع العمارة يحتاج إلى الاهتمام بالتعليم والتدريب، وتوضيح الفرص المهنية، ورفع مستوى الوعي بقيمة التصميم.
كما تحتاج المؤسسات إلى منح المعماريين مساحة أكبر للمشاركة في مراحل التخطيط المبكرة، بدلًا من التعامل معهم فقط بعد اتخاذ معظم القرارات الأساسية.
فالقرارات التي يتم اتخاذها في بداية المشروع يكون لها تأثير كبير على التكلفة والجودة والاستدامة وتجربة المستخدم.
ومن القضايا التي أثارتها الحلقة كذلك لقب «مهندس» للمعماريين والمصممين، وهو موضوع يعكس النقاش حول الهوية المهنية لكل تخصص وطبيعة المؤهلات والمسؤوليات المرتبطة به.
ويحتاج تنظيم المهن إلى تعريف واضح للأدوار والمعايير المهنية، خاصة مع وجود تداخل بين الهندسة والعمارة والتصميم والتخطيط.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا يقتصر تطوير المهنة على الألقاب، بل يجب أن يرتبط بمستوى التدريب والمعرفة وجودة العمل.
ومن المجالات المهمة أيضًا تشجيع الجيل الجديد على دخول تخصصات العمارة والتصميم من خلال عرض الفرص المتاحة والمشروعات التي يمكنهم المشاركة فيها.
فالمشروعات الكبرى التي تشهدها المملكة توفر فرصًا لتكوين خبرات جديدة، لكن الاستفادة منها تحتاج إلى إعداد الكفاءات المحلية بصورة مستمرة.
استراتيجية هيئة فنون العمارة والتصميم ومستقبل الهوية المعمارية في السعودية
يتمثل أحد الأدوار المهمة لـ هيئة فنون العمارة والتصميم في تطوير القطاع بصورة شاملة، وليس التركيز على نوع واحد من المشروعات.
ويشمل ذلك العمل على الممارسين، والتعليم، والوعي العام، والمبادرات، والهوية، والتعاون مع الجهات المختلفة.
وهذا يفسر وجود تقاطع كبير بين عمل الهيئة وجهات أخرى، لأن العمارة ترتبط بالبناء والإسكان والثقافة والبلديات والاقتصاد والسياحة.
ومن أبرز الأمثلة على هذا التقاطع كود البناء وأنسنة المدن، حيث تحتاج هذه الملفات إلى تعاون بين الجهات التنظيمية والجهات الثقافية والمهنية.
فالهيئة يمكن أن تركز على جودة التصميم والهوية والممارسة المهنية، بينما تتولى جهات أخرى جوانب تنظيمية أو تنفيذية مختلفة.
قطاعات الهيئة ومبادراتها ودورها في صناعة تحول معماري طويل المدى
تطرقت الحلقة إلى قطاعات هيئة فنون العمارة والتصميم الستة، وهي جزء من الرؤية التي تهدف إلى التعامل مع القطاع باعتباره منظومة واسعة متعددة التخصصات.
ويمنح هذا التقسيم القدرة على تطوير مجالات مختلفة بدلًا من اختزال التصميم في العمارة فقط.
فالتصميم يمكن أن يشمل مساحات داخلية، ومنتجات، وتجارب، وهوية بصرية، وغيرها من المجالات التي تتداخل مع حياة الإنسان اليومية.
ويهدف تطوير هذه القطاعات إلى بناء صناعة تصميم أكثر نضجًا، بحيث توجد فرص للممارسين، وبرامج للتدريب، ومنصات لعرض الأعمال، ومبادرات لتحسين جودة المشروعات.
كما يمكن لهذه المنظومة أن تساهم في دعم الاقتصاد الإبداعي، لأن التصميم لا يمثل جانبًا جمالياً فقط، بل يمكن أن يكون له أثر اقتصادي واضح.
فالمنتج الجيد، والمبنى الجيد، والمساحة العامة الجيدة كلها عناصر يمكن أن تزيد قيمة المشروعات وتحسن تجربة المستخدم.
كما ناقشت الحلقة استراتيجية الهيئة وبعض المبادرات التي تم تنفيذها، وهي خطوات تساعد على الانتقال من الأفكار العامة إلى برامج قابلة للتطبيق.
وتحتاج أي استراتيجية ناجحة إلى أهداف واضحة ومؤشرات لقياس النتائج، مثل زيادة عدد الممارسين، أو رفع جودة المشروعات، أو تعزيز حضور التصميم السعودي محليًا ودوليًا.
ومن العناصر المهمة أيضًا بناء مجتمع مهني يسمح للمعماريين والمصممين بالتواصل وتبادل الخبرات.
فالقطاعات الإبداعية تتطور بصورة أسرع عندما توجد بيئة تسمح بالنقاش والتجربة وعرض الأعمال.
كما يمكن للمسابقات والمعارض والبرامج التعليمية أن تلعب دورًا في اكتشاف المواهب الجديدة ومنحها فرصًا للظهور.
ميثاق الملك سلمان والهوية المعمارية ومستقبل تصميم المدن السعودية
يمثل ميثاق الملك سلمان العمراني أحد الموضوعات المهمة التي تناولتها الحلقة، لأنه يطرح سؤالًا أساسيًا حول كيفية بناء عمارة حديثة تحافظ في الوقت نفسه على هوية المكان.
فالهوية المعمارية لا تعني تكرار أشكال الماضي حرفيًا، وإنما فهم المبادئ التي شكلت العمارة المحلية ثم إعادة تفسيرها بما يناسب الاحتياجات الحديثة.
قد تظهر هذه الهوية في استخدام المواد، أو علاقة المبنى بالمناخ، أو تنظيم المساحات، أو طريقة ارتباط المشروع بالمدينة والإنسان.
ومن هنا يأتي التساؤل حول ما إذا كان ميثاق الملك سلمان سيصبح كودًا إلزاميًا يطبق على جميع المشروعات أم إطارًا توجيهيًا يساعد المعماريين والمطورين على الوصول إلى تصميمات أفضل.
والفرق بين الكود والميثاق مهم، لأن الأكواد عادة تحدد متطلبات فنية وتنظيمية يجب الالتزام بها، بينما يمكن للمواثيق والمبادئ التصميمية أن تقدم إطارًا أوسع للجودة والهوية.
كما أن التنوع الكبير بين مناطق السعودية يجعل فكرة الهوية المعمارية أكثر ثراءً.
فالمملكة تضم بيئات مختلفة من حيث المناخ والتاريخ ومواد البناء وأساليب الحياة، وبالتالي لا يجب أن يعني تطوير الهوية فرض شكل موحد على كل المدن.
بل يمكن أن يكون الهدف هو تعزيز الخصائص المحلية لكل منطقة داخل إطار معماري معاصر.
ومن الموضوعات التي ترتبط بذلك النصب التذكارية والرموز العمرانية التي تعكس هوية المدن الرئيسية.
فالمدن الكبرى حول العالم غالبًا ما تمتلك معالم تصبح مرتبطة بصورتها الذهنية، وقد تكون مبنى أو مساحة عامة أو نصبًا أو عنصرًا حضريًا مميزًا.
لكن نجاح هذه المعالم لا يعتمد على حجمها أو غرابتها فقط، وإنما على ارتباطها بثقافة المدينة وذاكرة سكانها.
ولهذا فإن إنشاء رمز معماري ناجح يحتاج إلى فهم قصة المكان وما الذي يريد التعبير عنه.
كما ينبغي أن يتم النظر إلى الهوية على مستوى المدينة كاملة، وليس من خلال مبنى واحد فقط.
فالواجهات والمساحات العامة والأرصفة والتشجير والإضاءة واللافتات كلها تشكل في النهاية التجربة البصرية التي يعيشها السكان والزوار.
ولهذا فإن التحول المعماري في السعودية يحتاج إلى تعاون مستمر بين المعماريين والمصممين والمخططين والجهات الحكومية والمطورين والمجتمع.
ومع زيادة الوعي بأهمية التصميم، يمكن أن تتحول العمارة من عنصر يُنظر إليه بعد الانتهاء من التخطيط إلى أداة أساسية تساعد منذ البداية على بناء مدن أكثر إنسانية واستدامة وارتباطًا بهويتها.
ويصبح نجاح هيئة فنون العمارة والتصميم مرتبطًا بقدرتها على تطوير الكفاءات، وتعزيز جودة الممارسة، وتحفيز الابتكار، وبناء لغة معمارية معاصرة تعكس التنوع الثقافي للمملكة وتواكب في الوقت نفسه متطلبات التنمية والمشروعات المستقبلية.