إدارة النفايات وتحقيق الاقتصاد الدائري: بودكاست سقراط مع الدكتور عبدالله السباعي

777 مشاهدة
2025 Apr

إدارة النفايات في السعودية ودور مركز موان في تحقيق الاقتصاد الدائري

أصبحت إدارة النفايات في السعودية من الملفات المهمة المرتبطة بالاستدامة وحماية البيئة وتحسين جودة الحياة، خاصة مع النمو السكاني والاقتصادي وزيادة معدلات الاستهلاك. وفي إحدى حلقات بودكاست «سقراط»، نستضيف الدكتور عبدالله السباعي، الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لإدارة النفايات «موان»، للحديث عن واقع القطاع، وأسباب تأسيس المركز، وكيف تسعى المملكة إلى تطوير منظومة متكاملة لإدارة النفايات وفق مفهوم الاقتصاد الدائري.

وتتناول الحلقة عددًا من القضايا المهمة، بداية من طبيعة دور مركز موان وعلاقته بالجهات الحكومية الأخرى، وصولًا إلى كيفية تقليل النفايات قبل إنتاجها، وتشجيع المستثمرين على دخول القطاع، وتغيير الثقافة المجتمعية تجاه الفرز وإعادة الاستخدام والتدوير.

كما يوضح الحوار أن تطوير قطاع النفايات لا يعني فقط إنشاء مزيد من مشروعات إعادة التدوير، وإنما يحتاج إلى تغيير شامل في طريقة التفكير في الموارد منذ مرحلة الإنتاج وحتى نهاية دورة حياة المنتج.

لماذا تأسس المركز الوطني لإدارة النفايات موان؟

بدأت الحلقة بالحديث عن قصة تأسيس المركز الوطني لإدارة النفايات والحاجة إلى وجود جهة متخصصة تعمل على تنظيم القطاع وتطويره.

وتزداد أهمية إدارة النفايات مع توسع المدن وارتفاع أعداد السكان وزيادة الأنشطة الصناعية والتجارية. فكل هذه العوامل تؤدي بطبيعتها إلى إنتاج كميات أكبر من النفايات، وهو ما يفرض الحاجة إلى خطط أكثر كفاءة للتعامل معها.

ولا تقتصر مشكلة النفايات على منظرها أو طريقة التخلص منها، بل تمتد آثارها إلى البيئة والصحة والاقتصاد. فالتخلص غير السليم من النفايات قد يؤدي إلى تلوث التربة والمياه والهواء، كما يمكن أن يرفع تكاليف المعالجة ويؤدي إلى فقدان موارد كان من الممكن الاستفادة منها مرة أخرى.

ومن هنا جاء دور مركز موان كجهة تهدف إلى تنظيم القطاع ووضع الأطر واللوائح التي تساعد على تطويره.

وتناول الحوار بعض التساؤلات التي قد تطرح حول الحاجة إلى إنشاء مركز متخصص في ظل وجود جهات حكومية أخرى تتعامل مع قضايا البيئة.

وأوضح الدكتور عبدالله السباعي أن وجود المركز لا يمثل مجرد إضافة إدارية جديدة، بل يأتي ضمن محاولة بناء منظومة أكثر تخصصًا وتنظيمًا.

فقطاع النفايات يتداخل مع جهات متعددة، من بينها وزارة البيئة والمياه والزراعة والبلديات والجهات التنظيمية والشركات الخاصة والمستثمرون.

ولهذا يحتاج القطاع إلى جهة قادرة على تنسيق الأدوار ووضع القواعد العامة وتحديد المسؤوليات، بما يقلل التداخل ويساعد على رفع الكفاءة.

وتبرز أهمية هذا التنظيم عندما ننظر إلى سلسلة إدارة النفايات بالكامل، والتي تبدأ من إنتاج النفايات وجمعها ونقلها، ثم فرزها ومعالجتها وإعادة تدويرها أو التخلص النهائي منها.

كل مرحلة من هذه المراحل تحتاج إلى معايير واضحة وآليات رقابية واستثمارات وبنية تحتية مناسبة.

كما أن تطوير المنظومة يساعد على بناء بيانات أكثر دقة حول أنواع النفايات وكمياتها ومصادرها، وهو ما يسهّل التخطيط واتخاذ القرارات.

تقليل النفايات قبل التدوير هو الأولوية الأساسية

من أبرز النقاط التي ركز عليها الدكتور عبدالله السباعي أن الأولوية في إدارة النفايات ليست دائمًا إعادة التدوير.

فعندما يسمع كثير من الناس مصطلح الاستدامة أو إدارة النفايات، قد يفكرون مباشرة في التدوير، لكن المنظومات الحديثة تبدأ بخطوة أكثر أهمية وهي الحد من إنتاج النفايات من الأصل.

فالمنتج الذي لم يتحول إلى نفاية لا يحتاج إلى جمع أو نقل أو معالجة أو إعادة تدوير، وبالتالي تكون التكلفة البيئية والاقتصادية أقل.

ولهذا تقوم فلسفة إدارة النفايات الحديثة على مجموعة من المراحل المتدرجة، تبدأ بالوقاية وتقليل الاستهلاك غير الضروري، ثم إعادة الاستخدام، وبعد ذلك إعادة التدوير والاستفادة من المواد.

أما التخلص النهائي من النفايات، فيأتي في المراحل الأخيرة عندما لا يكون هناك بديل أفضل.

ويتطلب تقليل النفايات مشاركة عدة أطراف، من بينها الشركات والمصنعون والمستهلكون.

فالشركات يمكنها تقليل استخدام المواد غير الضرورية في التغليف، وتصميم منتجات يمكن استخدامها لفترة أطول، كما يمكنها الاعتماد على مواد يسهل إعادة تدويرها.

أما المستهلك، فيستطيع المساهمة من خلال تغيير بعض العادات اليومية، مثل تقليل استخدام المنتجات ذات الاستخدام الواحد، وعدم شراء كميات أكبر من الحاجة، وإعادة استخدام بعض المنتجات بدلًا من التخلص منها بسرعة.

وتؤدي هذه الممارسات الصغيرة عند تطبيقها على نطاق واسع إلى خفض كميات كبيرة من النفايات.

الاقتصاد الدائري والاستثمار في قطاع النفايات

تحدثت الحلقة بصورة موسعة عن الاقتصاد الدائري باعتباره أحد المفاهيم الأساسية التي يمكن أن تغير طريقة التعامل مع النفايات.

ويختلف الاقتصاد الدائري عن النموذج التقليدي أو ما يعرف باسم الاقتصاد الخطي.

ففي الاقتصاد الخطي تبدأ الدورة باستخراج المواد الخام، ثم تصنيع المنتج واستخدامه، وبعد ذلك التخلص منه عندما تنتهي الحاجة إليه.

أما في الاقتصاد الدائري، فالهدف هو إبقاء المنتج أو المواد المستخدمة فيه داخل الدورة الاقتصادية لأطول فترة ممكنة.

ويتم ذلك من خلال إعادة الاستخدام والصيانة والإصلاح والتجديد وإعادة التصنيع والتدوير.

ما الفرق بين الاقتصاد الدائري والاقتصاد الخطي؟

يمكن فهم الفرق بين النظامين من خلال النظر إلى دورة حياة المنتج.

في الاقتصاد الخطي، قد يتم شراء منتج واستخدامه لفترة قصيرة ثم التخلص منه، حتى إذا كانت بعض مكوناته ما تزال قابلة للاستفادة.

هذا النموذج يؤدي إلى استهلاك مستمر للمواد الخام وزيادة النفايات، كما يفرض ضغطًا أكبر على الموارد الطبيعية.

أما الاقتصاد الدائري فيحاول إعادة التفكير في هذه الدورة بالكامل.

فبدلًا من اعتبار المنتج نفاية بمجرد انتهاء استخدامه الأول، يمكن إصلاحه أو إعادة استخدامه أو تفكيكه والاستفادة من مكوناته.

وقد تدخل بعض المواد بعد ذلك في عملية تصنيع منتج جديد.

وهذا النموذج لا يحقق فوائد بيئية فقط، بل يمكن أن يخلق فرصًا اقتصادية جديدة.

فعندما تتحول النفايات إلى مواد يمكن استخدامها، تظهر أنشطة جديدة مرتبطة بالجمع والفرز والمعالجة وإعادة التصنيع والتدوير.

وتحتاج هذه الأنشطة إلى شركات ومصانع وتقنيات وعمالة متخصصة، وهو ما يخلق فرصًا استثمارية ووظيفية.

كما يساهم الاقتصاد الدائري في تقليل الاعتماد على استيراد بعض المواد الخام، لأن جزءًا من الاحتياجات يمكن توفيره من المواد التي تمت استعادتها من المنتجات المستعملة.

وتصبح هذه الفكرة أكثر أهمية مع ارتفاع أسعار بعض الموارد وزيادة الاهتمام العالمي بتقليل الانبعاثات وتحسين كفاءة استخدام المواد.

وفي هذا السياق، يسعى مركز موان إلى دعم تحول قطاع النفايات من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على التخلص النهائي إلى نموذج يعظم الاستفادة من المواد والموارد.

الاستثمار في النفايات وفرص النمو المستقبلية

تناولت الحلقة كذلك الاستثمار في قطاع النفايات، وهو مجال لم يكن يحظى في السابق بالفرص نفسها التي يحظى بها اليوم.

وقد كانت إدارة النفايات في كثير من الأحيان تُعامل باعتبارها خدمة مرتبطة بجمع المخلفات والتخلص منها، لكن النظرة الحديثة أصبحت ترى القطاع بوصفه مجالًا اقتصاديًا يمكن أن يحقق عوائد ويخلق فرصًا جديدة.

وتوجد فرص استثمارية في عدة مراحل، من بينها جمع النفايات، والفرز، وإعادة التدوير، ومعالجة المخلفات العضوية، وتحويل بعض أنواع النفايات إلى مواد أو منتجات جديدة.

كما يمكن للتقنيات الحديثة أن تلعب دورًا مهمًا في تحسين كفاءة القطاع.

فأنظمة التتبع وتحليل البيانات تساعد على معرفة مصادر النفايات وكمياتها، كما يمكن استخدام تقنيات متقدمة في الفرز والمعالجة.

وتحتاج الشركات التي ترغب في دخول القطاع إلى بيئة تنظيمية واضحة، لأن المستثمر يريد معرفة القواعد والتراخيص والالتزامات والمعايير المطلوبة.

ومن هنا تبرز أهمية اللائحة التنظيمية لقطاع إدارة النفايات، التي تساعد على تحديد مسؤوليات الأطراف وتوفير إطار أكثر وضوحًا للاستثمار.

ويؤدي تنظيم السوق إلى تحسين المنافسة ومنع الممارسات غير النظامية، إضافة إلى رفع جودة الخدمات التي تقدمها الشركات.

كما يساعد المستثمرين على بناء خطط طويلة المدى، لأن وضوح الأنظمة يقلل درجة عدم اليقين.

وتسعى المملكة من خلال تطوير هذا القطاع إلى الجمع بين الفائدة البيئية والعائد الاقتصادي، بحيث تصبح إدارة النفايات جزءًا من الاقتصاد بدلًا من كونها تكلفة فقط.

فرز النفايات من المصدر والابتكار في مستقبل القطاع

من أهم التحديات التي ناقشتها الحلقة مسألة فرز النفايات من المصدر.

فالعملية تصبح أكثر كفاءة عندما يتم فصل أنواع النفايات منذ البداية بدلًا من جمعها كلها معًا ثم محاولة فرزها لاحقًا.

فعندما يتم فصل الورق والبلاستيك والمعادن والمخلفات العضوية، يصبح التعامل مع كل نوع أكثر سهولة، كما ترتفع جودة المواد القابلة لإعادة التدوير.

أما خلط النفايات فقد يؤدي إلى تلوث بعض المواد وتقليل قيمتها الاقتصادية، وهو ما يجعل عملية إعادة التدوير أكثر صعوبة وتكلفة.

كيف يمكن تشجيع المجتمع على فرز النفايات؟

نجاح عملية الفرز لا يعتمد على توفير الحاويات فقط، بل يحتاج إلى تغيير السلوك المجتمعي.

فإذا لم يفهم الفرد سبب فصل النفايات أو لم يعرف الطريقة الصحيحة، فلن تحقق المنظومة النتائج المطلوبة.

ولهذا تلعب حملات التوعية دورًا مهمًا في تعريف الناس بأنواع النفايات وكيفية التعامل معها.

كما يجب أن تكون التعليمات واضحة وسهلة، لأن الأنظمة المعقدة قد تقلل من التزام الناس.

ويمكن أن تبدأ عملية الفرز من المنازل والمدارس والجامعات والمكاتب والمجمعات التجارية، ثم تنتقل النفايات إلى منشآت متخصصة.

وتساعد المدارس بصورة خاصة في بناء عادات طويلة المدى، لأن تعليم الأطفال مفهوم الاستدامة منذ الصغر يجعل التعامل مع النفايات جزءًا طبيعيًا من السلوك اليومي.

كما يمكن للشركات أن تشارك من خلال تقليل النفايات الناتجة عن أعمالها، وتوفير نقاط مخصصة للفرز داخل المكاتب والمنشآت.

ويحتاج نجاح المنظومة كذلك إلى وجود بنية تحتية قادرة على استيعاب النفايات التي تم فرزها.

فلا فائدة من مطالبة السكان بالفصل بين المواد إذا كانت جميعها ستجمع بعد ذلك بالطريقة نفسها.

ولهذا يجب أن تعمل جميع مراحل المنظومة بصورة مترابطة من المصدر وحتى منشأة المعالجة.

الابتكار والاستراتيجية المستقبلية لإدارة النفايات في السعودية

ناقشت الحلقة كذلك دور الابتكار في تطوير قطاع النفايات.

ويفتح التطور التقني فرصًا جديدة لتحويل المواد التي كان يتم التخلص منها سابقًا إلى منتجات ذات قيمة.

وتشمل الابتكارات تقنيات الفرز الآلي، ومعالجة النفايات العضوية، وتحويل بعض المخلفات إلى وقود أو مواد صناعية، إضافة إلى تطوير مواد وتصاميم منتجات أكثر سهولة في إعادة الاستخدام أو التدوير.

كما تساعد البيانات والأنظمة الرقمية على تحسين عمليات الجمع والنقل، إذ يمكن تحديد المواقع التي تنتج كميات أكبر من النفايات وتنظيم مسارات المركبات بطريقة أكثر كفاءة.

وتؤدي هذه التقنيات إلى تقليل التكاليف والانبعاثات ورفع كفاءة التشغيل.

ويعتمد مستقبل القطاع على قدرة المركز والجهات الأخرى على تشجيع الشركات الناشئة والمبتكرين على تطوير حلول جديدة.

فبعض المشكلات البيئية يمكن أن تتحول إلى فرص لأعمال جديدة إذا وجد المستثمرون البيئة المناسبة لتجربة حلولهم وتوسيعها.

وفي الجزء الأخير من الحلقة، تناولت أسئلة أصدقاء «سقراط» الاستراتيجية المستقبلية لمركز موان واللائحة التنظيمية التي تهدف إلى تطوير القطاع بصورة شاملة.

وتكتسب الاستراتيجية أهمية كبيرة لأنها تحدد الاتجاه الذي يجب أن تسير فيه الجهات المختلفة، وتربط بين الأهداف البيئية والاقتصادية والتنظيمية.

وتحتاج منظومة إدارة النفايات الناجحة إلى تحديد نسب مستهدفة لتقليل النفايات وإعادة الاستخدام والتدوير، إلى جانب تطوير البنية التحتية وتنظيم المستثمرين ورفع مستوى الرقابة.

كما يجب متابعة النتائج بصورة مستمرة، لأن نجاح أي استراتيجية يعتمد على القدرة على قياس ما تحقق بالفعل وتصحيح المسار عند الحاجة.

ويظهر من تجربة مركز موان أن مستقبل إدارة النفايات في المملكة يعتمد على التحول من التفكير في سؤال «كيف نتخلص من النفايات؟» إلى سؤال أكثر شمولًا وهو «كيف نمنع تكوّنها ونستفيد من المواد الموجودة فيها لأطول فترة ممكنة؟».

وهذا التحول يمثل جوهر الاقتصاد الدائري، حيث تتحول النفايات من عبء بيئي واقتصادي إلى مورد يمكن أن يدخل من جديد في دورة الإنتاج، بما يدعم الاستدامة ويوفر فرصًا استثمارية ويساهم في بناء قطاع أكثر كفاءة في المملكة.

قد يعجيك أيضاً

عرض الكل

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

422030 مشاهدة
2022 Dec
لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

Podcast

7165 مشاهدة
2023 Mar
مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

Podcast

5220 مشاهدة
2023 Mar
كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

Podcast

13957 مشاهدة
2023 Sep
المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

الأكثر مشاهدة - Most Watched

10995 مشاهدة
2025 Jan
كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

22799 مشاهدة
2025 Jan