إعادة تعريف القطاع الصناعي السعودي | بودكاست سقراط مع وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف
مستقبل الصناعة في السعودية ودور رؤية 2030 في بناء قطاع صناعي أكثر تنافسية
يشهد القطاع الصناعي السعودي مرحلة تحول مهمة تهدف إلى زيادة مساهمة الصناعة في الاقتصاد الوطني، ورفع المحتوى المحلي، وتعزيز تنافسية المنتجات السعودية في الأسواق المحلية والعالمية. وفي إحدى حلقات بودكاست «سقراط»، استضاف البرنامج معالي الأستاذ بندر بن إبراهيم الخريف، وزير الصناعة والثروة المعدنية ورئيس مجلس إدارة هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، في حوار شامل حول واقع الصناعة في المملكة، والتحديات التي واجهتها تاريخيًا، والاستراتيجيات الجديدة التي يتم العمل عليها ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.
وتناولت الحلقة مجموعة من الملفات المهمة، من بينها أسباب تعثر بعض التجارب الصناعية السابقة، وكيف تغيرت طريقة تعامل الدولة مع القطاع الصناعي، إضافة إلى أهمية الابتكار والقيمة المضافة في بناء صناعة قادرة على المنافسة عالميًا.
كما ناقش الحوار مبادرة «صنع في السعودية»، ودورها في دعم المنتجات الوطنية والمصانع المحلية، إلى جانب أهمية توفير البيانات للمستثمرين، وزيادة التعاون مع القطاع الخاص، وبناء بيئة صناعية أكثر جاذبية للاستثمارات.
لماذا واجه القطاع الصناعي السعودي تحديات في الماضي؟
بدأ الحوار بالحديث عن الجذور التاريخية للتحديات التي واجهت الصناعة في السعودية، وهي قضية مهمة لفهم طبيعة التحول الحالي.
فالنجاح الصناعي لا يتحقق بمجرد إنشاء المصانع، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التمويل، والبنية التحتية، وسلاسل الإمداد، والكوادر البشرية، والبحث والتطوير، والوصول إلى الأسواق.
وقد تواجه الصناعات صعوبات عندما تعمل هذه العناصر بصورة منفصلة أو عندما لا توجد استراتيجية طويلة المدى تحدد القطاعات التي يجب الاستثمار فيها.
وأشار بندر الخريف خلال الحوار إلى أن بعض التحديات السابقة كانت مرتبطة بعوامل هيكلية وممارسات لم تساعد القطاع على تحقيق كامل إمكاناته.
لكن رؤية السعودية 2030 غيرت النظرة إلى الصناعة باعتبارها أحد القطاعات الأساسية لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على مصادر دخل محدودة.
ويعني ذلك أن الصناعة لم تعد مجرد نشاط اقتصادي منفصل، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية أوسع ترتبط بالتوظيف والتصدير والاستثمار والتكنولوجيا.
كما أن الحديث بصورة واضحة عن التحديات لا يعني ضعف القطاع، بل يمكن أن يمثل نقطة انطلاق لتطوير السياسات وتصحيح المشكلات.
ولهذا أشار الوزير إلى أن الحديث عن تحديات الصناعة قد يكون أمرًا إيجابيًا إذا أدى إلى اتخاذ قرارات أكثر جرأة ووضوحًا.
وتحتاج أي استراتيجية صناعية ناجحة إلى تحديد نقاط القوة التي تستطيع الدولة البناء عليها.
فليس من الضروري أن تنافس جميع الدول في المجالات نفسها، بل يمكن لكل اقتصاد التركيز على القطاعات التي يمتلك فيها مزايا نسبية أو فرصًا مستقبلية كبيرة.
وفي حالة السعودية، توجد فرص مرتبطة بالطاقة، والمعادن، والبتروكيماويات، والصناعات المتقدمة، والخدمات اللوجستية، إلى جانب قطاعات صناعية جديدة يمكن تطويرها مع توسع الاقتصاد.
كما أن الموقع الجغرافي للمملكة يمكن أن يساهم في تعزيز ارتباطها بالأسواق الإقليمية والدولية.
المنافسة الصناعية لا تعتمد على السعر فقط
ناقشت الحلقة المقارنات التي تُطرح عادة بين الصناعة السعودية ودول صناعية كبرى مثل الصين وألمانيا.
لكن المنافسة في الأسواق العالمية لا تعتمد فقط على إنتاج السلعة بأقل سعر ممكن.
فهناك عوامل أخرى مهمة مثل الجودة، وسرعة التوريد، والابتكار، وخدمة العملاء، والقدرة على تطوير المنتجات، والاعتماد على تقنيات حديثة.
وتعتبر القيمة المضافة من أهم المفاهيم في الصناعة الحديثة.
فبدلًا من تصدير المواد الخام فقط، يمكن تحويلها إلى منتجات أكثر تعقيدًا وقيمة، وهو ما يحقق عائدًا اقتصاديًا أكبر ويوفر وظائف أكثر تخصصًا.
ويحتاج الانتقال إلى الصناعات ذات القيمة المضافة إلى استثمارات في البحث والتطوير والتقنية والكوادر البشرية.
كما تحتاج الشركات إلى القدرة على فهم الأسواق العالمية ومعرفة المنتجات التي يوجد عليها طلب متزايد.
ويظهر هنا دور الابتكار الصناعي، لأن المنتجات التي لا تتطور قد تفقد قدرتها على المنافسة مع مرور الوقت.
فالابتكار قد يكون في المنتج نفسه، أو طريقة التصنيع، أو تقليل التكلفة، أو تحسين الكفاءة، أو استخدام مواد جديدة.
كما يمكن للتكنولوجيا الرقمية أن تغير شكل الصناعة من خلال الأتمتة وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء.
وتساعد هذه التقنيات على تحسين الإنتاج وتقليل الأخطاء ومراقبة المصانع بصورة أكثر دقة.
ولهذا فإن بناء قطاع صناعي حديث يحتاج إلى الاستثمار في التقنيات بقدر الاستثمار في المصانع والمعدات.
مبادرة صنع في السعودية والمحتوى المحلي كأدوات لدعم الإنتاج الوطني
من أبرز الموضوعات التي تناولتها الحلقة مبادرة «صنع في السعودية»، التي تهدف إلى تعزيز مكانة المنتجات الوطنية وتشجيع المستهلكين والشركات على التعرف إلى المنتجات المصنعة محليًا.
وتأتي هذه المبادرة ضمن توجه أوسع لزيادة مساهمة الصناعات المحلية في الاقتصاد ورفع مستوى الثقة بالمنتج السعودي.
ولا يقتصر نجاح المبادرة على استخدام شعار أو هوية تسويقية، بل يحتاج إلى أن يرتبط المنتج بجودة حقيقية وقدرة على المنافسة.
فالهدف النهائي هو أن يصبح اسم المنتج السعودي مؤشرًا على الجودة والابتكار وليس مجرد بلد المنشأ.
كيف تدعم مبادرة صنع في السعودية المصانع والمستثمرين؟
تساعد مبادرة صنع في السعودية على تسليط الضوء على المنتجات الوطنية ومنحها حضورًا أكبر أمام المستهلكين والمشترين.
وقد تستفيد الشركات المحلية من هذا الحضور في زيادة الوعي بعلاماتها التجارية والوصول إلى أسواق جديدة.
كما يمكن للمبادرة أن تساهم في تعزيز الثقة بين المستهلك والمنتج المحلي، خاصة إذا ارتبطت بمعايير واضحة للجودة.
وتزداد أهمية هذه الفكرة عندما تسعى المملكة إلى رفع نسبة المحتوى المحلي.
فالمحتوى المحلي لا يعني فقط تصنيع المنتج النهائي داخل المملكة، بل يمكن أن يشمل المواد المستخدمة والخدمات والموردين والعمالة والخبرات والتقنيات المحلية.
وكلما زادت نسبة المكونات والخدمات التي يتم توفيرها محليًا، ارتفع الأثر الاقتصادي للصناعة.
كما يساهم ذلك في دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن تعمل كموردين للمصانع الكبرى.
وهنا تظهر أهمية بناء سلاسل إمداد محلية قوية.
فالمصنع الكبير قد يحتاج إلى مئات الموردين للمواد والمعدات والخدمات والصيانة والنقل.
وإذا كانت نسبة كبيرة من هذه الاحتياجات يتم توفيرها محليًا، فإن الأثر الاقتصادي يتوسع إلى قطاعات عديدة.
وتشجع هذه المنظومة الشركات المحلية على تطوير قدراتها حتى تستطيع تلبية متطلبات المصانع الكبيرة.
كما يمكن أن تخلق فرصًا جديدة لرواد الأعمال والشركات الناشئة في المجالات الصناعية والتقنية.
وتلعب المشتريات الحكومية كذلك دورًا مهمًا في دعم المحتوى المحلي، لأن الطلب الحكومي يمكن أن يساهم في خلق سوق للمنتجات والخدمات الوطنية وفق ضوابط ومعايير واضحة.
لكن دعم المنتج المحلي لا يعني حمايته من المنافسة إلى الأبد.
فالهدف هو مساعدته على الوصول إلى مستوى يستطيع فيه المنافسة بالجودة والكفاءة داخل المملكة وخارجها.
ولهذا يجب أن يرتبط الدعم بالتطوير المستمر وتحسين الإنتاجية.
البيانات والشفافية ودورهما في جذب الاستثمار الصناعي
من القضايا المهمة التي ناقشتها الحلقة شح البيانات المتعلقة بالصناعة والاستثمار.
ويحتاج المستثمر قبل الدخول إلى أي قطاع إلى معرفة حجم السوق، والطلب المتوقع، وعدد المنافسين، وتكاليف الإنتاج، والفرص الموجودة.
وعندما تكون البيانات محدودة أو غير واضحة، يصبح اتخاذ القرار أكثر صعوبة.
ولهذا فإن توفير معلومات دقيقة ومحدثة عن القطاعات الصناعية يمكن أن يساعد المستثمرين على تحديد الفرص بصورة أفضل.
كما تسمح البيانات للجهات الحكومية نفسها بقياس نتائج السياسات ومعرفة القطاعات التي تحتاج إلى دعم أو تطوير.
وقد تشمل البيانات معلومات عن الإنتاج، والصادرات، والواردات، وعدد المصانع، والوظائف، ومستوى المحتوى المحلي.
وكلما أصبحت هذه المعلومات أكثر سهولة في الوصول إليها، ارتفعت درجة الشفافية وانخفضت حالة عدم اليقين.
كما تساعد البيانات على اكتشاف الفجوات في السوق.
فإذا كانت المملكة تستورد كميات كبيرة من منتج معين يمكن إنتاجه محليًا بكفاءة، فقد يمثل ذلك فرصة استثمارية.
ويُعرف هذا النوع من التحليل أحيانًا بالبحث عن فرص إحلال الواردات، حيث يتم تحديد المنتجات التي يمكن تصنيعها محليًا بدلًا من الاعتماد الكامل على الاستيراد.
لكن القرار يجب أن يعتمد على الجدوى الاقتصادية والقدرة على المنافسة، وليس فقط على الرغبة في التصنيع المحلي.
الشراكة مع القطاع الخاص ومستقبل الاستثمار الصناعي في السعودية
لا يمكن للدولة أن تبني قطاعًا صناعيًا ضخمًا من خلال الإنفاق الحكومي وحده، ولذلك تمثل الشراكة مع القطاع الخاص عنصرًا أساسيًا في الاستراتيجية الصناعية.
فالقطاع الخاص هو الذي يدير المصانع ويطور المنتجات ويتعامل مع الأسواق ويتحمل جزءًا من المخاطر الاستثمارية.
ويأتي دور الحكومة في توفير البيئة التنظيمية والبنية التحتية والحوافز التي تساعد المستثمرين على الدخول والتوسع.
كما يمكن للجهات الحكومية العمل على معالجة العقبات التي تواجه المستثمر، مثل الإجراءات الطويلة أو نقص الأراضي الصناعية أو مشكلات التمويل والخدمات.
كيف يمكن تحفيز القطاع الخاص على التوسع الصناعي؟
يبحث المستثمر عادة عن مجموعة من العوامل قبل اتخاذ قرار بإنشاء مصنع أو توسيع نشاطه.
من أهم هذه العوامل وضوح الأنظمة، واستقرار السياسات، وتوافر الطاقة والمياه والخدمات اللوجستية، وسهولة الحصول على التمويل.
كما يهتم المستثمر بإمكانية الوصول إلى الأسواق والعملاء.
ولهذا فإن تطوير الموانئ والطرق والمناطق اللوجستية يمكن أن يكون له تأثير مباشر في جاذبية القطاع الصناعي.
وتساعد الحوافز كذلك على تشجيع الاستثمار في بعض الصناعات الاستراتيجية أو الجديدة.
لكن الحوافز وحدها لا تكفي إذا كانت البيئة التشغيلية معقدة.
ولهذا تحتاج الجهات إلى مراجعة الإجراءات بصورة مستمرة والعمل على تقليل الوقت والتكلفة اللازمين لبدء النشاط.
كما أن وجود مناطق صناعية متخصصة يمكن أن يساعد على بناء تجمعات من الشركات تعمل في قطاعات متقاربة.
وتوفر هذه التجمعات مزايا مثل مشاركة الخدمات ووجود موردين متخصصين وسهولة العثور على الكفاءات.
كما يمكن أن تشجع التعاون بين الشركات والجامعات ومراكز البحث.
ويعتبر تطوير رأس المال البشري عنصرًا أساسيًا أيضًا.
فالمصانع الحديثة تحتاج إلى مهندسين وفنيين ومتخصصين في البرمجيات والجودة وسلاسل الإمداد والإدارة.
ولهذا يجب أن تتوافق برامج التعليم والتدريب مع احتياجات الصناعة.
وكلما توفرت الكفاءات محليًا، أصبحت المملكة أكثر جاذبية للمستثمر الذي يبحث عن مكان يستطيع تشغيل مشروعه فيه بكفاءة.
الاستراتيجيات المستقبلية وكيف تصبح الصناعة أكثر جاذبية للاستثمار
تحدث بندر الخريف في ختام الحوار عن التغير الذي يشهده القطاع الصناعي في السعودية، وكيف أصبح أكثر جاذبية نتيجة مجموعة من الإصلاحات والمبادرات.
ويعتمد استمرار هذا التحول على القدرة على تنفيذ الاستراتيجيات وليس فقط إعلانها.
فالمستثمر يقيس النجاح من خلال سهولة ممارسة الأعمال وحجم الفرص والنتائج التي يراها على أرض الواقع.
كما تحتاج المملكة إلى الاستمرار في تطوير منظومة الابتكار، لأن الصناعات المستقبلية ستكون أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والمعرفة.
وتوجد فرص كبيرة في مجالات مثل التصنيع المتقدم والطاقة والتعدين والصناعات المرتبطة بالتقنيات الرقمية.
كما يمكن للصناعة أن تستفيد من التحولات العالمية في سلاسل الإمداد، حيث تبحث الشركات عن تنويع مواقع الإنتاج وتقليل الاعتماد على عدد محدود من الدول.
ويمكن للمملكة الاستفادة من موقعها ومواردها وبنيتها التحتية لجذب بعض هذه الاستثمارات.
لكن المنافسة على الاستثمار الصناعي عالمية، ولذلك يجب الاستمرار في تحسين البيئة التنظيمية وتوفير الحوافز المناسبة وتطوير المهارات.
وتلعب العلامة الوطنية «صنع في السعودية» دورًا إضافيًا في بناء صورة جديدة للمنتج السعودي.
فكلما نجحت الشركات المحلية في تقديم منتجات عالية الجودة، أصبحت العلامة أكثر قيمة داخل المملكة وخارجها.
ويحتاج ذلك إلى التركيز على الجودة والاعتمادية وخدمة العملاء والابتكار.
كما أن التوسع في التصدير يمكن أن يفتح فرصًا جديدة للمصانع ويجعلها أقل اعتمادًا على الطلب المحلي فقط.
ويعكس الحوار مع بندر الخريف أن التحول الصناعي في المملكة يعتمد على مجموعة مترابطة من العناصر، تشمل الاستراتيجية، والمحتوى المحلي، والابتكار، والبيانات، والقطاع الخاص، والكوادر الوطنية.
فالهدف لا يقتصر على زيادة عدد المصانع، بل بناء منظومة صناعية قادرة على إنتاج قيمة اقتصادية مستدامة.
ومع استمرار تنفيذ مستهدفات رؤية السعودية 2030، يمكن للصناعة أن تصبح أحد المحركات الرئيسية لتنويع الاقتصاد وخلق الوظائف وتعزيز الصادرات.
كما أن نجاح مبادرات مثل «صنع في السعودية» يرتبط بقدرة الشركات الوطنية على تحويل الدعم والفرص الحالية إلى منتجات تنافس عالميًا وتبني ثقة طويلة المدى لدى المستهلكين والمستثمرين.