الكواكبي الحفيد.. ذاكرة عائلة لا تنطفئ عن عبد الرحمن الكواكبي وإرثه الفكري
في حلقة جديدة من برنامج الذاكرة السورية، يفتح الباحث والمثقف سلام الكواكبي صندوق العائلة القديم ليقدّم صورة قريبة وشخصية عن أحد أبرز رموز النهضة العربية، عبد الرحمن الكواكبي، الذي ظلّت أفكاره حيّة رغم مرور أكثر من قرن على رحيله. الحلقة ليست مجرد استعادة لسيرة مفكر كبير، بل هي رحلة في ذاكرة مدينة حلب، وفي أثر فكرٍ تمرّد على الاستبداد، ليشكل حجر الأساس في فهم العرب للعلاقة مع السلطة والحرية.
يبدأ سلام الكواكبي حديثه باستحضار حضور الجدّ عبد الرحمن في ذاكرة العائلة؛ ذلك الحضور الذي لم يكن مجرد حكايات شفوية، بل مجموعة قيم متوارثة: النزاهة، الجرأة في قول الحق، والإيمان العميق بأن النهضة تبدأ من الإنسان نفسه. يشير الكواكبي إلى أن عبد الرحمن لم يكن سياسياً تقليدياً، بل مفكراً حمل همّ الإصلاح، وكتب من داخل قلب المعاناة محذّراً من خطر الاستبداد ونتائجه الكارثية على المجتمعات.
ويتوقف سلام عند الأثر الذي تركته كتب الكواكبي، خصوصاً «طبائع الاستبداد» و«أم القرى»، وهما العملان اللذان شكّلا صدمة فكرية في زمنهما ولا يزالان مرجعين أساسيين للباحثين والمهتمين بالشأن السياسي العربي. يؤكد أن هذه الكتب لم تُكتب من برجٍ فكري معزول، بل من تجربة حياة دفع صاحبها ثمنها نفياً وملاحقة وضغطاً متواصلاً من السلطات العثمانية.
كما يروي سلام الكواكبي تفاصيل أقل شهرة عن حياة عبد الرحمن، من بينها علاقاته الواسعة مع مثقفي عصره، ومراسلاته، ورحلته الطويلة التي انتهت في القاهرة حيث وجد هامشاً أوسع للتعبير، قبل أن يرحل بظروف غامضة لا تزال مثار جدل حتى اليوم. ويشير إلى أن جزءاً من إرث الكواكبي الفكري جرى طمسه عبر عقود، سواء بسبب طبيعة أفكاره الثورية أو لأن الاستبداد – الذي حاربه الكواكبي – لم ينقطع عن المنطقة.
وتأخذ الحلقة بُعداً عاطفياً حين يتحدث سلام عن علاقة العائلة بمدينة حلب، المدينة التي شكّلت حاضنة طبيعية لأفكار النهضة، والتي بقيت وفية لاسم الكواكبي حتى بعد أن تغيّرت معالمها بفعل الحرب. ويصف سلام كيف بقيت سيرة عبد الرحمن جزءاً من ذاكرة المدينة، تُروى في البيوت والمجالس، وتُستعاد كلما عاد الحديث عن الحرية أو الإصلاح.
كما تتطرق الحلقة إلى إرث الكواكبي في واقع السوريين اليوم، وكيف أن كثيراً من أفكاره بدت كأنها كُتبت لزماننا هذا، حيث ما زالت الأسئلة الكبرى حول السلطة والمواطنة والعدالة تنتظر إجابات. ويشير سلام إلى أن إعادة قراءة الكواكبي ليست مجرد استعادة تاريخ، بل ضرورة لفهم حاضر سوريا والمنطقة.
في ختام الحلقة، يقدّم سلام الكواكبي رؤية إنسانية لما يمكن أن يتعلّمه الجيل الجديد من تجربة الجدّ: الشجاعة في مواجهة الظلم، الإيمان بالتغيير، وعدم الاستسلام أمام القمع مهما طال. إنها دعوة مفتوحة للعودة إلى نصوص عبد الرحمن الكواكبي لا بوصفها جزءاً من التراث، بل كخارطة طريق لا تزال صالحة لمواجهة الاستبداد بكافة أشكاله.