سلاسل الإمداد في الأزمات.. كيف تستمر حركة العالم؟ مع د.م/ جميل كتبي | بودكاست سايدوز
في حلقة جديدة من بودكاست سايدوز، يستضيف البرنامج د.م/ جميل كتبي للحديث عن واحد من أهم الأنظمة التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، رغم أن المستهلك العادي قد لا يراه بشكل مباشر، وهو سلاسل الإمداد وسلاسل التوريد. فمن اللحظة التي تبدأ فيها المادة الخام رحلتها، وحتى يصل المنتج النهائي إلى المتجر أو إلى باب منزل المستهلك، توجد شبكة ضخمة من الموردين والمصانع وشركات الشحن والمخازن ومراكز التوزيع تعمل معًا حتى تصل المنتجات في الوقت والمكان المناسبين.
وتزداد أهمية فهم إدارة سلاسل الإمداد في وقت الأزمات العالمية، مثل الجوائح والحروب والتوترات الجيوسياسية والكوارث الطبيعية والتقلبات الاقتصادية. فقد أظهرت السنوات الأخيرة أن أي اضطراب يحدث في ميناء أو مصنع أو طريق بحري على بعد آلاف الكيلومترات يمكن أن يمتد تأثيره إلى أسواق ودول أخرى، ويظهر في صورة تأخر المنتجات أو ارتفاع الأسعار أو نقص بعض السلع.
ويناقش د. جميل كتبي خلال الحلقة كيف يمكن للشركات الاستعداد لهذه المخاطر، ولماذا أصبح بناء سلاسل إمداد مرنة أكثر أهمية من السعي إلى أعلى مستوى من الكفاءة فقط، إلى جانب دور التكنولوجيا وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في اكتشاف المشكلات والتعامل معها قبل أن تتحول إلى أزمات أكبر.
ما هي سلاسل الإمداد وكيف تؤثر الأزمات العالمية عليها؟
كيف تعمل سلاسل الإمداد من المواد الخام إلى المستهلك؟
يمكن تعريف سلسلة الإمداد Supply Chain بصورة مبسطة بأنها جميع المراحل والعمليات التي يمر بها المنتج أو الخدمة منذ الحصول على المواد الخام وحتى وصول المنتج النهائي إلى المستهلك.
وقد تبدو العملية للمستهلك بسيطة للغاية. يدخل إلى متجر، يجد المنتج على الرف، يشتريه وينتهي الأمر. لكن خلف هذا المنتج رحلة طويلة قد تكون شاركت فيها شركات ومصانع وموانئ ودول متعددة.
فعلى سبيل المثال، قد يتم استخراج المادة الخام المستخدمة في صناعة منتج معين من دولة، ثم تُرسل إلى مصنع في دولة أخرى لإجراء عمليات التصنيع، ثم تنتقل بعض المكونات إلى مكان مختلف للتجميع، وبعد ذلك يتم شحن المنتج إلى الأسواق وتخزينه في المستودعات قبل توزيعه على المتاجر أو إرساله مباشرة إلى المستهلكين.
وهكذا تشمل مراحل سلسلة الإمداد عادة مجموعة مترابطة من الأنشطة مثل الحصول على المواد الخام، والتوريد، والتصنيع، والنقل، والتخزين، وإدارة المخزون، والتوزيع، ثم توصيل المنتج إلى العميل النهائي.
وتكمن صعوبة إدارة هذه السلسلة في أن كل مرحلة تعتمد إلى حد كبير على المراحل الأخرى.
فإذا لم تصل المادة الخام في الوقت المحدد، قد يتوقف المصنع أو ينخفض إنتاجه. وإذا اكتمل التصنيع ولكن لم تتوفر وسيلة النقل المناسبة، ستتأخر المنتجات. وإذا وصلت البضائع إلى أحد الموانئ وحدث ازدحام أو تعطيل، يمتد التأخير إلى بقية مراحل السلسلة.
لهذا فإن إدارة سلاسل الإمداد Supply Chain Management ليست مجرد عملية شراء وشحن، وإنما منظومة تتطلب تخطيطًا وتنسيقًا ومتابعة مستمرة للعرض والطلب والمخزون والنقل والموردين والمخاطر المحتملة.
وتوضح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD أن سلاسل الإمداد العالمية تواجه اليوم ضغوطًا متزايدة تشمل التوترات الجيوسياسية والكوارث الطبيعية وعدم اليقين التنظيمي والتقلبات الاقتصادية، وهو ما جعل بناء القدرة على التعامل مع المخاطر جزءًا أساسيًا من إدارة سلاسل الإمداد الحديثة.
ويظهر تأثير هذه الشبكة بوضوح في حياتنا اليومية أكثر مما قد نتوقع.
فالطعام الموجود في الأسواق، والأدوية الموجودة في الصيدليات، والهواتف وأجهزة الكمبيوتر، وقطع غيار السيارات، والملابس، والأجهزة المنزلية، وحتى المواد التي تستخدمها المصانع المحلية في إنتاج منتجاتها، كلها تعتمد بدرجات مختلفة على وجود سلاسل إمداد قادرة على العمل باستمرار.
ولهذا فإن حدوث اضطراب كبير في هذه السلاسل قد لا يكون مجرد مشكلة تخص شركات النقل والتجارة، وإنما قد يصل تأثيره مباشرة إلى المواطن من خلال تغير الأسعار أو نقص بعض المنتجات أو طول فترات الانتظار.
كيف تكشف الحروب والجوائح والأزمات نقاط ضعف سلاسل التوريد؟
من أهم الأفكار التي يناقشها د. جميل كتبي في الحلقة أن الأزمات العالمية لا تؤدي فقط إلى تعطيل سلاسل الإمداد، وإنما تكشف أيضًا نقاط الضعف التي ربما لم تكن واضحة أثناء الظروف الطبيعية.
وقد كان انتشار جائحة كورونا مثالًا واضحًا على ذلك. فتوقف بعض المصانع، والقيود على السفر والتنقل، والضغط على شبكات النقل والشحن، والتغير المفاجئ في أنماط الطلب؛ كلها عوامل جعلت الشركات والدول أكثر وعيًا بدرجة اعتمادها على الموردين وشبكات الإنتاج الدولية.
وتشير دراسات OECD إلى أن تأثير اضطرابات الإمداد يكون أكبر عندما تعتمد الشركات أو الدول بصورة كبيرة على عدد محدود من البلدان أو الشركات الموردة، بينما يساعد تنويع مصادر التوريد على تقليل التعرض للصدمات التي تحدث في دولة أو مورد معين.
فإذا كانت شركة تحصل على مكون أساسي لمنتجها من مصنع واحد فقط، فإن توقف هذا المصنع يمكن أن يوقف جزءًا كبيرًا من عملياتها.
أما الشركة التي تمتلك عدة مصادر للتوريد في مناطق مختلفة، فقد تكون أمامها بدائل تسمح لها بالاستمرار حتى لو تعطلت إحدى القنوات.
وينطبق الأمر نفسه على طرق النقل.
فالتجارة العالمية تعتمد بدرجة كبيرة على النقل البحري، وتؤكد بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD أن أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية في السلع يتم نقله بحرًا، وهو ما يوضح مدى أهمية الموانئ والممرات البحرية في استمرار سلاسل الإمداد العالمية.
وعندما يحدث اضطراب في طريق بحري استراتيجي، قد تضطر السفن إلى تغيير مسارها، ما يعني زيادة زمن الرحلة واستهلاك الوقود وتكاليف النقل والتأمين، وهو ما يمكن أن يمتد لاحقًا إلى تكلفة المنتجات.
وقد شهد العالم أمثلة واضحة على ذلك في السنوات الأخيرة مع الاضطرابات التي تعرضت لها حركة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس والبحر الأسود وقناة بنما. وأشارت UNCTAD إلى أن تداخل الأزمات الجيوسياسية والمناخية والأمنية في هذه المناطق أدى إلى تغير الطرق والجداول الزمنية للنقل البحري وأبرز مدى حساسية البنية التحتية للتجارة العالمية تجاه الصدمات المتزامنة.
وهنا نفهم لماذا يمكن لحدث يقع في جزء معين من العالم أن يؤثر على منتجات نشتريها يوميًا في منطقة أخرى تمامًا.
كيف تبني الشركات سلاسل إمداد مرنة باستخدام التكنولوجيا والتخطيط؟
المخزون الاستراتيجي وتنويع الموردين: لماذا المرونة أهم من الكفاءة وحدها؟
لفترة طويلة ركزت العديد من الشركات على زيادة الكفاءة وتقليل التكلفة قدر الإمكان. ومن أشهر الأفكار المرتبطة بذلك تقليل المخزون والحصول على المواد والمنتجات في الوقت الذي تحتاج إليه الشركة تقريبًا، بدلًا من الاحتفاظ بكميات كبيرة داخل المستودعات.
ولهذه الاستراتيجية فوائد واضحة، فهي تساعد على خفض تكاليف التخزين وتقليل الأموال المرتبطة بالمخزون.
لكن الحلقة تطرح سؤالًا مهمًا: ماذا يحدث عندما يقع اضطراب مفاجئ؟
إذا كانت الشركة لا تحتفظ بأي احتياطي تقريبًا، وتعتمد على مورد واحد أو طريق نقل واحد، فقد تكون شديدة الكفاءة عندما تسير الأمور بصورة طبيعية، لكنها قد تصبح أكثر هشاشة عندما تحدث أزمة.
ولهذا ظهر اهتمام متزايد بمفهوم مرونة سلاسل الإمداد Supply Chain Resilience.
والمقصود بالمرونة قدرة سلسلة الإمداد على التعامل مع الاضطرابات والتكيف معها واستعادة عملياتها بأسرع صورة ممكنة.
وتؤكد مراجعة OECD لسلاسل الإمداد أن المرونة لا تعني التخلص من جميع المخاطر، وهو أمر غير واقعي، وإنما تعني تحسين القدرة على إدارة المخاطر والتكيف معها. وتشير المنظمة إلى ثلاث خصائص مهمة لسلاسل الإمداد المرنة: القدرة على التحرك بسرعة، والقدرة على التكيف مع التغيرات، والتنسيق بين الأطراف المختلفة.
ومن أهم الأدوات المستخدمة لتحقيق ذلك تنويع الموردين.
فعوضًا عن الاعتماد الكامل على مورد واحد، يمكن للشركات بناء علاقات مع أكثر من مورد، وربما في مناطق جغرافية مختلفة، حتى يكون لديها بديل إذا حدث اضطراب.
لكن التنويع لا يعني أن الحل دائمًا هو إعادة جميع عمليات الإنتاج إلى داخل دولة واحدة. وتوضح OECD أن محاولة توطين كل الإنتاج محليًا قد تؤدي إلى خسائر اقتصادية، وقد لا تحقق بالضرورة المرونة المطلوبة، بينما يمكن لإدارة المخاطر وتنويع المصادر أن تكون استراتيجية أكثر توازنًا.
ويأتي بعد ذلك المخزون الاستراتيجي.
فبعض المواد والمنتجات لا يمكن للشركات أو الدول تحمل انقطاعها بسهولة، خاصة المواد المرتبطة بالصحة والطاقة والغذاء والعمليات الصناعية الأساسية.
في هذه الحالات قد يكون الاحتفاظ باحتياطي مدروس جزءًا من خطة إدارة المخاطر، بحيث تستطيع المؤسسة مواصلة العمل لفترة معينة إذا تأخر المورد أو تعطلت عمليات الشحن.
لكن الهدف ليس بناء مخزون هائل من كل شيء، وإنما تحديد المواد الحرجة ومعرفة مستوى الاحتياطي المناسب وفقًا لاحتمالات الخطر وزمن الحصول على بدائل.
وتدخل ضمن التخطيط أيضًا دراسة عدة سيناريوهات مسبقًا: ماذا يحدث إذا توقف المورد الرئيسي؟ ماذا نفعل إذا ارتفعت تكاليف الشحن بصورة مفاجئة؟ هل توجد طرق نقل بديلة؟ وكم يومًا يمكن للمخزون الحالي أن يغطي احتياجات التشغيل؟
هذه الأسئلة تجعل الشركة أكثر استعدادًا بدلًا من بدء التفكير في الحل بعد وقوع الأزمة.
دور الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في مستقبل سلاسل الإمداد
أصبحت التكنولوجيا أحد أهم العناصر التي غيرت طريقة إدارة سلاسل الإمداد الحديثة.
ففي الماضي كانت متابعة كثير من مراحل التوريد والنقل تعتمد على التقارير والاتصالات اليدوية والمعلومات التي قد تصل بعد حدوث المشكلة، بينما تسمح الأنظمة الرقمية اليوم بجمع وتحليل كميات ضخمة من البيانات بصورة أسرع.
ويمكن للشركات متابعة مستويات المخزون، وحركة الشحنات، ومعدلات الطلب، وأوقات وصول الموردين، وأداء المستودعات والنقل بصورة أكثر دقة.
وهنا يأتي دور تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في سلاسل الإمداد.
إحدى أهم الاستخدامات هي التنبؤ بالطلب Demand Forecasting. فبدلًا من الاعتماد فقط على تقديرات عامة، يمكن تحليل بيانات المبيعات السابقة والأنماط الموسمية وتغير سلوك العملاء وعوامل أخرى للمساعدة في توقع كمية المنتجات المطلوبة.
وتساعد التوقعات الأفضل الشركات على تحقيق توازن مهم: ألا تحتفظ بمخزون ضخم لا تحتاج إليه، وفي الوقت نفسه ألا تجد نفسها من دون منتجات عندما يرتفع الطلب.
كما يمكن استخدام التكنولوجيا لمتابعة الشحنات واكتشاف التأخير المحتمل مبكرًا.
فإذا أظهرت البيانات أن ميناءً معينًا يشهد ازدحامًا شديدًا أو أن مسارًا للشحن يواجه اضطرابًا، يمكن للشركة دراسة البدائل قبل وصول المشكلة إلى مرحلة تعطل عملياتها بالكامل.
وتظهر قيمة التكنولوجيا أيضًا في إدارة المستودعات، حيث تساعد الأنظمة الحديثة على معرفة أماكن المنتجات ومستويات المخزون وحركة الطلب بصورة لحظية، ما يتيح اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة.
لكن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني أن التكنولوجيا ستلغي دور المتخصصين في إدارة سلاسل التوريد. فالبيانات والنماذج تستطيع دعم القرار وإظهار أنماط ربما يصعب اكتشافها يدويًا، لكن تظل هناك حاجة إلى خبرة بشرية لفهم ظروف السوق والمخاطر والعلاقات مع الموردين واتخاذ القرارات المناسبة عند حدوث أحداث غير متوقعة.
وتوضح الحلقة كذلك أن مستقبل سلاسل الإمداد لن يكون قائمًا على البحث عن أقل تكلفة فقط، وإنما على تحقيق توازن بين الكفاءة والمرونة والاستدامة وإدارة المخاطر.
فالشركة التي تحقق أقل تكلفة تشغيلية في الظروف الطبيعية ليست بالضرورة الشركة الأكثر قدرة على الاستمرار أثناء الأزمة.
وقد تكون المؤسسة التي تحتفظ ببعض البدائل أو المخزون الإضافي أو عدة موردين أعلى تكلفة بدرجة بسيطة في الأيام الطبيعية، لكنها أكثر قدرة على مواصلة العمل عندما يتوقف أحد الموردين أو تتعطل إحدى طرق النقل.
ومن هنا تتغير النظرة إلى سلاسل الإمداد من مجرد إدارة تشغيلية خلف الكواليس إلى عنصر استراتيجي يؤثر مباشرة في قدرة الشركات على المنافسة والاستمرار.
ويصل تأثير هذا النظام في النهاية إلى كل فرد تقريبًا. فعندما نجد الغذاء والدواء والملابس والأجهزة والمنتجات اليومية متاحة بسهولة، فنحن نرى النتيجة النهائية فقط لشبكة عالمية ضخمة تعمل في الخلفية.
ولهذا يوضح حديث د. جميل كتبي في بودكاست سايدوز أن فهم سلاسل الإمداد لم يعد موضوعًا يخص العاملين في اللوجستيات فقط؛ فهذه السلاسل أصبحت من الأعمدة الأساسية للاقتصاد الحديث، وأي تحسن في قدرتها على التنبؤ بالمخاطر والتكيف مع الأزمات ينعكس على الشركات والأسواق والمستهلكين واستقرار الحياة اليومية نفسها.