ما حدود الشعبوية في الإعلام؟ | د. توفيق عكاشة
الشعبوية الإعلامية وتأثيرها على الرأي العام في عصر السوشيال ميديا
تناقش هذه الحلقة من البودكاست مع الإعلامي والكاتب د. توفيق عكاشة – Tawfik Okasha واحدة من أبرز الظواهر التي أصبحت حاضرة بقوة في المشهد الإعلامي المعاصر، وهي الشعبوية الإعلامية وحدود تأثيرها في تشكيل الرأي العام، خاصة في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية التي غيرت بصورة كبيرة طريقة تلقي الأخبار والمعلومات.
فخلال العقود الماضية كان الجمهور يعتمد بصورة أساسية على الصحف والإذاعة والقنوات التلفزيونية للحصول على المعلومات، بينما أصبح المشهد اليوم أكثر تنوعًا وتعقيدًا. فالهاتف المحمول ومنصات مثل فيسبوك ويوتيوب وإكس وتيك توك وغيرها جعلت كل مستخدم قادرًا على استقبال المحتوى ونشره والتعليق عليه والمشاركة في تشكيل النقاش العام.
ومع هذا التحول ظهرت أنماط جديدة من الخطاب الإعلامي تعتمد بصورة كبيرة على جذب الانتباه وإثارة المشاعر وتحقيق الانتشار السريع، وهو ما أعاد النقاش حول مفهوم الشعبوية الإعلامية وتأثيرها في طريقة فهم الجمهور للأحداث والقضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
ولا تعني الشعبوية الإعلامية بالضرورة نشر معلومات غير صحيحة، لكنها قد تعتمد على تقديم موضوعات معقدة بطريقة شديدة التبسيط، أو استخدام لغة انفعالية ومباشرة تستهدف المشاعر أكثر من تقديم تحليل متوازن للمعلومات.
ويطرح هذا الواقع سؤالًا مهمًا حول مستقبل الإعلام: هل يستطيع الإعلام أن يجذب الجمهور ويحافظ في الوقت نفسه على الدقة والعمق والمهنية؟ أم أن المنافسة على المشاهدات والتفاعل قد تدفع بعض وسائل الإعلام وصناع المحتوى إلى تقديم الخطاب الأكثر إثارة حتى لو كان أقل قدرة على شرح الواقع بصورة متكاملة؟
ما هي الشعبوية الإعلامية وكيف تؤثر في تشكيل الرأي العام؟
كيف يعتمد الخطاب الشعبوي على المشاعر وتبسيط القضايا المعقدة؟
يمكن فهم الشعبوية الإعلامية باعتبارها نمطًا من الخطاب يحاول بناء علاقة مباشرة وسريعة مع الجمهور، ويعتمد في كثير من الأحيان على تقديم القضايا بصورة مبسطة يسهل فهمها وتداولها.
وتصبح هذه الطريقة أكثر تأثيرًا عندما ترتبط بموضوعات تشغل الرأي العام مثل السياسة أو الاقتصاد أو الأمن أو الأزمات الاجتماعية.
فالقضايا الكبيرة عادة تكون نتيجة شبكة معقدة من الأسباب والعوامل، لكن الخطاب الشعبوي قد يقدم لها تفسيرًا واحدًا بسيطًا، ويمنح الجمهور إجابة سريعة تبدو مقنعة.
وقد يكون هذا الأسلوب جذابًا لأن العقل البشري يميل بصورة طبيعية إلى القصص والتفسيرات المباشرة، خاصة عندما يواجه معلومات كثيرة أو أحداثًا متسارعة.
ومن الخصائص الشائعة لهذا النوع من الخطاب استخدام اللغة العاطفية.
فبدلًا من الاعتماد فقط على الأرقام والبيانات والتحليل، قد يتم التركيز على مشاعر مثل الخوف والغضب والحماس أو الإحساس بالظلم.
وتملك هذه المشاعر قدرة كبيرة على جذب الانتباه، كما أنها تجعل الجمهور أكثر استعدادًا لمشاركة المحتوى والتفاعل معه.
وهنا تظهر العلاقة بين الشعبوية الإعلامية وما يعرف في الإعلام الرقمي بـ اقتصاد الانتباه.
فالمنصات تتنافس على وقت المستخدم، وصانع المحتوى يحتاج إلى جذب انتباهه وسط آلاف المنشورات ومقاطع الفيديو التي تظهر أمامه يوميًا.
ولهذا تصبح العناوين القوية والمواقف الحادة والمحتويات التي تثير الانفعال أكثر قدرة على الانتشار من التحليلات الطويلة التي تحتاج إلى تركيز ووقت.
لكن تبسيط القضايا ليس مشكلة في حد ذاته.
فأحد أدوار الإعلام المهمة هو شرح الموضوعات المعقدة للجمهور بطريقة سهلة ومفهومة. والمشكلة تظهر عندما يتحول التبسيط إلى اختزال مخل يحذف المعلومات التي لا تتفق مع الرسالة التي يريد مقدم المحتوى إيصالها.
فعندما تُختزل قضية اقتصادية معقدة في سبب واحد، أو يتم تفسير أزمة سياسية كبيرة من خلال طرف واحد فقط، قد يحصل الجمهور على صورة غير مكتملة تساعد على تشكيل موقف قوي دون امتلاك المعلومات الضرورية لفهم القضية بصورة متوازنة.
كما يعتمد بعض الخطاب الشعبوي على بناء تقسيم واضح بين مجموعتين متقابلتين، مثل "نحن وهم" أو "الشعب والنخبة"، وهو أسلوب يمنح الجمهور شعورًا بالانتماء إلى طرف معين.
ومع تكرار هذا الخطاب، قد تتحول القضايا من موضوعات يمكن النقاش حولها إلى قضايا هوية يشعر فيها الإنسان أن تغيير رأيه يعني التخلي عن المجموعة التي ينتمي إليها.
وتوضح المناقشة مع د. توفيق عكاشة أن التأثير الإعلامي لا يتوقف فقط على المعلومات التي يتم تقديمها، بل يشمل كذلك طريقة صياغة هذه المعلومات واختيار الكلمات والصور والزوايا التي يتم التركيز عليها.
ولهذا فإن فهم الشعبوية الإعلامية يساعد الجمهور على قراءة المحتوى بصورة أكثر نقدًا بدلًا من التفاعل معه اعتمادًا على الانطباع الأول فقط.
كيف تستطيع وسائل الإعلام والمنصات الرقمية توجيه الرأي العام؟
يشير مفهوم الرأي العام إلى الاتجاهات والمواقف التي تتشكل لدى قطاعات من المجتمع تجاه القضايا والأحداث المختلفة، ويلعب الإعلام دورًا كبيرًا في هذه العملية لأنه يحدد بدرجات متفاوتة الموضوعات التي يتعرض لها الجمهور والطريقة التي يتم من خلالها تقديم هذه الموضوعات.
وفي العصر الرقمي أصبحت هذه العملية أكثر تعقيدًا.
فالمستخدم لا يحصل على الأخبار من مؤسسة إعلامية واحدة، بل يتنقل بين قنوات تلفزيونية ومواقع إلكترونية وصفحات على وسائل التواصل وحسابات شخصية ومقاطع فيديو ومنشورات قصيرة.
وقد يبدو هذا التنوع إيجابيًا لأنه يوفر مصادر متعددة، لكنه يخلق تحديًا جديدًا يتمثل في صعوبة التحقق من حجم المعلومات التي تصل إلى المستخدم يوميًا.
ومن أهم التحولات التي صاحبت ظهور السوشيال ميديا أن الجمهور لم يعد مجرد مستقبل للمحتوى.
فالمستخدم يستطيع اليوم التعليق والمشاركة وإعادة النشر وصناعة محتوى جديد، وبالتالي يصبح جزءًا من عملية انتشار المعلومة نفسها.
كما تسمح المنصات الرقمية للمحتوى بالانتشار خلال دقائق إلى ملايين الأشخاص، وهو أمر لم يكن ممكنًا بهذه السرعة في الإعلام التقليدي.
وتعتمد الكثير من المنصات على أنظمة توصية تحاول عرض المحتوى الذي يحتمل أن يحافظ على اهتمام المستخدم ويجعله يستمر في استخدام المنصة.
وقد يؤدي ذلك إلى ظهور المزيد من المحتوى المشابه لما يتفاعل معه الشخص بالفعل.
ومن هنا يظهر مفهوم فقاعات المعلومات، حيث قد يجد المستخدم نفسه محاطًا بصورة متكررة بالآراء التي تتوافق مع مواقفه، بينما يقل تعرضه لوجهات النظر المختلفة.
وهذا الأمر قد يؤثر في تشكيل الرأي العام، لأن الشخص يبدأ في الاعتقاد بأن الرأي الذي يشاهده باستمرار يمثل رأي الجميع تقريبًا.
كما أن الانتشار السريع للمحتوى يجعل تصحيح المعلومات أكثر صعوبة.
فقد تنتشر معلومة خاطئة أو ناقصة على نطاق واسع خلال فترة قصيرة، ثم يأتي التصحيح بعد ذلك، لكن عدد الأشخاص الذين يشاهدون التصحيح قد يكون أقل بكثير ممن شاهدوا المعلومة الأولى.
ولهذا أصبحت المصداقية الإعلامية والتحقق من المعلومات من القضايا الأساسية في الإعلام الحديث.
ولا يقتصر التأثير كذلك على الأخبار الكاذبة، فقد تكون المعلومات صحيحة في حد ذاتها لكن طريقة اختيارها وعرضها تعطي انطباعًا مختلفًا تمامًا عن الصورة الكاملة.
ولهذا يحتاج المتلقي إلى معرفة الفرق بين الخبر والرأي والتحليل، وبين الحقيقة التي يمكن التحقق منها والتفسير الذي يقدمه الإعلامي أو الكاتب لها.
الشعبوية في عصر السوشيال ميديا بين الاستقطاب ومسؤولية الإعلام
كيف تساهم الشعبوية الإعلامية في زيادة الاستقطاب داخل المجتمع؟
من أخطر النتائج التي ترتبط أحيانًا بانتشار الخطاب الشعبوي في الإعلام زيادة حالة الاستقطاب، أي تحول المجتمع إلى مجموعات تتخذ مواقف شديدة التباعد تجاه القضايا المختلفة.
فالاختلاف في الآراء أمر طبيعي في أي مجتمع، بل يمكن أن يكون صحيًا عندما يؤدي إلى نقاش وتبادل للأفكار.
لكن الاستقطاب يصبح مشكلة عندما تتحول الآراء السياسية أو الاجتماعية إلى هويات مغلقة، بحيث ينظر كل فريق إلى الفريق الآخر بوصفه خصمًا يجب مهاجمته بدلًا من طرف يمكن الحوار معه.
وقد تساهم اللغة الإعلامية الحادة في تعزيز هذا الاتجاه.
فعندما يتم تصوير قضية ما باعتبارها مواجهة بين الخير والشر بصورة مستمرة، تقل مساحة الحلول الوسط أو محاولة فهم موقف الطرف الآخر.
كما تساعد وسائل التواصل الاجتماعي على تضخيم الخطاب الانفعالي لأن المحتوى الذي يثير الغضب أو الدهشة يستطيع في كثير من الأحيان تحقيق مستويات مرتفعة من التفاعل.
ويواجه الجمهور هنا مشكلة تتعلق بسرعة اتخاذ المواقف.
فقد يشاهد المستخدم مقطعًا قصيرًا لا يتجاوز عدة ثوانٍ أو دقيقة، ثم يبني موقفًا كاملًا من قضية سياسية أو اجتماعية شديدة التعقيد.
وفي كثير من الأحيان يكون المقطع مقتطعًا من سياق أوسع أو يقدم جانبًا واحدًا فقط من الحدث.
ومع تكرار هذا النمط، تبدأ المشاعر اللحظية في التأثير بصورة أكبر في تشكيل المواقف طويلة المدى.
وقد يشعر الشخص بالغضب بسبب خبر معين، ثم يشارك المحتوى فورًا قبل التأكد من مصدره أو قراءة التفاصيل الكاملة.
وبذلك لا يصبح فقط متلقيًا للخطاب الشعبوي، بل يساهم في نشره إلى دائرة أوسع من الأشخاص.
كما أن الاستقطاب قد يضعف الثقة بين أفراد المجتمع وبين الجمهور والمؤسسات المختلفة.
فإذا اعتاد الشخص النظر إلى كل معلومة من زاوية الانتماء السياسي أو الاجتماعي لمصدرها، يصبح من الصعب الوصول إلى أرضية مشتركة للنقاش.
ومن هنا تظهر أهمية التفكير النقدي في مواجهة التأثيرات السلبية للشعبوية الإعلامية.
فبدلًا من السؤال فقط: "هل أتفق مع هذه المعلومة؟"، من المفيد أن يسأل المستخدم: من نشرها؟ وما مصدرها الأصلي؟ وهل توجد معلومات أخرى تغير السياق؟ وهل العنوان يعكس المحتوى فعلًا أم أنه مصمم فقط لجذب الانتباه؟
هذه الأسئلة لا تمنع الإنسان من تكوين رأي، لكنها تساعده على تكوينه بناءً على صورة أكثر اكتمالًا.
ما مسؤولية الإعلاميين في تحقيق التوازن بين جذب الجمهور والمصداقية؟
تضع المنافسة الرقمية الإعلاميين أمام تحدٍّ حقيقي؛ فالإعلام يحتاج إلى جمهور حتى يستطيع الاستمرار والتأثير، لكن البحث عن الجمهور لا ينبغي أن يكون على حساب المصداقية والدقة المهنية.
فالعنوان الجذاب ليس مشكلة إذا كان يعكس حقيقة المحتوى، كما أن استخدام لغة بسيطة ليس دليلًا على ضعف المادة الإعلامية.
المشكلة تبدأ عندما يتحول جذب الانتباه إلى الهدف الوحيد، فيتم تضخيم الأحداث أو استخدام عناوين مثيرة لا تتناسب مع المعلومات الموجودة داخل المحتوى.
وهنا تظهر مسؤولية الإعلامي في الفصل قدر الإمكان بين المعلومة والتفسير والرأي الشخصي.
فعندما يقدم الإعلامي رأيًا، من المهم أن يكون واضحًا للجمهور أن ما يسمعه تحليل أو وجهة نظر وليس حقيقة مطلقة.
كما ينبغي عند تناول موضوعات مثيرة للجدل إعطاء مساحة كافية للسياق والمعلومات التي يحتاج إليها الجمهور لتكوين موقفه.
وتزداد هذه المسؤولية عند التعامل مع الملفات السياسية والاجتماعية الحساسة، لأن كلمة واحدة أو معلومة غير دقيقة يمكن أن تنتشر بسرعة كبيرة وتؤثر في آلاف أو ملايين الأشخاص.
ومن المبادئ المهمة كذلك التحقق من المصادر وعدم التعامل مع سرعة النشر باعتبارها أكثر أهمية من صحة المعلومة.
ففي البيئة الرقمية يوجد ضغط دائم لتقديم الخبر قبل المنافسين، لكن نشر معلومة غير صحيحة ثم حذفها لاحقًا قد يسبب ضررًا أكبر من التأخر دقائق في نشر معلومات موثوقة.
كما تقع مسؤولية مهمة على الجمهور نفسه.
فالإعلام الجيد يحتاج إلى متلقٍ واعٍ لا يكافئ دائمًا المحتوى الأكثر صخبًا بالإعجابات والمشاركات، بل يبحث عن المصادر التي تقدم له معلومات موثوقة وتحليلًا متزنًا.
وكلما ارتفع مستوى الثقافة الإعلامية لدى الجمهور، أصبحت مساحة انتشار المحتوى المضلل أو شديد التبسيط أقل.
وتوضح مناقشة د. توفيق عكاشة أن التحول الرقمي لم يلغِ دور الإعلام التقليدي بقدر ما أعاد تعريفه.
فالمؤسسات الإعلامية اليوم تتنافس مع صناع المحتوى والأفراد والمنصات المختلفة، وأصبح عليها تطوير طرق تقديمها للمحتوى دون التخلي عن المعايير المهنية التي تمنح الإعلام قيمته.
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الشعبوية الإعلامية باعتبارها مجرد أسلوب لغوي، بل كظاهرة ترتبط بطريقة عمل الإعلام الحديث واقتصاد الانتباه والتغيرات التي طرأت على سلوك الجمهور.
فالخطاب الذي يخاطب العاطفة يستطيع الوصول إلى الناس بسرعة، لكن التأثير السريع لا يعني دائمًا تقديم فهم أعمق للواقع.
ولهذا يصبح التحدي الأساسي أمام الإعلام المعاصر هو الجمع بين القدرة على الوصول إلى الجمهور وبين تقديم محتوى يحترم ذكاء المتلقي ويمنحه ما يكفي من المعلومات والسياق لتكوين رأيه بنفسه.
ومع استمرار توسع وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها على الرأي العام، ستصبح مهارات التحقق من الأخبار وتحليل الخطاب وفهم آليات التأثير الإعلامي أكثر أهمية، سواء بالنسبة إلى الصحفيين وصناع المحتوى أو بالنسبة إلى الجمهور الذي أصبح اليوم جزءًا أساسيًا من عملية صناعة ونشر المعلومات.